أبي و 10 أعوام من الحج.

الثاني والعشرون من جون| “وليس نبيًا ولكن.. عليه السلام”

حينما قرأت تغريدات الأغلب عن اليوم العالمي للأب، لم أتذكر مواقف حضوره بجانبي وكانت كُثر، تذّكرت فترة غيابه في كُل عيد أضحى لمدة 10 أعوام متتالية لذهابه للحج!

كان غيابه مؤرقًا، غصة في حلقي، أعدم بهجة العيد عندي، حتى بدلت يوم العيد من العاشر ذو الحجة إلى حين قدوم أبي، سرًا في نفسي.

لم أكن أُحادثه حينها، لا أكلمه إلا دقائق في يوم العيد، ليس عقابًا وإنما خشية أن أؤذي قلبه بدموعي وصوتي ذو الغصة، وعلى الطرف المقابل للأثير كان يجيء صوته هادئًا، مليء بالأمان لا زلت أتذكر مُبتدأ حديثه بـ “بنتي…”.

كنت حينها أنام احيانًا عند أُمي، أخذ مكان أبي وأضم وسادته، في غرفتها ذات الثلاث نوافذ، التي تشرف صباحًا على موج من أسراب الحمام، تشير لها أمي بأنها طيور الحج، في سرّي كنت أبعث بالرسائل والأمنيات معها لأبي، أعرف يقينًا أنها لن تصل، لكنّ شيئًا كان يطمئنني إن فعلت.

حينما استيقظ وبعكس عاداتي حينما كُنت صغيرة، أهرع لفتح التلفاز وعلى قناة بث شعائر الحج اتسمّر جالسة، أبحث عن أبي بين أكوام الرجال؛ غاضّه الطرف عن كونهم مداد من الرجال المُحرمِين بلون واحد.

استذكر شعور الشوق في عُمر الطفولة، واتفاجئ بعدم تبدد طُرق تصرفي معه، واحساسي به، وحتى ألمه وتعبه وضيقه ثم فرحه، لا زلت الشغوفة جدًا بمن أُحب، كثيرة التفقّد، أتمسك بالمشاعر، وأضمها في داخلي بكلتا يدي، فتُحدث بي زلزالًا من العواطف، ويبقى وجهي صامتًا هادئًا إلا من بعض الدموع.

في أيام العيد أدس أجمل أثوابي لاستقبال أبي، أمتنع عن لبسه يوم العيد، أخترع العيوب فيه أمام أمي حتى تعدل عن قرار أن يكون هذا الثوب هو لصُبح العيد ونختار غيره.

حينما يُغرقني الحنين أرقًا في الليل، كنت أكتب الرسائل لأبي، أحكي فيه عن وحشة منزلنا، افتقادي الدائم له، بحثي عنه في التلفاز، دعواتي له يوم عرفة، وتساؤلاتي عن أحداث يومه، حكاياتي التي كنت أكتبها في طفولتي، وحينما بت في سن المراهقة كتبت له عن أُمنياتي الصُغرى، والكتب التي قرأت فترة غيابه، وعن أول أوقات عامي الجديد؛ حيث أن تاريخ ميلادي يُصادف الثاني عشر من ذي الحجة.. ثم أُقدمها له كهدية استقبال.

في يوم من أيام غيابه، سقطت مغشيًا عليّ، إثر هبوط ضغط حاد، كنت طفلة في العاشرة من عُمري، رفضت أن أكل أي شيء انتظارًا لحين قدوم أبي؛ فتأخر عن وقت مجيئه، لم أعي إلا وأنا في المشفى، بجانبي أمي وخالي إبراهيم وأخويّ، كنت انظر بينهم لعليّ أجد وجهه بين الزحام.. ولم أجده، كانت تلك اللحظة من أولى خيباتي في الحياة.

كنت أُحب سماع كلمة “طواف الوداع”، كان ذلك مرادف لقُرب لقاء أبي، وعلى الرغم ما فيها من فُراق إلا أنها ترسم على شفاهي ابتسامة مُختلَسة، كانت هذه الكلمة تدق في قلبي ناقوس الفرح، تبدأ أُمي بمراسم الاستقبال، تطهو الطعام بطريقة لذيذة، وتبدو رائحته زكيّة، يُسرع أخي لشراء الخبز، وأطوف أنا بمبخرة العود في ارجاء المنزل، وأُبخر ثيابه وخزانته و وسادته، كان مجيئه عيدًا أنعم به.

أؤمن بأن الوقت الذي نمضيه دون شخص نُحبه، يُعرّفنا بطريقة ما على حلاوة الوقت معه، لا أتحدث هنا عن وجود هذا الحبيب بل عن الوقت وحسب، يبدو سريعًا مهرولًا خفيفًا ضاحكًا، أتخيله كطفلة نحيلة سعيدة تركض وثبًا تحاول التقاط غيمة في السماء!

حين يصل أبي، لا يجيء وحده ابدًا، يأتي حاملًا معه آمان الدنيا، وطمأنينة العالم، والسلام المنشود في الأرض، وضحكتي المفقودة.

رغم ذوبله حينها إلا أن عينيه المتعبه كانت عافيتي من كُل علّه، احيانًا كان يجيء محمومًا إثر الانفلونزا فيطلب مني أن ابتعد عنه قليلًا؛ حتى لا أُصاب بالعدوى.. وأرفض، كان هو البيت وأعمدته وسقفه، هو الآن هُنا ليس في التلفاز قريبًا مني، كيف لي أن أبتعد.

أتناول معه الطعام، يبدو شهيًا، لذيذًا، مُشبعًا، كانت أمي تُعد اللحم دائمًا، ولا أفضلّه ليومنا هذا لكني حينها آكله بتلذذ، تبدو آثار اللقيا فاتحة لشهيتي، بطريقة تُدهش حتى عائلتي.

بعد أن ينتهي من الأكل، كنت أرتكي على فخذه، ليحكي لنا قصص الحج، مواقفه ومغامراته، من قابل وما شاهد، وما الذي اشترى لنا، فاسأله بعد كُل الحكاوي: “دعيتلنا؟” وأقصد بالجمع نفسي، فيجيب ضاحكًا ممسكًا بأنفي: “اممم لا”.

بوصوله يهجرني الأرق، وأنام بسعادة بالغة، كأني امتلك الدنيا، بنجومها ومحاسنها وفضائلها، يبدو حينها بيتنا أكثر رحابة، و وجهي أكثر إشراقًا، وصوت قرشعة المفاتيح أكثر طربًا؛ لتأكدي بأن القادم هو أبي، ليس أخي الذي يحاول تقليده!

دائمًا ما استنكر أي شخص يتعجب من فقداني الشديد لأبي في عيد الأضحى ذاك الوقت، على الرغم من كونها 10 أعوام متتالية إلا أني لم أعتد بعد، قلبي لم يرغب بذلك.

واليوم بعد أن انقضت تلك الأعوام، أفرح بعيد الأضحى أكثر لوجوده، أسعد بيوم ميلادي أكثر، نشاهد الحجاج في التلفاز معًا، يستذكر كل مواقفه واستمع له، وقلبي يردد باسمًا حامدًا: “هو هُنا الآن، أمامي بجانبي”.

**

حفظ الله أبي لعينيّ و روحي وقلبي، حفظ لكم آبائكم، ورحم من مات منهم، وجمعنا في فردوسه الأعلى يا ربّ.. آمين.

تمت في الثلاثاء :

الثاني والعشرون من جون|٢٠٢١م

الثاني عشر من ذي القعدة|١٤٤٢هـ

٦:٤٨ ص

قُصاصة أسبوع.🌿

الرابع عشر-الثامن عشر من جون| “الرائعون إذا ما شمسنا غربت”

هذه التدوينة على نمط تدوينات سابقة، لأجزاء مُقتصة من أيامي.
واختلاف هذه التدوينة وقُربها من قلبي، يكمن بالأيادي الممتدة الحنونة إليّ من الأصدقاء.

لكل صديقة كتبت عنها هُنا، أو لم أكتب.. حُب عظيم لا يُمكنني حشوه في سطور.

***

الاثنين..

كان يومًا منعشًا، لم أحس فيه بوخز حرارة شمس الضحى في جلدي ابدًا، أو بتعب المشي لمسافات طويلة، والسبب؟ يعود لكوني ألتقيت برفيقتين تعرّفت عليهم إلكترونيًا منذ زمن طويل، وكان هذا اليوم هو موعد لقاءنا الأول على الإطلاق!

في ساحات الحرم وقبل أن تفيق الشمس من مخدعها أرسلت لـ “رهف”، إحدى الرفيقتين، بأني وصلت مُرفقة صورة لما هو أمامي، كان لقاؤها سخي بشكل يثير للدهشة، فمنذ الثانية الأولى أحسست بـ “هل هذا اللقاء الأول أم أنه الأول بعد المئة؟”.

ثم ألتقيت بثاني الرفيقتين “أمينة”، كان وجهها مألوفًا طيّبًا، تتنعم السماحة بين تقاسيمه، بشكل يدعوني للسرحان في مكان قصيّ لأعاود التساؤل “أين رأيتها من قبل، يستحيل أن تحاوط الألفة هذا اللقاء الأول؟”.

في لحظة وداعهما والشمس فوقنا ساطعة تملكتني وخزة البكاء في حلقي، توادعنا على أنه وداع مؤقت حتى لقاء آخر، لا أدري بما تفوهت به من كلمات، لكن أظنها مرتجفة خوفًا من موجة دموع تحاول كبحها.. وفعلتُ.

(أهدتني بنت القلب “رهف” هذا الكتاب بعد جولة صغيرة جدًا في مكتبة قصيّة بطرف أحد الفنادق، سيبقى عزيزًا عليّ… أما السُجادة ذات لون السماء والتطريز البهيّ باسمي فهي من “أمينة”، بديعة وناعمة ورقيقة سكنت قلبي حُبًا)

——

الثلاثاء

كان الصداع يقبض بيديه الحديدية على رأسي بشدة فجر الثلاثاء، وبأنفاس ضيقة جدًا كنت اختبئ تحت غطاء سريري ذا اللون الأخضر الفاتح، حتى طلبت الحديث مع صديقتي، تُدهشني قدرتها على فض أي دموع عالقة بعيني، اسكبها بوداعة مُتأمل البحر، ورأسي يرتخي على كتفها.

أتوجس احيانًا من قُدرة الصداقة على نزع أي ضيق وحزن ملتصق بأيامي، وبطريقة ما تُحيل شفاهي الذابلة لأُخرى متقوسة بـفرح، أتوجس؟ لكُل قوة خارقة سحر مهيب نتوجسه ولا نعتاده مهما أحببناه تبقى فطرة الدهشة باقية لن تزول.

لا أدري لما تذكرت حديثًا جرى مع إحدى الرفيقات في رمضان، سألتني باعتياد “كيف حالك؟”، ولمرة من المرات النادرة، جاوبت باستفاضة رهيبة عن حالي، وبصدق شفاف رقيق.
حتى غمرنا الحديث بألفة، وخرجت منه بخفة طير، لا أفكر بعواقب ما قُلت؛ وإنما كأني كنت أحادث نفسي مدركة بأنها لن تحكم علي، حُكمًا جائرًا، أو جاهلًا بنواياي الخفيّة، كأنما فضتُ وفاضت رفيقتي، وسكنت مآقينا وجفت.

أحاديث الأصدقاء مهما امتلت بفيض هموم، هي فُسحة للروح، أدُس عنها تجلّدي، وأُبدي رهف بكُل حالاتها الإنسانية.

**

حتى البطن تحتاج لفُسحة ذات لذة، ومؤخرًا بين كُل أرفف البقالة لا يجذبني سوا رف الوافل الهولندي، أُحب طراوته وقرمشته في الفم بشكل متناقض، وحلاوته في بداية المضغ ثم مفاجأة ملحيّه مخبأة تفرقع في النهاية كتتويج للذة المذاق، للكراميل المملح حُب عظيم ونكهة فريدة.

(اخترت هذه المرة العُلبة المعدنية لاحتفظ بها كذكرى، أو املئها بين فترة وأخرى بالوافل اللذيذ!
ملحوظة: جربه لن تندم)

الاربعاء..

تعب، حَرج، ضيق، ومواساة رفيقتي الرحبة محت كُل ما سبق.

الخميس

أُحب احيانًا الأيام التي تأتي بعد يوم عاصف، النوم الطويل على وسادة بللتها الدموع السوداء، تلك المختلطة بلون الماسكرا، وبعينين متورمة استيقظ لعيش يوم جديد، لكونها فُرصة تتويج سخيّة لإضافة يوم لطيف لعُمري، وأي جهد سابق ليوم سالف، يعطيني الحق لتدليل نفسي.

أُحب أن أدللها، وأحنو عليها، أن أُخبئ لها وقت طيب في يومها، مهما كان ما سبق صعبًا.. هي تستحق.

قبل يومين كنت أتابع مع أُمي مسلسلًا قصيرًا لـ سناء جميل، لفتني مشهد حديثها في الهاتف مع رفيقتها، إذ تطلب منها الثانية أن تلتفت لنفسها وحياتها بعد أن تقاعدت بدلًا من وهبها جُلّ وقتها لغيرها مُساعدةً ولُطفًا وحُبًا وعطاء، حتى ردت سناء بـ:” تفتكري الحياة تبقى حلوة لو عاش الإنسان لنفسه بس؟”
يجلجل هذا التساؤل في نفسي، وأتفق معها جُملةً وتفصيلا، لكن تدليل النفس ترف من نوع آخر، تكريم حنون لصبرها في كُل تقلبات الأيام، مدّها وجزرها، لتضحياتها وانشغالها.

تدليل اليوم: وقت صافي ونوم عميييق.

——

الجُمعة

ابتدأ يومي بمقطع فيديو سعيد بعثت به رفيقتي إليّ، وأنتهى بمقطع آخر من رفيقة أُخرى، كأنهم شفوا ما يُخالج صدري؛ بتوثيق يومي في فيديو.

***

اقتباس القُصاصة:

“أولئك الذين إذا زحَف اليأس إلى قلبك كانوا لك قنديل الأمل، وإذا تعثّرت كانوا لك اليَدّ التي تقيل عثرتك وتعينك على النهوض، وإذا انكسرت كانوا لك الجبيرة والسَنَد، أولئك الذين قال عنهم الشاعِر:

‏”الرائعون إذا ما شَمْسُنا غَربَتْ
‏تقمّصوا النورَ في الدَهْماءَ وائتلقوا” ”

حفظ الله ودّ اصدقائكم لكم.. آمين.

تمت في يوم الجُمعة:

الثامن عشر من جون|٢٠٢١م
الثامن من ذي القعدة|١٤٤٢هـ

١١:١٩ م

ذكريــات

الثالث عشر من جون| فقــد.

كانت أيامًا ماضية فانتازيّة بعض الشيء، أحداثًا قليلة لكن عميقة، أخذت أيامًا لتهدئة روحي لأجلها، فقد والدي صديقه، وفقدت صديقتي جدها.. رحمهم الله أجمعين وكُل موتانا وموتى المسلمين.
وأحداث منطوية تحت جناح هذين الحدثين، وأُخرى أشبه بسناكات ما بين الأحداث، تزيدُني تجرعًا لهذه المرارة.

من سُبل العيش الرغيد المُطمئن أن ينعم الأحباب في حيواتهم، لا أعني أيام ورديّة مُجملًا، لكن أن يكون إطار الصفاء هو الغالب على صورة أيامهم، حينما يهتز هذا الإطار، شيئًا من أماني يُغادرني بُرهة، ويُعاود المجيء حين تحتل الابتسامة محياهم من جديد.

كانت لحظة فقد والدي لصديقه دراماتيكية للحد الذي يُمثّل في الأفلام، كان يُحادثه صباحًا ليُخبره أنه ينتظره على الغداء حتى ينتهي موعد أخذه للقاح كورونا، ليخبره صديقه بـ: “لا تنتظرني أخاف أطول عليك”، فيصر والدي على لُقياه، وقبل الظهر بساعات، يُفاجئ والدي بإتصال: “لقد كنت آخر المتصلين بـ فُلان، مات إثر حادث دهس…”، لم يتحمل والدي هذه الحادثة ابدًا، كان وقعها عليه حزينًا مؤذيًا نفسيًا وصحيًا، فعلًا كان كلمة “أطول عليك” صادقة جدًا، حقيقية وعميقة في ذات الوقت، واللقاء في الجنة سيقطع هذا الطول المرير.. يا ربّ.

ظل والدي يتحدث عنه لأيام، يذكر مواقفه العديدة، التي عاشها والدي منذ واحد وأربعين عام معه، لحق صديقه بُكل أحداث عائلتنا الكبيرة، زواج والدي، مرض جدي ووفاته، أعمام والدي الذين لم أراهم، مزارع العائلة أجمعها الفانية والباقية، وكُل الأشياء والمواقف والأحداث بصورة لم أكن أدركها لولا حديث والدي الطويل عنه، تخلله كنسمة سعيدة عابرة بين عُمر والدي، والدي ذا الكلام القليل، لكنه بعد موت صديقه أسهب بشكل مُفرط في الحديث عنه، كُنت متفاجئة لم أبكي أبدًا، صلبة وأنا التي طِوال حياتي كانت الدموع قريبة مني حد أن أرمش مرتين لتهطل، حتى أجهش والدي بالبكاء، أحسست بتفتق هذا الدرع بداخلي، كأن قوة روحي مُستمدة من والدي، وانهمرت وتشظت وتساقطت مع دموعه.

أما من ناحية صديقتي، كانت تكتب لي مدى تأثرها العميق بوفاة جدها، تذكر لي ندمها بأسى عن كثير من المواقف التي لم تقصر فيها آبدًا، ولكن الفقد ألحق بها شعور التقصير.

لوهلة بت أُدرك حجم قُدرتي الضعيفة على المواساة، أنا لست آهلًا للحديث المُواسي، ولا للكلمات المُضمّدة لجراح أحد، لكن لي يدًا تُربت، ودموعًا تهطل، وشغفًا مستمرًا للاطمئنان والتفقّد، حتى عرفت بابًا صغيرًا يُساعد الفاقد في تضميد ألم فقده، ولو أنه صغيرًا جدًا لكن له من الأثر ما استعملته على نفسي وتسليت، فأظن أنها سلوى.. (العيش على بهجة الذكرى وإن رَحل أصحابها)

ما نحن إلا ذكريات باقية مُخلّدة، تلك الذكرى مؤنسة في كثير من الأوقات، إن أُخذت بزاوية الأثر لا زاوية الاشتياق المؤلم، لا يحق لي سلب اشتياق أحدهم لآخر، لكنه في مرحلة ما يُصبح هذا الاشتياق صورة لسكين حادة تقطع أي بهجة في أيامنا، فتصبح الفرحة ناقصة، والحياة أكثر آلمًا.

رحلة تدريب النفس على تذكر المفقود العزيز الراحل، في صورة سعيدًا، في ذكرى تُسلي هذا الخاطر المُشتاق، تدريب صعب، لا يجيء في يوم أو اثنين أو حتى عام، فتجدد الشوق من حين لحين ومن مناسبة وعيد ومواقف يُصعّب هذه الرحلة، لكنّ مزاحمة هذا الاشتياق بالذكريات يصنع هالة مُطمئنة تكبر مع مرور الوقت، مع الزمن، مع الدعاء بلقاء لا فناء فيه.

كنت أحث صديقتي لحشد ذكرياتها الحلوة مع جدها أمام عيونها، بحيث لا تنسى ألطف اللحظات وتظل في قلبها كسلوى، ودعاء.. لأني أمقت فكرة النسيان أو الحث عليها عند فاجعة الفقد، بل أرى التذكر وحدة هو المُنجي من صدمتها بعد رحمة الله بنا…

قالت رفيقتي: ” قربني مرض جدي منه، صرت أزوره أكثر، وكانت كُل لحظاتي وذكرياتي الأخيرة من حياته معي حنونة جدًا “، وستظل هذه الذكريات كسلوى تستمد منها القوة حين يخالجها حنين مُربك، وشوق عارم.

هذه الحوادث كانت إجابة لسؤال وجودي يطرأ بداخلي بين فترة وفترة: “من أنا في قصص الآخرين؟”

والجواب ببساطة: “ذكريات”.

إحسان صناعتها على جُدر ذاكرة الأحباب والأهل والعابرون يبقى على عاتقنا، وتعريف كلمة “صناعة” مُختلف، فربما كلمة أو موقف أو رحلة عُمر كاملة من الاثنين، يختصر بداية التعريف ويبقى باقيه خاص جدًا في ثنايا العلاقات، باختلاف قُربها.
ويبقى ذاك الشعور اللذيذ في محاولة صناعة ذكرى سعيدة تُعلق على صدر جدار أحببت صاحبه.. أتمنى لكم سعيًا سعيدًا ومحاولات لطيفة في صناعة الذكريات.

تمت في صباح يوم الأحد:

الثالث عشر من جون| ٢٠٢١ م
الثالث من ذي القعدة| ١٤٤٢هـ

٥:٥٧ ص

قائمة امتنان عيد الفطر 🎉.

عيد الفطر| امتنـــان.

كانت إرهاصات العيد مختلفة هذه المرة، باردة، حزينة، بائسة للوضع الفلسطيني المختلف، ولأشياء بنفسي أحملها.

فقررت أن أكتب قائمة امتناني لعيد الفطر، عن بعض الأحداث والمواقف والأشياء الصغيرة التي حدثت وكنت ممتنة لها.

ملحوظة: القائمة ليس لا ترتيب معين، حسب ما أذكر فقط.

:

* بجامة العيد ذات الألوان الزاهية.

* معايدات الأحباب، عُمق الشعور التي تُكنه لا يصف مدى تجذرّها بحُب في صدري.

* حتى العيديات تغمرنا دهشة وفرحة.. تُذكرنا بالطفل المختبئ في الحنايا هُنا.

* اجتماع العائلة أجمعها، حتى المتفرقون في مُدن بعيدة، والمشغولون في أعمال تطلب غياب عن وجوه الأحبة، اجتماعهم وكأنه لم يمض على غيابنا سوى ليلة واحدة.
اجتماعهم مليء بتفاصيل صُغرى تُدفء القلب، لا يمكن حصرها، لكن للقلب حسابات أخرى.

* أناقة الأطفال الصغار، ازيائهم المُبهجة، أياديهم المتسخة بالحلوى والشوكولاتة، وجه “لين” الذي يرجوني أن أفتح الحلوى المصاصة المستعصية على يديها الصغيرة، يد “حلا” التي تحاول أن تطول صحن الشوكولاتة بيدي، ابتهاج “جود” بالدُمى الجميلة كعيدية من أُمي، قُبلات الصغيرة “رند” لـ صغيري “عزوزي” ابن أخي، تراه بسرور كأنه خارج من صندوق هدايا.

* مشهد حُضن جدتي لأختها بعد طول غياب، أشجاني بشكل عجيب.. لا شيء يُظاهي اخماد جمرة الشوق المتأججة في الصدر، واحيانًا يطوف بي تساؤل: هل جمرة الشوق تُخمد حقًا؟ لا أظن، فالمحب بالمحبوب مكلوف ومشتاق.

* وجه جدي المرحب بي ويديه الممتدة لي، حتى توبيخه لنحافتي التي لا أراها نحافة -كطبع متأصل بين الأجداد والجدات-.

* الأبواب المُشرّعة نحو وجه من أُحب.

* اتصالات الأصدقاء المفعمة بالحُب، و وفرة الألفة بيننا مهما غابت أصواتنا عن بعضها.
تقول صديقتي العزيزة جدًا عن صوتي أنه بدا “مألوف وسعيد” رغم نُدرة الاتصالات بيننا. سعيدة باتصالها، وكُل الأصدقاء.

وكان صوت صديقتي الأخرى “رهف” عيد ثاني بأفراح ثانية أرجوه كُل عيد.

* زيارة خاطفة لمطعم هندي لذيذ!

* شاي مثلج بالباشن فروت.
حين بحثت عن فاكهة -الباشن فروت- عرفت أنها تسمى بـ فاكهة العاطفة!
أحببت مسماها، كان الشاي بارد جدًا، ممتلء بالنكهة الحادة الحلوة الحامضة بشكل غريب ومفاجئ ومدهش.

* الغناء في السيارة وتسجيله صوتيًا
ولولا نشاز أصوات العائلة، لوضعته هنا.

* إطعام الطيور وإسقائها صباح ثالث أيام العيد مع ابنة أخي -ريمي-.

* قهوة الخامسة والنصف فجرًا لأول مرة بعد شهر من الانقطاع.

* مُفاجأة صديقتي لي بالقهوة والبُن والدونات في مغرب أول يوم عيد!
اعتبرتها عيدية حنونة وسعيدة للغاية.
تذكر التفاصيل الرقيقة واستحضارها في أوقات مزدحمة يعني لقلبي الكثير.

* سيلفي مع أختي في طريق الذهاب لبيت جدي صُبح العيد.

* أطعم لاتيه ذقته منذ فترة طويلة جدًا.
-لا أشرب بكثرة أي شيء فيه حليب لدواعي صحية، هذه المرّة كأنه صُنع خصيصًا لأجلي!-

* دهشة ريمي لهدايا العيد مني ومن أخواتي.

* مفاجأة أخي لي، بسماعات جديدة عوضًا عن سماعاتي التالفة حديثًا.

* التقاط صور “عزوزي” كونه أول عيد بحياته الصغيرة.

* رسالة الاطمئنان اللطيفة من خالي إبراهيم بعد يوم العيد الأول.

* تأمل لوحة ذكرتني بأيام الطفولة.

* دروسي للغة الأنجليزية مع معلمتي، ومثابرتي في التعلم.
نصحتني معلمتي أن استخدم وصفات الطبخ الأنجليزية كطريقة فعالة للتعلم، لأن الطبخ يُشرك كُل الحواس.. وجدت هذا شاعريًا جدًا؛ تناغم الحواس مع بعضها، والتلذذ بالمذاق المُدهش، فقررت اختيار وصفتيّ من الكعك لم أجربها من قبل وخبزها خلال صباحات هذا الشهر. (كعكة الزنجبيل والسكر البني ، كعكة الزبادي )

* أُهديت لي من شخص عزيز للغاية، ساعة جميلة لطيفة كما أرغب بها، كانت رفيقتي في الثالث الأيام الأولى من العيد.. سعيدة برفقتها.

* إعدادي للقهوة العربية في أول ساعة من استيقاظي، طوال الأيام الثلاث الأولى.. كنت أحتفي برائحة البُن والهيل.

* النوم العميق في شوال له لذة خاصة، مصحوبًا بهدير التكييف البارد.

* معمول التمر باللافندر، آخّاذ.
تُفاجئك النكهة في نهاية اللسان، كأنها تخدعك طوال مضغك لتدهشك في النهاية.

* نبات البوتس الذي زيّن الغُرفة آخييرًا.

* اقتباس مجتزء من كتاب -أثقل من رضوى-
الكتاب الذي لطالما كان جزء من قائمتي القرائية، ولم اقرأه بعد، لفتني هذا الاقتباس.. أُضيفه لقائمة امتناني.

* مفرقعات العيد.. بهجة وأُنس وجو آخر.

* آيسكريم التوت اللذيذ مع عائلتي الكبرى.

* بنطالي الجينز الأنيق، لم أرتدي الجينز منذ فترة طويلة، كان هذا أنيقًا جدًا مع قميص حريري بطبعة شرقية ذات نقوش صفراء وسُكرية وذهبية!

* فُستاني لصباح العيد، أحمر قاني.. كأحد ألواني المفضلة.

* هدوء غرفتي بعد ضوضاء عارمة استمرت لأيام، ضوضاء صوتية وحركية أحببتها أي نعم، لكن لا شيء يُشبه الهدوء بعدها.

* عيديتي مني إلي كوب زاهي جدًا، بألوان مُشرقة.. أحببته.
كنت أرغب في كتاب معين، لكن الكوب آيضًا كان جميل وجذاب.

انتهت قائمتي، وبقى الكثير غيرها، اكتبها في مذكراتي، أو احفظها في قلبي، أود لو أن يستمر الامتنان فيّ وفي قلبي وبين روحي، وينتقل لك.. أي نعم أنت.
وكُل عام وأنتم بخير.. عيد فطر سعيد لكم يا اصدقاء المدونة.

تمت في يوم الاثنين:
السابع عشر من مايو|٢٠٢١م
الخامس من شوال| ١٤٤٢هـ

٣:٢٥ ص

إلى إليزابيث جيلبرت.

نيســان| مجهود شخصي.

هُنا توثيق رسالة إلى إليزابيث جيلبرت، صاحبة كتاب “طعام صلاة حُب”، رسالة كُتبت بصدق نقي.

ملاحظة: قد يكون هناك إشكال على من لم يقرأ الكتاب سلفًا.

•••

مرحبًا صديقتي العزيزة ليز!

تخيلت أنها رسالة بريدية كتلك التي بعثتِ بها، حين كُنتِ في بالي إلى اصدقاءك من جميع اقطاب العالم، اقتحم تلك القائمة وادّعي بأني منهم!

لما الادعاء؟ حسنًا لأخبرك أن شهر أبريل/رمضان المنصرم كان استثنائيًا في كُل شيء، أخبرت في حديث عابر مع صديقتي، أنه كان شهر الركض، سريعًا قاطعًا لكل شيء.

كان رمضان هذا العام غريبًا آيضًا، أمضيت وقتي في المطبخ وحيدة بعض الشيء، أخرجت بها أطباق مختلفة، لكن ما أفخر به حقًا.. طبق اللازانيا الألذ، نعم تذكرت أنا آيضًا إيطاليا وبيتزا مطعم بيتزيريا دا ميكيلي المكان الحلم!

-بيني وبين البيتزا علاقة عاطفية شديدة العمق، حتى أني كتبت عنها تدوينة كاملة لم أنشرها، لما؟ من يود أن يقرأ تدوينة كااملة عن البيتزا.. إلايّ؟-

في أول الشهر قررت المضي بقراءة كتابك “طعام صلاة حب”، كهدية خاصة لشهر ميلادي، لذا ادعائي بكونك صديقتي صائبًا.. وآيضًا دعيني أخبرك أولًا لأتخلص من عقدة الذنب :آسفة لقد قرأته إلكترونيًا !

حينما أنتصفته قررت المماطلة حتى لا تنتهي صفحاته بسرعة، تُشبهني تلك الصفحات والكلمات، وحينما أنهيته شعرت بحزن عميق.

كانت نهاية الكتاب، بداية جديدة ليّ، شعرت وكأن ليز الكاتبة، تشبه إحدى الرهفات القابعة في دهليز روحي هنا في الداخل.

“فبقيت أقنع نفسي لوقت طويل أني انحرفت قليلًا عن الطريق، وأنني سأجد طريقي مجددًا في أي لحظة”.

قلت لنفسي نهاية العام الماضي مثل هذا الكلام، مثله تمامًا.. ظللت الطريق شهورًا تجاه نفسي، تُهت بين أشياء هي مُجرد لطائف مؤنسات أو جارحات في الطريق، وظننتها يومًا هي الطريق كُله.. لن تصدقي خيبة أملي الكُبرى حينما عرفت هذا!

“هل ثمة ما يمكنك تغييره في هذا المشهد، رهف؟”

حاولت، تُهت، بكيت، رحلة الذات إلى الذات عميقة جدًا طويلة، غائرة، شائكة، فيّاضة، مليئة بكُل شيء، بالجراحات القديمة، بأحداث الطفولة المتجذرّة، بأمواج هابطة وصاعدة في بحر هذا العُمر المتلاطم… لكن هُناك ما يمكنني تغييره يا ليز، شيء ما يجب أن يحدثه، خُذلت؟ حسنًا هذا كان في الماضي من أقرب اصدقائي، تألمت؟ مرضتِ؟ جُرحتِ؟ تجرعّتِ ملح تيار الحياة الجارف عكس اتجاهك؟ كله كله في الماضي!

الآن واليوم هو ما يمكنك تغييره رهف.

عجلة كُل هذه المآسي دائرة من جديد، لكن عليّ التدرّع بأفضل ما يمكن؛ لتخفيف وقعتها.

“وترعبني فكرة ألا أتمكن من لملمة شتات نفسي مُجددًا”

كان هذا هاجسي آيضًا، نظرتي للوقوف وأنا ممدة للأرض، نظرة وجل شديد، هل يُمكن الوقوف بقدمين عاريتين خائفتين ضعيفتين مجددًا؟

أتذكر معكِ: “ينبغي عليك ألا تعطي نفسك فرصة للانهيار، لأنك حين تفعلين ذلك يتحول الأمر إلى نزعة لديك مرارًا وتكرارًا، عليك أن تعودي نفسك على أن تبقي قوية عوضًا عن ذلك”.

تعجبني رفاهية الانهيار، الوقوف ساكنًا دون حراك، يتمدد هذا الشعور في الداخل ككسول مضى كل يومه واقفًا، وحان وقت استلقائه، لكن لا.. احيانًا ذاك الانهيار غير متاح، ونستدين بالمتاح من السلوكات التي لا تروقني احيانًا، كبؤس يشمل يومي كاملًا.

ولكن القوة أين القوة حينها يا ليز؟

في خضم الأشهر السالفة بحثت عن كلمتي، الكلمة التي تُمثلني بكل أشكالها، تمثل حياتي وما أرجوه… لن تُصدقي وجدتها !

وجدت كلمتي ليز، وجدت شغفي آيضًا.. كان غريبًا، مميزًا، مُدهشًا.

لم أُخبر به احدًا، لا أعرف لما أدس شغفي وأضمه بعيدًا عن الأعين، ولكني أُحبه.

برأيي يا ليز، أن تكامل سد فجوات الروح المُتعبة، يكمن في سد احتياجك من الأكل والروحانيات.. مثلما فعلتِ.

كنتُ دينيًا أظن بأني على ما يُرام؟ لكن كان هذا انعكاسًا كاذبًا، المرآة لا تعطي أبعاد الصورة الحقيقية، واحتياجنا لله ضرورة مُستمرة، لا تخبو ولا تنقطع ولا تُكتفى.. بدأت رحلتي الخاصة في معرفة أفضل طريقة تربط عقلي وقلبي وروحي ولساني بالله، تُشعرني بقُربه أكثر، تُضفي على قلبي غلاف من حنيّة، أتردد في قول: “وجدتها” لأني أخشى بعد عُمر أتوه مرة أُخرى… لكنيّ وجدتها !

الدعاء.. أخبرت إحدى الرفيقات همسًا بهذا بداية الشهر، قُلت أريد أن أُصلح طريقتي في الدعاء!

أن يكون خالصًا، مليء بالرجاء، حد أنه يستقر في قلبي وعقلي ثم يترجمه لساني، لم أصل للحد المنشود، لكن.. رأيت من نفسي محاولات شخص سيصل، في كُل دعاء يتملكني فائض شعور مختلف، مزيج رقيق، يربطني بربي أكثر من أي عبادة أُخرى.

و فعليًا لم أكن أدعي.. بل كنت أنا الدعاء. وهذه نقطتي الفارقة.

مثلما قال لك الغورو: ” كن عالمًا بتجربتك الروحية الخاصة بك. أنتِ لست هنا كصحفية، أو سائحة. أنتِ هنا كساعية، استكشفي بالتالي”.

وهذا ما أفعله.

“لن أكون مرسى للأفكار الضارة بعد الآن!”

يا لها من شجاعة، كُل الأفكار الضارة طبيعيًا تمرّ بالإنسان، التشبث بها، يخلق انسانًا مُتشائمًا عبوسًا، ومرورها على شواطئه يكفل له توازنًا مريحًا.

لا أظن بأني كُنت مرسى لفكرة ضارة، تداعيات الأفكار من مشاعر كانت تلحق الضرر بي، ولكني أُعالجها باستمرار متدفق، أصدها ما استطعت، وأدع مرورها طبيعيًا بسيطًا؛ لأني ببساطة الأمر انسان، تلحقني تهويلات العاطفة تجاه أي فكرة، فتصيّرها جنةً أو جحيمًا، المهم أن أعيش مرورها، وأدعها ترحل، ببساطة الأمر وعمقه.

“محور السكينة هو القلب، توقفي بالتالي عن بحث أجوبة في العالم، وعودي إلى ذاك المركز، وستجدين السلام”

القلب، آه من القلب. إن فسدت أيامي اتجهت لإصلاحه، مماهاته عن شعور ضال، أرضيته، أو تركت سبيله ليمضي في شجواه حتى تجف ماؤها، ويُعيد أتزانه.

على ذكر الاتزان، قُلت مرة أن التناقض حالة إيجابية في المرء، كونه يبقى غير متناقض أي أن أعوامه باتت راكدة، والركود موت في تعريف آخر. والاتزان شيء من التناقض برأيي.

أُحب التوازن وأسعى له إلا في حالة واحدة قالتها لك وايان ذات يوم: ” اختلال التوازن احيانًا لأجل الحُب هو جزء من عيش حياة متوازنة”.

“ولكن السعادة لا تأتي هكذا، بل هي نتاج مجهود شخصي. على المرء أن يحارب لأجلها، يكافح لأجلها، يصر عليها، واحيانًا أن يجوب العالم بحثًا عنها”.

تعرفين ليز؟ أطن أن حياتنا هي حرب شخصية للبحث عن السعادة، ركض كامل للسعي خلفها، نجنيها مرةً في منعطف ما، فتغادرنا لمنعطف آخر مجهول، ونستمر في السعي.. المهم في حربنا هذه، نتدرع بالرفقة من عائلة وأصحاب، وبشعور الطمأنينة، والثقة والأمن، فبعدها لن نهتم بلحظية السعادة، نعرف أننا سنلتقي في آُخر، لكن إن فقدنا درعنا، فاكتساح البؤس والحزن أسرع.

دائمًا ما أيقنت أن الرفقة، معنى آخر لرحلة آمنة.

وأنا أُصر على السعادة، أن أجدها عند كُل منعطف، متشبثة بالطمأنينة، لا زلت أهلع حينما أفقدها، ولكن للمحاولات شرف مؤنس، يحبس الدمع، ويغلف الروح بشجاعة لا نظير لها.

أن تحاول، أن تُصر، أن تكافح… إذن ستصل، ستلقى جواب يسرّك، كانت هذه مواساتي، مع كثير من خيال وأمل جامح جدًا.

“السؤال بالنسبة إلي، ما هي خياراتي الآن؟”

إنني في مرحلة الإجابة الآن، مصباحي سؤالي، أنار لي موضع قدمي، فوجدت قائمة خيارات تناسب ما أبحث، نتاج عدد لا يُحصى من جلسات اكتشاف نفسي العزيزة أولًا، فأعطاني تفسيرات عميقة لما يدور في فلكي، من سلوكيات، و روتين، وأنماط، ومشاعر وعاطفة، وعلاقات، وأحداث، وذكريات، ومآسي وجروح، وأحلام وآمال.

كانت البداية منذ أشهر، لكن هذا الشهر كان بصحبتك أكثر تقنينًا، ووضوحًا، ودفء، ولُطف جمّ.

شكرًا يا صديقتي العزيزة، على كلماتك هناك في هذا الكتاب الملهم، ذا الرحلات العميقة الشيقة، فتحت لي آفاق أوسع، في روحي والعالم.

صديقتك المخلصة: رهف.

تمت يوم الثلاثاء في:

الحادي عشر من مايو|٢٠٢١م

التاسع والعشرون من رمضان|١٤٤٢هـ

٦:٣٩ ص

“أنت لست سوى ما تُفكر به”

الرابع عشر من نيسان| تجربة جديدة.

مرحبًا، هذه أول تدوينة في رمضان، رمضان مُبارك وسعيد وذو أيام مبهجة لكم.

كنت قد قررت نشر تدوينة يوم ميلادي قبل خمسة أيام من الآن، لكن آخر بتلة من بتلات الورد كانت “لا تنشريها” لذا لم أفعل! lol.

..

واليوم تدوينتي مختلفة، لتجربة جديدة قررت العمل بها متى قررت؟ بعد زوبعة من الهيجان الذي ثار في عقل إليزابيث جيلبرت، مؤلفة الكتاب الشهير ” طعام صلاة حُب “، محاولة إيجاد طريقة للتأمل ونفض كُل الأفكار الثائرة، بيقين قالت: “في النهاية، أنت لست سوى ما تُفكر به، وأحاسيسك عبد لأفكارك، وأنت عبد لعواطفك”.

هل كومة الأفكار اليومية الهائجة بدواخلنا رغم مظهرنا الهادئ.. هي نحن؟

دائمًا ما أظن أني مزاجية الحالة، اعتلي موجة سعادتي وأسقط منها بسرعة فائقة، كأني على لوح يُديره طفل مدلل، مئات من الأفكار تثور في عقلي، تأسف لكون لساني صامت لا يبوح.

ظننت لفترة أن التفكير هو العُقدة، هو موضع الجرح، لهذا كانت عبارتي الهامسة لرهف في الداخل هي: “رهف! توقفي عن التفكير”، ولسبب أجهله كانت رهف في الداخل لا تنصاع لأوامري.

أدركت لاحقًا بأني أتناسى أني إنسان، والتفكير هو نقطته المميزة الفارقة عن أي مخلوق حي، فأقسو على ذاتي المتمردة، على جنون أفكاري المتمايزة عن بعضها في الثانية، عن استطرادي الدائم في كُل فكرة، وآحيانًا استخف بعقلي حينما ألتفت إلي لاستذكر “أش اللي وصلني لهذي الفكرة؟” محاولة تتبع سير الأفكار وإيجاد حلقة الوصل بينها !

إذن “أنت لست سوى ما تُفكر به”، لذا هُنا تتبع لبعض الأفكار التي تملكتني لجزء من اليوم، لتجربة معرفة صحة كلام إليزابيث.

١١ نيسان| شعور اليوم: رضا

شهقت بتعجب وفرح معلمتي الآنسة “جودي”، حينما أخبرتها بانكليزيتي المُكسرة عن ثقافتنا باستمرارية العيش مع الوالدين حتى بعد سن الثامنة عشرة إلى أن نستقر بعد الزواج في بيت منفصل ويشمل هذا الإناث والذكور على حد سواء!

-كان إخباري لها بهذه المعلومة، ناجمًا عن سؤالها إن كنت أعيش بمفردي أم مع والديّ؛ خصوصًا لكوني مُجتازة العمر القانوني.. بالنسبة إليهم-

كانت سعيدة جدًا لكون ثقافتنا تحتضن هذه الفكرة، ثم تخبرني بحجم المضايقات من اسئلة اصدقائها وأقاربها لكونها امرأة عازبة في العقد الثالث من عُمرها وتعيش مع والديها إلى الآن، “i love my parents “ كان هذا تعليلها البسيط لهم، محاربة بذلك كُل تهكماتهم وسخريتهم من حين إلى آخر.

لا أعرف لكن خطر بذهني مقولة دارجة تقول: “أنت تعيش حُلم شخص آخر”، مهما كنت تظن أنك تحيا بملل، أو أن يومك عاديًا، قاسيًا، حزينًا ربما.. لكن أحد ما يراه حُلمًا !

وبالمقابل أحلامنا يعيشها آخرون، في مكان ما ولحظة ما، يرى أنه يعيش شيء مبتذلًا وبسيطًا، لكنه حُلم أحدنا.

كانت هذه الفكرة متمركزة في عقلي لدقائق، ومحاولة يائسة لتقدير أي شيء أمامي أو بي، أعتقد بأنه حُلم لشخص آخر، لما قُلت محاولة يائسة؟ لأنه شيء جنوني مستحيل، غارقون بالنعم، لا شيء يُحصيها، غارقون بأحلام مملوكة لغيرنا.

الحمدلله.

١٢ نيسان| شعور اليوم: تعب، غضب.

فكرة اليوم الغارقة فييّ، كانت حنق عظيم وشديد، على تصرف شخص ما، افتعل فعلًا غير آبه بتبعات فعله، إن كانت تؤثر على من حوله أم لا.

لا أعرف لما لا نفكر مرتين، إن كان هذا القرار رغم فائدته، يسلب من أي شخص آخر وقت أكثر، ويضيف لأتعابه تعبًا مضاعفًا؟

إلى رهف المستقبل: إياك أن تتخذي قرار مهما صغر يؤثر على وقت شخص آخر، يُرهقه، يفعله مُجبرًا كارهًا وعلى مضض، يعيق خطط يومه أو حتى جزء من اليوم!

١٣ نيسان| شعور اليوم: تردد.

هذا اليوم يوم التخبطات والمليار فكرة وفكرة، تطعيم لقاح كورونا، أول يوم رمضان، إعداد فطور رمضان وحيدة بالمطبخ، ومحادثة صديقتي ذات العمق بالأمس.. هجمة أفكار لا لصدها خلاص.

“كُلها مشاعر.. وكُلها ضروري تعاش!”

اختتمت صديقتي العزيزة إحدى رسائل الأمس بهذه العبارة، ولدت بداخلي تساؤل: تجاهلنا لأي شعور هل يُميته؟

الجواب.. لا يا رهف الشعور المُتجاهل، تختفي أحد أشكاله، لكن يتولد له ألف شكل آخر على هيئة صُداع ربما، أو ضيق مفاجئ، يوم قاتم، و رغبة مستميته لقضاء اليوم بأكمله على السرير، حاجبان مقتضبان، أو ربما جميعها.

“على ما يبدو أن الهروب، تحديدًا من مواجهة شيء ما بداخلك، يجعلك تندفع له بقوة، التناسي يورّث الرغبة”.

شعور اليوم خجول، يطرق باب المواجهة بخفة، كجسور متردد.

١٤ نيسان، ٢ رمضان| شعور اليوم: تذكار يؤنس القلب.

ذكرى أصدقاء الروح هي ذكرايّ، في مثل هذا اليوم “الهجري” قبل عامين تمامًا، كان حفل تخرج صديقتي من الجامعة!

كان الحفل مقتصر على الخريّجات ولكل خريّجة بطاقة إضافية لدعوة من شاءت، ولأنه غالبًا هذه البطاقة للأمهات؛ كانت فرصة حضوري ضئيلة جدًا، ولكنها ظلّت رغبة مُلحة أن أشهد هذه اللحظة التاريخية الحبيبة، همست راجية منذ معرفتي لموعد الحفل بـ “ياربّ ياربّ سخرّ لي حضور الحفل”.

اقترب مغرب ذاك اليوم، قبل ساعات من الحفل ويديّ خاوية من أي بطاقة، لكني عاقدة العزم على الحضور، حتى لو اضطر بي الأمر للانتظار خارج مكان الحفل، المهم هو رؤية ذاك الوجه الحنون الذي أُحب في يوم ذا ذكرى خالدة!

حتى جاءتني رسالة من إحدى خريّجات الدُفعة، لم أكن أعرفها عن قُرب، سوى أني اسديت لها خدمة عابرة قبل عام من الآن!.. تقول: “رهف أمي تعذر عليها الحضور، لقيتِ بطاقة ولا؟”، لا زلت أتذكر شعور سريان الفرحة بعروقي، وكأني أفطرت!

ثم حين جاءت ساعة المسير، مسير الخريّجات، وقفتُ من على كرسييّ عند حشد الأمهات المتأثرات برؤية بناتهن، المنظر ساحر.. بين أُمهات يلتقطن الصور، ويهتفن بفخر حينما تُعرض اسماء بناتهن، وبين خريّجات يلوّحهن لأمهاتهن بسرور.

و في تلك اللحظات الدافئة أُغالب دمعتني وغلبتني، شعور الفخر ممزوج بحُب اللحظة والذكرى والفرحة، أبحث عنها بين الجمع لم أجدها، أتراها مرّت بإحدى اللحظات التي كانت عينيّ حينها مغرورقة بالدموع؟

واليوم وفي ذكرى هذا اليوم الحبيب، بيقين أكتب أن ما يُميّز الأيام ذكراها، قلت مرّة: “الذكرى تعمّق صلتنا بالأشياء والأشخاص والأماكن، فكُل الأشخاص غُرباء إن لم تجمعنا بهم حميمية الذكرى، وكُل الأشياء جمادات إن لم تُحييها فينا الذكرى، وكُل الأماكن مُتشابهة إن لم تُميّزها الذكرى“.

أضيف كُل الأيام عاديّة ما لم تحتضنها عُمق الذكرى!

كُل هذه الأفكار وأخرى لم أذكرها هي جزء من أيامي، لكنني فوجئت بصبغتها عليّ وعلى يومي وإنتاجيتي، أن تنتقي فكرة واحدة لتصطبغ بها.. أمر صعب، اختيار اللون ليس من صلاحياتك، لكن الرسمة رسمتك بالنهاية فاحسان الرسم كُتب عليك.

تحلل إليزابيث جيلبرت نقمة الغرق في التفكير، تحليلًا أراه يفُك مصطلح ترابط كلمتيّ “نقمة” و “تفكير”، ليربط الثانية بمصطلح “وعي”.. تقول: ” تلك ليست بالضرورة مشكلة بحد ذاتها، بل التأثر العاطفي الذي يرافق عملية التفكير”.

تشبثي بالفكرة وتحليلها ثم ملامستها لمشاعري، لأطراف الإحساس لدي، فتُؤثر بي، لتصبح طابع شعوري، أتنقل من شعور لآخر حسب الفكرة، والأثر دائمًا متدحرج، فسعيدة مرة، غاضبة وثائرة أخرى، وآحيانًا هادئة، مرات تودع بي الفكرة خوفًا من المستقبل والمجهول، أو تُثير بي شكًا.. وهكذا.

“المشكلة الأخرى لهذا التأرجح عبر كروم الفكر، هي أنك لست آبدًا حيث أنت. أنت أما تنبش الماضي أو تبحث بفضول في المستقبل، ونادرًا ما ترتاح في اللحظة الحاضرة، ولكن البقاء في اللحظة الحاضرة، يحتاج إلى التركيز على شيء واحد، وتعلم مختلف تقنيات التأمل والتركيز بطرق مختلفة”.

لا داعي للقول بأن التفكير السلبي هذا يهب بُقع الضوء على زوايا سوداء لشيء صار بالماضي، أو يعزف وتر أنغام أغنية ذات طابع مخيف على حدث تتوجسه في المستقبل، والحاضر؟ ما الحاضر إلا مشوش، مسروق، ذابل. أنت لست هُنا على أية حال.

لامست هذا التشويش بصدق، يصاحبه قلق عارم، تحُس بأنك بين فكيه، حسنًا إذن تقول إليزابيث اللحظة الحاضرة تحتاج إلى تأمل!

كنت أظن بأني بارعة في التأمل حتى بحثت بمختلف المواقع، التأمل بحر لا شطآن له!
بعيد عن أحكامه الدينية، ومعتقدات بعض مرتاديه، إلا أنه شيء يستحق الاستمرارية وإضافته لجزء من أيامي.

على حسب بحثي الصغير عن التأمل، استعذبت أربع أنواع مختلفة من التأمل، إذ وجدت بأنها ممارسات محببة لقلبي، لكن لم أكن أعرف طريقة تحويرها لطقس تأمليّ، الأجواء الرمضانية تستدعي بث جهد مضاعف لخلق منها طقس تأملي يومي، وهي: التنفس بعمق، ويعني التركيز على التنفس بالاستماع له. الثاني المشي والتأمل والتركيز هنا يكمن في الخطوات والتأمل. الثالث الدعاء! أي نعم الدعاء، التركيز في كلمات بعض الأدعية والانغماس بمعانيها. الرابع القراءة، طالما لاحظت بأني حينما اقرأ اتأمل السطور بعيدًا عن المعاني واقرأ دون فهم كنت انزعج من هذا رغم شعوره المريح، لكنيّ عرفت بأنه نوع تأمل وتركيز مُدهش.

لهذا وحسب أضفت لأهدافي الرمضانية، تجربة التأمل والتركيز العميق، لنفض تشوش التفكير وتأثيره الشعوريّ على أيامي.
أظن بأنه يستحق بأن يضاف لقائمة تجارب العام، بداخلي جزء متقد حماسة لتجربته كطقس يومي!

طبتم من التأثير العاطفي للتفكير سالمين يا أصدقاء!

تمت يوم الأربعاء :
-في هامش الصورة: سماء آخر نهار من شعبان|٤٢. –

الرابع عشر من نيسان| ٢٠٢١م
الثاني من رمضان| ١٤٤٢هـ

٥:٢٤ م
بعد الانتهاء من إعداد الفطور، وانتظار استواء صينية المسقعة في الفرن!

معركة التجاوز.

الثاني والعشرون من مارس| ألم، جرح، ندبة.

-لست مولعة بالمعرفة، بقدر ما أنا أحب أساندك-
في حديث عابر كتبت لصديقتي هذه العبارة، حقًا أنا لست مولعة بمعرفة هموم الأصدقاء وتفاصيل خضم أمورهم الخاصة، بقدر ودي لمساندتهم، لمعرفة شعورهم وتحليله وإذابته للاشيء، أو حتى وقوفي معهم، للتربيته، لليد التي تُمسّد على روؤسهم وأكتافهم، للدعوة التي تُطيّب خاطرهم.

أرقني تساؤل مضى معي من الأسبوع الأول من يناير، دونته في مكان ما، لعلّي أعثر على إجابة تُسعف وجداني.. وبعد أكثر من شهر ونصف كتبت:

هل يمكن أن نتعافى بتفكيك الشعور لا حدث المشكلة؟
دائمًا أُفكر أن -حدث المشكلة- وقع وصار حتميًا، والتعامل معه يشبه التعامل مع ماضي لا يُفيد، أما ألمنا صادر من الشعور، هو الذي يؤلمنا، هو موضع الجُرح القاسي. لذلك حين أفيق من صدمة الحدث، أتجه لتحليل شعوري، والتفكير مليًا به، تحديده ووصفه بدقة، فتأمله لمعرفة سبيل الخروج منه، وعلى حسب رياح ذاك الحدث تكمن سُرعة خروجي منه.. شدتها أو خفتها، قوتها وقوتي، رغبتي وطاقتي، والأيادي الممتدة لي، وووو.

وتتخلل كل هذا كدمات وشعور مقيت إضافي، ولكن هذا ما يعنيه تفكيك الشعور والتخلص منه على أي حال، يضم جراحًا تُداوى، وقلبًا مكسورًا، وأيامًا يكون فيها القيام من السرير يُشبه الخروج من وطيس حرب ضروس.

ثم بعد كُل هذا يأتي التجاوز، وهو شيئًا اختيارًا، لا يُشبه ابدًا الاختيار بين بيتزا الجُبن وبيتزا الخضروات، إنه أكثر تعقيدًا، كأنه اختيار موضع نُدبة دائمة، وهذه الندبة كلما تحسستها، فاضت إليك ذكريات ما تجاوزته، سواء كان “شخص”، “مرحلة”، “شعور”.. وغيرها.

وقبل اختيار التجاوز، نسيت شرطًا محال أن تتم هذه القفزة لولاه، وهي الرغبة، القوة، العزيمة.. أن يكون ذاك الحدث ضررًا واضحًا لك، كأن يشلك من التفكير فيما سواه، أن يتسبب في وقوفك دون حراك لأشهر، لأعوام، وأن تدور دنياك حوله لا حولك.. لأنها دُنياك!
أو ببساطة فات أوانه، واستحال حدوثه، أو يكون محض سراب يُلهيك عن عالمك.

-أتذكر قبل أسابيع من الآن تحدثت إحداهنّ عن أول مرة زارها شعور الهلع، لمس ذاك الحديث كُل عواطفي، أعادني لتحسس ندبة الهلع، وخوفي منها، لكنّ تذكرت مراحل تجاوزي المتقطعة، تذكرت رغبتي وقوتي، وكتاباتي التي أوضحت مدى محال أن يمضي الوقت وتلك المشاعر معي.. فتجاوزت.-

والتجاوز آحيانًا ليس قطعًا للشعور، أو ترحيلًا للمرحلة، أو موت علاقة ونهايتها.. لا ، قد يكون تجاوزًا بتحول، كأن تتحول علاقتك مع “فُلان” لعلاقة وديّة آيضًا لكن مختلفة، بمعايير أكثر وضوحًا، أقل انجرافًا. أو تحولًا لزاوية نظرتك للشعور، كأن يكون هوسًا فصار علمًا ودراسة، أن يكون حُزنًا فيصبح دافعًا للقرب من الله، من معرفة ذاتك. أو يمكن أن يكون التجاوز تحولًا للمرحلة بحيث تكون فصلًا من كتاب حياتك، درسًا ينيرك في خطوتك القادمة.

وأدرك تمامًا أن التجاوز ليست مجرد قفزة خيل في سباق، أو بكاء ليلتين وتوجّع أسبوع، هو أعمق بكثير، واتخاذه مغامرة تتلى، وطوله وألمه يجعل خطوتك في اتخاذه مترددة وشائكه خصوصًا حينما نتجاوز شيئًا أحببناه، عشناه، وفاضت دنيانا به، لكن أنفسنا تستحق أفضل الشعور، والأيام، لذلك التجاوز يستحق الألم، وسهر الليالي، وتبلل الوسائد، وإنهاك جفن يتحرى لذة كرى تزوره، لكن سهادًا واقفًا بالمرصاد له.

وفي نهاية خضم معركة التجاوز، وبعد مُضي الأيام تلو الأيام، تحدث المعجزة الخالدة، والنعمة التي لو وهبنا الله كل ما نملك منه لما كفاه شُكرًا وحمدًا عليها.. النسيان.

‏”البطولة ليست في نتيجة المعركة، البطولة في طريقة تعاطيك مع جميع الخنادق التي تعترض طريقك، طريقتك في الخروج من كل ذلك ومحاولاتك المستمرة في سير الطريق حتى ولو كنتَ تحبو حتى تبلغ نهايته”.

تمت في يوم الاثنين:
الثاني والعشرون من مارس|٢٠٢١م
الثامن من شعبان|١٤٤٢هـ

٨:٤٢ م

الرابعة والعشرون: أفكار متقطعة.

ليلة الرابع عشر من مارس| دليل مواصلة.

كنت قد قررت الكتابة بحماس لهذه التدوينة، لا لموضوعها الشيق، ولا لحدثها الذي أود توثيقه، ولا لأي شيء آخر عدا أنها التدوينة رقم أربع وعشرون في مدونتي.

أظن أنه رقم كبير بالنسبة لي، لأنه خلال مرات متعاقبة قررت التوقف بعد كل تدوينة، وأجد أني أكمل بلا ملل، حتى وصلت للتدوينة الرابعة والعشرين.. الرقم الذي لم أتخيل أني وصلت له.

حينما قررت كتابتها قبل أسبوع, زارتني الحمى دون ميعاد, مباغتة, صادمة, مؤلمة, أرهقتني طوال اليوم, فاستعددت لها بنوم طويل, لم يكن هانئًا لكن مهرب يقيني منها.

استيقظت في الحادي عشر ليلًا بعينين تموج بها محيطات من الدموع, خطرت على بالي عدة جمل, كنت أود الكتابة عنها منذ زمن ولم تسمح لي الكلمات بذلك, يبدو أنها رأتني بحال يرثى له… فحنّت.

دونتها سريعًا وعدت لفراشي رافعة الرايات البيضاء لأسطول الحمى القادم الزائر لثلاث أيام متتالية, حينما حل اليوم الثاني, كتبت رسالة لسماحتها, استجديها أن توقف مددها فكتبت:

صديقتي العزيزة: الحمى….. لا مرحبًا بك ولا سهلًا.

يا أعز الاصدقاء، اكثرهم دفء وقُربًا مني، حرصًا على زيارتي، تبقين دون أن أُحس بثقلي عليكِ، في عز ظلمتي تحشرين رأسك معي.. أقفل الباب، انكفء في سريري،اختبئ حتى عن هاتفي ويظل أنفك محشورًا معي في كُل زاوية وحال.

ألا تعتقدين؟ صارت ذكرياتنا معًا كثيرة شهرًا عن شهر، أرسلت لي خالتي تحذيرًا بالأمس بأني أفرطت بصُحبتك وعليّ الانتباه لصحتي حتى أُتمّ حظوري يوم الخميس القادم  في “جَمعة” عائلتنا الأسبوعية، تخلفت عنها هذا الأسبوع بسببك، انظري حتى علاقتنا طالتها التنازلات..يا للعمق! ، صحيح أني تخلفت الاسبوع الماضي آيضًا ولاأضع اللوم عليك لكن… لا عليك.

عليّ أن أُخطر اصدقائي المقربيّن، بعلاقتي معك كصديقة عزيزة، حتى يتداركوا أمرهم قبل أن تسحبي الفراش من تحتهم!

اشهرت في وجهك أسلحتي بقوة هذه المرة وكانت مزيجًا من:

الكمادات الباردة، أحاديث اصدقائي، كتابي الجديد الرقيق، وما بينها لحظات حنونة اعصر عيني وانفض رأسي حتى استشعر حنيّتها دون أن تفوتني وأنتِ بصحُبتي.

واليوم ها أنا لا أشهر سلاحًا، ولا سيفًا ولا حتى مسواكًا… وإنما استجدي العفو منكِ فإن سمحتِ بقلة ذوقي، فقد طال مقامك عندي، ومرّت أيامي وملازمتك لا تنفك، حتى لاح لي صبح اليوم شيبتي الرابعة في مفرق شعري، تنبؤ عن خريف قادم رغم أني في صخب ربيع العمر لم أزل.

وداعك عزيز ودموعي هذه بليغة الشهادة على هذا.. فهيا رعاك الله الرحيل الرحيل.

ولم يمض يوم وليلة حتى غادرت, فمسحت الدموع, ونفضت التعب, وعدت أفكر بالتدوينة رقم أربعة وعشرين, وحتى يتملكني حماسها قررت أن أشارك إحدى الصديقات باحتفال مصغر حال إتمامها.. شاي وكوكيز يكفيان.

تحديث: عليّ إخبارها أني نويت نمطًا صحيًا جديدًا والشاي والكوكيز لا يصلحان.

تذكرت تلك الكلمات التي كتبتها في أوج حُمتي, التي تعبر بطريقة ما عن طرقنا في الاحساس بشعورنا, كيف يكون الشعور عميق جدًا ونهدره بسطحية تعبيرنا عنه، أو مرورنا السريع دون استنشاقه ليسد مسامات الروح الفارغة.

انظر حولي، لأجد مشاعر مختلفة مهدرة التفعيل لمجرد أن طالتها العادة, أو توارثنا ردات الفعل، وراثة مجتمعية، أن يُراق الإحساس، ولذة المشاعر، بشيء سمج، وكلمة باردة، يشمل ذلك الهدايا المجتزئة من المشاعر، والتي دائمًا ما أراها النصف المحسوس من عواطف المُهدي، فكانت هدايانا مجرد سد واجب، لا ترمز للشعور، ولا تصفه، حتى بات التعبير عن المشاعر معلبات جاهزة في صف سوبر ماركت، نبتاع منها ما افتقرنا إليه، فصرنا متشابهين في بث عاطفة ما، فلا يفزّ لها قلبًا، ولا تحرك ماء الحُب الراكد، خالية من البهجة.

لا أحب تكدس بقايا شعور جميل بداخلي يخص شخص عزيز، استثماري الدائم هو تعلم سبل إفصاح الشعور عن عواطفي، عن من أحب.

الانغماس الشعوري لتحليله, لإفضائه, للبوح به… أنبل الأفعال الإنسانية، مواجهة كل موروثاتنا المتشكلة في إظهار المشاعر، مواجهة الرواسب الدفينة التي نحتت من تقبل ردات فعل الآخرين وقلدناها بطريقة أو بأخرى من أنبل الأشياء في نظري.

كيف تقول ” أنا فخور بك” , كيف تعبر عن حبك بطريقة بسيطة عميقة وتدخل القلب من أوسع أبوابه، كيف تواسي بلطف دون تكلف، كيف تدير بوصلة شعورك من خلال عواطف قلبك، لا سيطرة عقلك.

هل يمكن أن نكتب قواعد عيش الحالة الشعورية ؟ ترجع لكل فرد، ونمط، وشخصية، وتفضيلات… وكتابتها تتطلب فهم أعمق لنفسك.

تملكني تساؤل وإن كانت الحالة الشعورية تخص طرف آخر؟ وإن كانت مشتركة؟ فما السبيل لعيشها.. على طريقتي أم طريقة الطرف الآخر؟

وبعد وقت طويل لجواب هذه الاسئلة، وجدت أني اقتص من وقتي الكثير، لاتأمل الطريقة المفضلة للطرف الآخر حتى أُشاركه الشعور، وكذلك بالهدايا، والنداءات، والأحاديث، والصور.

سبيلي لهم هو استثناء كُل شخص أُحبه بشيء يميزه دون غيره، شيء مُختلف، يُشبهه في قلبي ويحبه، لدرجة إن رأيت شبيهه ذكرته وذكرّته به، وأقصى الود عندي استثناء ومشاركة و وقت.

أن أهب استثنائي وأُشارك لحظتي واقتص من وقتي لأصنع ذكرى حنونة، تلك هي طريقتي للبوح بالحالة الشعورية الفيّاضة التي تخص أحدهم.

وأرى أن جودة أي علاقة تتمثل بمعرفة السبيل المفضل لإيصال فيض المشاعر، وآيضًا بجواب سؤال: كيف أعيش عواطفي من دون ابتذال قوالب المعلبات الجاهزة؟

***

تسألني رفيقتي: كتبتِ التدوينة رقم ٢٤؟
فأخبرتها ليس بعد، همست لي بأنه لا بأس بأفكار متقطعة!
حسنًا لكِ هذا، بعض الأفكار المتقطعة رمت بها أمواج شهر مارس على شواطئي… وكأن موج السطور السالفة ليس شيئًا lol.

فكرة (١): “علي أن أتوقف عن التفادي، وأن ابدأ باتخاذ القرارات التي تفيدني فعليًا”
حوار دار بين اثنين من شخصيات مسلسلي، سمعته في أحد ليالي مارس ذات الثقل الجاثم، حسنًا ضربت تلك الجُملة على أحد أوتار قلبي، عزفت عزفًا جامحًا، وسردتُ على نفسي قائمة من القرارات التي يتطلب علي تنفيذها حتى شهر يونيو القادم -إحداها نمط حياة صحي-، التخطيط يضم صخب الأفكار المفزوغة في الداخل، يُهدأ روعها، شرط أن يكون تخطيطًا قابل للتطبيق، مرنًا ويسيرًا.

لا بأس قارئ سطوري هذه توقف للحظة، وفض شباك التسويف عنك واسأل: ما هو القرار الذي يفيدك فعليًا ويجب عليك اتخاذه الآن؟

فكرة (٢): “بذرة الحُب”
محاولة غرس هذه البذرة هي إحدى رسائل حياتي التي أرجوها، قرأت اقتباسًا لطيفًا حنونًا شاذليًا فتانًا عنها، إذ يقول كاتبه في رسالة لأخته:
” عندما تنمو في نفوسنا بذور الحُب والعطف والخير، نعفي أنفسنا من أعباء مشقات كثيرة، إننا لن نكون في حاجة إلى أن نتملق الآخرين، لأننا سنكون يومئذٍ صادقين مخلصين إذ نزجي إليهم الثناء، إننا سنكشف في نفوسهم عن كنوز من الخير وسنجد لهم مزايا طيبة نثني عليها حين نثني ونحن صادقون، ولن يعدم إنسان ناحية خيّرة، أو مزية حسنة تؤهله لكلمة طيبة، ولكننا لا نطلع عليها ولا نراها إلا حين تنمو في نفوسنا بذرة الحُب!”

فكرة (٣): “كُل امرئ يبكي شجواه”
والشجوى ليس لها قياس، صغرت أم كبرت، كانت بعينك فيلق من هموم، أو قشة لا تساوي وزن جناح بعوضة، ولا يقبل استصغارها، أو استكثار بُكاها أو استغرابه حتى، فلكل طريقته في بثها وطرحها.

***

لم تكن تدوينة ذات معنى عام أو هام، لكنها دليل مواصلة، وإثبات رغبة جادة في إكمال التدوين، حينما فكرت مرارًا أنه لا جدوى من الكتابة علنًا، أو حتى الحماسة لذلك، أربعة وعشرين رقمًا كبيرًا ظننت أني لن أتخطاه، وها أنا على أعتاب تخطيه، بفضل الأصدقاء، وتعليقات من يقرأ المدونة بحُب، شكرًا كثيرًا وامتنانًا عظيمًا.

طبتم بخير.

تمت يوم الخميس:
الثامن عشر من مارس| ٢٠٢١ م
الرابع من شعبان| ١٤٤٢هـ

٢:٢٧ ص

حالة مطريّة 🌧

السابع والعشرون من فبراير| رهف اليوم، رهف الأمس.

هل السماء تتخفف من الثقل حينما تُمطر؟ يبدو تخففها أكثر شاعرية من أي تخفف رأيته من قبل، أكثر حب، ودهشة، و رقة، ومشاعر متمازجة، ينهمر المطر كوقع حوافر جواد في مسابقة الجمال، تبكي السماء، تتخفف ربما، وتهذي بمائها العذب فوق أسطح المنازل، فوق الأراضي الجرداء، على صدور المحزونين، وأيادي العشاق، ودعوات المكلومين… فيغدو تخففًا من كل شيء.

التخفف حالة مطرية، شعوريّة، نوع من رفاهية الروح، وأظنه الجزء الجميل في مرحلة النضج الشائكة، أو التي أراها شائكة آحيان كثيرة.

ماذا أقصد بالتخفف؟

بصدق عجلة الأيام تمضي وكأن شبح يطاردها دون هوادة، ونمضي معها في دولابها، فتلتصق بنا شوائب كُثر، أشياء لا لحملها معنى، وإنما تُثقلنا روحيًا، وقتها يصير التخفف منها مطلب لا شيء كمالي، ما أقصده هنا، هو التخفف من ثقل الشعور والمشاعر والأفكار، ليست هي الفضفضة وحسب، وإنما التخفف سلة كُبرى لرميّ أشياء أكثر من كونها لحظية، وأكثر تعقيدًا.

على ذكر الفضفضة تذكرت أختي وطريقة تخففها الظريفة، بشرح كل شيء لي، أصغر التفاصيل للمواقف -تمثّل حتى الالتفاته-، تتأكد من فهمي للمواقف/المشاعر التي تشرحها برفع حاجبيها والإشارة لي، فأهز رأسي ذا الحواجب المرفوعة آيضًا، أظل صامتة حتى تنتهي، أقاطعها مواسيه احيانًا إن بكت، أو أسرعت في الكلام فلا يمكنني اللحاق بها، وحينما تنتهي أُعيد شرح حالتها لها بكلمات تصف شعورها بدقة، فتستخرج هي الحل بدورها دون تقديمه لها، وتطلبني أن أنسى ما قالت بعد ما -فرطت السبحة- ، فلا أذكرها بها بعد انتهاء الحديث، وكأن بئرًا ابتلعت ما قالت.

في الآونة الأخيرة وقفت أمام نفسي أثناء موجة غضب حادة تعترك وتطحن رحاها داخلي، “رهف هذه ليست أنتِ، هذا الغضب لا يشبهك.. وعليه سبيل لك، تدبريّه”، أعترف أني ارتعبت مني، كم من الأشياء الشائبة تلتصق بروح الإنسان دون أن يدري؟ ولحظة اكتشافه تتملكه فكرة -فات الآوان وهذه طبيعتي- .

أخاف أن أكون يومًا شخص لا أعرفه، أن تُنسيني الأيام من أنا، ولو كان تغير ضئيلًا -تغير للاسوء-، من صفة جديدة، من شعور، من كسل زائد واتكال وفراغ، وغيرها مما يضايقني مثل علاقتي بشخص ما، أو طريقة تعاملني من شخص ما، فأعترف أن اعتياد تعامل ما يأخذ شكل إزامي ومفروض، فيصبح في وقت من الأوقات شيء ثقيل يطاردني.

التخفف من ثقل كُل هذه يحدث بين عشية وضحاها؟ أكيد لا، يحتاج صبر + مكان للتفريغ (الكتابة) + عادات جديدة (قتل الفراغ) + إيمان وثقة وصدق.

إذن أسلحتي الخاصة في رحلة التخفف.. صبرًا، وقلبًا جسور، و روحًا ترى الجمال في اليسير من الأشياء، وبغض النظر عن فكرة التخفف السائدة تجاه الأشياء الملموسة أو ما يُسمى بـ Minimalism، تلك الفكرة التي لا أقبلها كنمط حياة نظرًا لجذوري العربيّة في حُب الاحتفاظ بالأشياء، خصوصًا تلك التي تختزل ذكرى عظيمة لي أو لمن أُحب، حتى هاتفي لم يسلم من الموروث العظيم قاربت العشرين ألف صورة!

أذكر أنه من طقوسنا العائلية قديمًا، قبل عيد الفطر والأضحى، نجتمع نحن الأحفاد، والخالات مع جدتي لترتيب المنزل وتنفيظه استقبالًا للعيد، فذاك يطوي السُجاد ويُشرّعه، وآخرون يمسحون الجُدران، أما فقرتي المفضلة كانت ترتيب خزانة جدتي البيضاء الموسوعة، الحافلة بالذكريات العتيقة، بفساتين خالاتي المنفوشة القصيرة، بصور العائلة في كُل مكان، بصوري أنا شخصيًا حيث أني أجد صورًا جديدة في كُل مرة لكثرتها، بحُب أمي للأشرطة الصوتية، بقمصان أخوالي الرياضية ودفاترهم المدرسية، أُسميه دُولاب العجائب!

لا تسمح جدتي برمي أي شيء وإنما تعيد ترتيب الأشياء وتزيل عنها الغبار، يستحيل أن يُرمى شيء عبثيًا هكذا، إلا بطلب وإلحاح شديد من بناتها لتوفير مساحة إضافية في الخزانة…

وآيضًا كصفة متوارثة كذلك هي أُمي، تحتفظ بكُل شيء في خزانة بيضاء أخرى، كُل شيء أعني بذلك كُل شيء حرفيًا، أول لباس نرتديه في الحياة لي ولأخوتي، أول لباس للعيد، ومهاد كُل فرد منا، ملابس الروضة والمدرسة، كُتبنا، بعض ألعابنا -أمتلك للآن دُميتي حينما كنت بعُمر سبعة سنين- ، تاج زفاف أُمي وطرحتها، كُل شيء نظيف وجديد ومرتب، لا زالنا نعيد ترتيبها قبل رحلتيّ الشتاء والصيف، تمنحي تلك الخزانة دهشة عارمة، تُطبع على عينيّ، كطفلة رأت بلاد عجائب أليس!

بدوري انتقلت لي هذه الصفة، أُحب الاحتفاظ بكل شيء له معنى وذكرى من ماديّات ورموز وصور ورسائل، لكُلٍ تصنيفه الخاص في القلب ومكانه، والتخفف منها أمر غير محبّذ عندي آبدًا، لا أستطيع التفريط بدهشة ابنتي المستقبلية لذكرى والدتها.. أفتديها.

إذن زالت شُبهت التخفيف من الأشياء، ماذا عن الأشخاص؟

أفر بإصبعي بقوة لأتجاوز تغريدة مفادها تجميل قوة التخلي، والإكتفاء بالنفس، وحُب التلويح بوداع لأي علاقة اهتزت في لحظة ما !

دائمًا عُمق أيامي يتساوى بعُمق ذكراها لديّ، أتخيل الحياة كشجرة فروعها وأغصانها وأوراقها هي ذكرانا مع الأيام، أميز الأيام بها.. كان تكدسها يزيد الجمال جمال، لا أُنكر أنه في كُل مرحلة عُمرية تُصاب شجرة حياتنا بخريف عابر، تتمرد رياحه لتتساقط الكثير من الذكرى والرفاق، لكن التجدد كان جزئًا جميلًا وفصلًا حميميًا، لنفصل بين من يبقى في شتائنا وشدتنا، ومن يكن ذا ذكرى لطيفة ونسمة عابرة أحيتنا حينًا من الدهر وتركتنا مع حفظ الود لها.. ثم كيف يمكن التخفف من الأشياء والأشخاص وذكراهم بالنسبة لي “تحويشة عُمري” ولفيف أغصان شجرة حياتي؟

من ماذا عليّ التخفف؟

أذكر في أول مرة صارحت نفسي بكتابة مستفيضة، شعرت بخفة، وأن روحي طير، وأن السماء لي، كان فهم ذاتي طريقًا سريعًا تجاه تخففي وأُحب فعلًا هذا الشعور الهادئ الذي ينساب في هذه اللحظات والليل مدلج، ويرمي وشاحه فوق أسطح البيوت بطريقة شاعرية للغاية محرّضة للقراءة، للسهر مع الكتب، والأدب والشعر، فأنا “لا أذكر الأشعار إلا تداويا” وعندي “في القلب لكل ثقب قصيدة!”، محرّض آيضًا للكتابة، لكتابة الرسائل، لقرائتها آيضًا.. لديّ مجموعة صغيرة من الأصدقاء الغرباء للمراسلة البريدية الإلكترونية، وكانت سبيلًا لي ولهم للتخفف آحيانًا كثيرة. (الكُتب والشعر والكتابة حياة أُخرى.. خصوصًا بالليل)

-للمراسلة بالبريد الإلكتروني: rahafletter@gmail.com

أزيد التخفف من التوقعات، كُل آمالي تجاه أي أحد دون استثناء الزُهد فيها مطلب، لأني علمت لا شيء يضايق صفوي كخيبة الأمل، أن تخفت لمعة عينيّ وتتوه الابتسامة من شفتيّ، وهذه غلطتي وحدي لا أنكر ذلك.. لا أحد يُملي عليّ التوقعات، وحدي من شيّدتها صرحًا عاليًا، ووحدي من ستقع عليه، والتخفف من التوقعات شيء يشبه مد سُجاد من الاسفنج يقي السقوط، المهم أن يكون سميكًا ليحتظنني بحنو، كُلما هويت من حافة توقعي بأحد أُحبه، أو سقطت الحافة عليّ lol. (لا توقعات عالية)

التخفف من الكلام، لطالما كُنت محشوة به، وذات فم صامت، إلا من أحاديث تنقذ المواقف، تُعيشني اجتماعيًا، لكن خلجات النفس وآلامها، أمانيها وكلماتها، تبقى مدفونة، لا يخرج منها شيء، تظهر شذرات منها، حينما انكفئ على نفسي ليلًا فيفضحني أثر دمعي على وسادتي، تظهر في علو وانخفاض صدري بعد تنهيدة عميقة، تظهر في الالتفاته بحدة تجاه صوت قض مضجع تفكيري، تظهر في سؤالي عن حال أحد أُحبه وكأني أجره للكلام لا أنا، تظهر في شربي للماء بسرعة، وكأني أدفع الكلام الخارج ليدخل بقوة، تظهر في قلة شهيتي، اقتباساتي، وشعري الفوضوي… وكأن كل هذا جزء من كلمات أنفثها فتطاير من فمي على هيئة سلوك خفيّ لأبعد الشُبهة.

والكلام بحد ذاته ليس احتياج، وآيضًا ليس له سبيلًا للتخفف بالنسبة لي، لكن آحيانًا يكون كاتمًا، مزدحمًا في الصدر وثقيلًا، وأود لو انتزعه انتزاعًا. (تسجيل صوتي للتخلص من الكلمات العالقة في الصدر)

من الاشياء المناطة إلي دائمًا المسؤوليات العديدة، ربما هي ضريبة كوني البنت الكُبرى بالعائلة، أو لأني تصدرت لها خطئًا مني وسهوًا، تتشكل عقدة النضج وتقدم العُمر عندي على هيئة أزمة، أخاف على روح الطفلة الصغيرة بداخلي بالضياع، بالتشتت، بالاحتراق، بالنسيان، هذا غير أني أهرب إليها كلما احتشد أمامي جيش مسؤوليات، عالم سري مختبئ ولطيف داخلي، أعترف بأني مرات عديدة أتوه في الطريق إليه ولا أجده، فألجأ للعديد من شذرات الطفولة.. فمثلًا قبل مدة قررت تحقيق أحلام طفولتي، حققت إحداها قبل فترة وكان الشعور مُذهلًا، كنت أتمنى أن أكتب في صحيفة وفعلت!

تمنيت أن اتأمل القمر بتلسكوب، فصنعت جار أجمع فيه نقودي بطريقة الطفولة القديمة.. وسأحصل عليه يومًا ما، هذا غير كُل الأشياء المحببة لي في طفولتي وأفعلها بحُب، مثل متابعة فيلم الكرتون المفضل لدي، الوجبة المحببة لي بطفولتي، وقراءة بعض الكتب التي تتسم بروح طفولية مُبهجة، والكثير من الأشياء والأحلام المخلوطة بسحر دهشة الطفولة، ذاك السحر الخارق الذي يدفعني للغناء: “مهما كانت أيدينا صغيرة، أحلامنا تداعب النجوم!”. (روح الطفولة تزيل تراكمات عبء الحياة).

اعترف أني سريعة الغضب، للحد الذي لا يتوقعه أحد، دائمًا ما اُفاجئ أحدهم حينما يراني غاضبة، أسمع كلمات تشبه: “كائن غاضب يخرج من رقتك يارهف”، وامممم أظن هذا يعود لمعنى اسمي “رهف” الحدة والرقة في آن واحد، فقيل: قلبٌ رهيف، وسيف رهيف! لا أبرر لنفسي مُطلقًا، فالغضب شيء مُريع، نارٌ تحترق في الصدر، خصوصًا إن كنت كتومًا وغاضبًا، تشتعل هذه النار لأيام لأسابيع ربما، ثم تأخذ منحنيات مختلفة مثل بكاء مفاجئ، تجاعيد بين العنين ليوم كامل، ردود للرسائل قصيرة ومقتضبة، وأشياء لا تشبهني، وفي ذلك حاولت إصلاح ما يُمكن إصلاحه، مثلًا أخذت دروس تمارين التنفس (لا يُمكن تصدق هذا صحيح؟ بلا فعلت)، المشي والركض، استماع البودكاست إشارة باللامبالاة بأحاديث الآنسات رهف الغاضبة، ورهف الحساسة، ورهف ملكة تأنيب الضمير.. المتقوقعات داخل رأسي!

لكن كل تلك الحلول كانت شيئًا لحظيًا لا يتعدى حدود يوم، فاستيقظ في اليوم الذي يليه أحملق في السقف، أتحسس صدري، وإذ ببركان الغضب لا زال مكانه، يخمد يوم، ويثور يومًا آخر…. وأفضل ما يمكن فعله هو مواجهته، ثم التغاضي والتغافل عن مصدر الغضب، ترك الجدال الذي يشعله، وعن الجدال لا أدري ممن استقيت هذه الفكرة حول أن الجدال يشيخ بالمرء، لكن دائمًا ما أتذكر هذا وينفعني جدًا، فأنا لا أود أن أشيخ أكثر، ثم سمعت أن وجود البراكين الخامدة في مكان ما، يعني أنها أرض خضراء، والمطر زائرها الحبيب، لذا لا بأس بوجود بركان طالما كان خامدًا مسالمًا ! ( في كُل مرة يثور بركان الغضب، عليّ أن أُفعّل الضوء الأحمر: رهف الغضب والجدال يشيخ بالمرء، يسرق ضعف ما يسرقه الوقت من لحظات. )

التخفف من عُقدة تأنيب الضمير، تجاه نفسي وصحتي وأشياء اخرى.. وفي هذا كتبت الكثير من الأشياء، اختصرها.. بأن استبق عُقدة الذنب، افعل ما علي فعله، وما يُحملنني ساعديّ على فعله، والباقي لا حول لي، إن أحطت علمي ببذل جُهدي، فلما الشعور بالذنب؟ وأدرك أن الكلام أسهل من الفعل، لكن الكلام الصادق يستقر في العقل، حتى يترجمه لفعل، ثم يطمئن القلب فلا يسمع الضمير تأنيبًا ولا شكوى. ( كتبت مرة: “الذنب عاطفة غير عقلانية” )

كنت أمس أُفكر في عدد الأشياء التي وجدت لتُيسر الحياة لنا، لتجعلها أفضل، أكثر دفء، أكثر قُرب مما وممن نُحب.. وإذ بها صارت الحياة بأكملها تتمحور حولها، وأزعجني هذا بصدق، تملكتني غرابة موحشة، متى حدث هذا؟

ولكن الإفاقة من سُبات الغفلة هو المهم، وتأمل كل شيء من قبيلة كان مجدافًا لقاربي، وصرت اتأمله أمامي بدل التجديف به، لإعادة لوظيفته الملائمة… ويقينًا ترتيب تشذّر الأشياء الهاربة من وظيفتها، تخففًا لا يُشبهه شعوريًا إلا التحليق بعصا الساحرات!

والكثير من الأشياء السريّة، التي عليّ فعلًا العمل للتخفف منها.. دائمًا أقول: هل تستحق العناء؟ وقد تبدو هذه الفكرة بسيطة حتى تحيا بها، لكن أنا تتملكني طُمأنينة أن رهف اليوم، أفضل من رهف الأمس… وخطوة في سبيل الإصلاح تعني حياة كاملة بالنسبة إلي.

كنت أُريد الإكمال في حديث الإصلاح وعاداتي الجديدة وعلاقتها بدخول شهر رمضان ووو، حتى ألتفت على عدد الأسطر المهول المتلاطم فوقي، لذا إن وصلت لهذا السطر تحديدًا فأنت صديق حميم جدًا، ممتنة لذلك كثيرًا.

تمت يوم السبت،
-في هامش الصورة: ألتقطتها من النافذة بعد يوم ممطر وبديع، بعثتها توثيقًا لمنظر السماء في محادثتي مع رفيقتي، السادس من فبراير.. الرابعة عصرًا.-

السابع والعشرون من فبراير|٢٠٢١ م
الخامس عشر من رجب| ١٤٤٢هـ

١١:٠٢ م