قصاصة أسبوع..

السادس عشر من يناير| أيامٌ تطفو وأيامٌ تغرق..

هنا تدوينة ثانية على نمط الأولى، جزء مُقتص من أيامي خلال بعضًا من الأسبوع..

،

١٣ يناير
في لقاء لطيف حضرته عن بُعد، واحدة من الحضور قالت: “لا أعرف لما لا أكتب حينما أكون سعيدة، أكتب وكأني طفل طُلب منه تعبيرًا وكتب شيئًا سخيفًا، كُل الكلمات التي تصف شعوري تأتي حينما يفني الحزن ولا أدري لماذا؟” ردت إحداهُن: “لأن الفرح يُعاش”
ربما اللغة حين اصابتها فرحة، مضت تتقافز مُسقطة كُل الحروف من على متنها، وحين حزنت لملت كُل الحروف محاولة جمعها لصنع كلمة تناسب حالها فهجعت تصنع الكلمات ولم تكتفي، فلذا كان محصول كلمات الحزن أكثر، تجدها في أقرب زاوية للتذكر في عقلك.
حين سؤلت لماذا تُحبين الكتابة؟ كانت هُناك أسباب كثيرة، أبرزها أني ربما أنسى.. كانت الكتابة مصدر حماية من خُذلان الذاكرة، كما الصور، وربما الكلمات كانت أكثر متانة في تذكر الشعور، والصور أكثر ترسيخ للمشهد.. وبين هذا وذاك فُتنت جدًا وشغفت، لذا كنت أتخبط أثناء لحظات السرور، أبحث عن قلمي فلا أجده، ربما نسيت البحث أصلًا لا أتذكره حينها، فالفرح يُعاش!

١٤ يناير
الغروب… الزمان الأكثر قُربًا في يومي، والأكثر دهشة رغم ديمومته، حقيقةً أنا شخص لا يتأثر بالديمومة في أي حال من الأحوال ولا يملها، قد تجدني اسأل شخص مدى سنوات طِوال “كيف حالك” بشكل يومي وأسمع ردًا واحدًا دون أن أمَل أو أفقد شغف السؤال إن كنتُ أُحبه، كُل الأشياء التي تُقدم لي عن حُب بشكل مستمر، لا تفقد دهشتها لدي، كذلك كل الأشياء البسيطة مثل الغروب، تأمل القمر، أفتح عينيّ صباحًا أمام النافذة بامتنان لضوء الشمس الدائم.. وإلخ.

وهذا مصدر خوف حينما أفكر أن لا يُقدّر أي شخص شيء أفعله له باستمرار من دافع الحُب، ويراه روتينيًا واعتياديًا.. والمصيبة إن كان يراها واجبًا مني، بينما أبذل جهدي باستمرار لأضع كُل حبي وامتناني بهذا الفعل أو القول، وأرى إن تحقق هذا الخوف، مصدر لتزعزع العلاقة أو برودها أو ضعفها ومرضها.. وربما موتها.
ديمومة الأشياء لا تتأثر دهشتها بداخلي، نقطة.
غروب اليوم كان ساحرًا وخلابًا:

—-

١٥ يناير
للتو انتهيت من جدول كامل في أحاجي لعبة السودوكو، هذه اللُعبة اليابانية التي بيني وبينها حكاية وفاء وصداقة طويلة، أغنتني بشكل بسيط عن أخذ الجرائد بعد أن ينتهي أخي الأكبر من قرائتها وحل لعبة الكلمات المتقاطعة المفضلة عندي، أو وضع دوائر على كلمة “في” وسط كُل مقال في الجريدة، ولعبة السودوكو هي عبارة عن مربع به تسعة مربعات كل مربع به تسعة مربعات أُخرى، وعليك وضع الأرقام من واحد إلى تسعة بطريقة معينة، تعرفت عليها وأنا بالصف الرابع ابتدائي، أثناء جولتي الاعتيادية الشهرية مع أبي في مكتبة “العبيكان” هناك كتاب كبير يحمل اسمها بين الأرفف، فجذبني وأخذته، ثم تعرفت على الأحاجي ومستوياتها، واحترفتها حتى بت أضع لنفسي توقيت لحل الأحجية، وأحاول أن أكسر الرقم في كُل مرة، ولا أرضى لأي أحد كان أن يمسّ كتابي أو يحل الأحاجي بأي شكلٍ كان، كانت رفيقتي في السفر للعُمرة ولأي مكان، اقتنيت حقيبة وردية أكبر لتتسع الكتاب حينما أذهب لبيت جدي وجدتي، وفي المناسبات العائلية التي أظن بأني سأضجر بها، أذهب لزاوية بعيدة، أضع قلم الرصاص وأبريه، ثم ابدأ بتركيب الأرقام وتخمينها، وتلمع في عيني شرارة الفرح كُلما كان تخميني أو احتمالي صحيح، ثم بعدما انتهيت منه اشتريت كتاب “سودوكو للجيب” فيالها من فرحة غامرة حينما وجدت الحجم الصغير منه، طلبت من صديقتي أيام الابتدائية حينها أن تكسر لي قلم الرصاص حتى يكون صغير بحجم الكتاب، ففعلت بكل سرور هي المحترفة بكسر أقلام الرصاص لكل بنات الفصل، وكنت سعيدة سعيدة جدًا حينها، ثم كبرت وظلت معي كل تلك الأحاجي أقضي ساعات طويلة عليها بعد أن أتململ من القراءة، حتى تطورت اللعبة وتطورتُ أنا معها فحملتها على هاتفي، ولا زلت أحملها معي، وأحل الأحاجي بنفس لهفة الطفولة، كانت تنقذني من ورطة التفكير في شيء مُزعج، كانت معي حينما أجلس وحيدة في الجامعة، كانت معي في أوقات كثيرة وبأزمات مختلفة كمهرب سعيد يُشبه النوم في الأماكن التي لا أستطيع النوم فيها، واليوم تمنيت لو أن لدي هذا الكتاب المصغر من السودوكو، أود حقًا أن أمتلك كتاب جديد منها، يغنيني عن تطبيق الهاتف ولو بشكل جزئي.
في لحظات ما، متفرقة من عُمري، وجدت بأن السودوكو تُشبه حياتي، تخمينات متتالية ومسارات للأحداث معقدة، واختيار خاطئ قد يكلفني نكث الكثير من الأشياء، لذا عليّ المخاطرة بتخمين أو توقع، أو دراسة عميقة لكل الظروف، حتى تكون خطوتي التالية في موضع لا يُمكن أن تزل به قدمي للهاوية، كُل الأشياء حولي كُلما كبرتُ باتت أكثر تعقيدًا والخلاص منها صعب، كُل المشاعر، والعلاقات، والأحلام، حتى الطمأنينة صار الوصول لها يسبقه قلق معجون بكثير من التعب، مثل مراحل السودوكو، تزداد صعوبة حينًا بعد حين، هل تلعب مع الحياة لُعبة؟ أم أني لعبتها الكبيرة؟

١٦ يناير
اليوم هو أول يوم أطبخ به بعد انقطاع دام لأسبوعين، بل هو أول يوم نطبخ به في بيتنا منذ إصابتنا بكورونا، فضيق التنفس من أي رائحة كان مؤلم وكأن جبل حط رحاله على صدورنا، لا أذاقه الله لأي مسلم!

واليوم وأنا على الموقد اجتاحني نفس الألم الرهيب، تذكرتُ الأسبوعين الماضية.. كيف كانت سُفرتنا مليئة بالأصناف المتنوعة، كُل يوم وعلى مدار الأسبوعين كانت سفرتنا عامرة بطبخ الأحباب، فخالتي تحاول أن تطبخ صينية مكرونة الباشميل المفضلة لدي، وجدتي تطبخ الأرز المفضل لأمي، خالتي الأخرى تسألني:”رهف بالله عليكِ أش نفسك فيه؟”، ثم تفاجأني بطبق مختلف لذيذ، زوجات أخوالي وحرصهن على تحضير أفضل الأطباق الساخنة المفضلة لدينا، أجد رسالة من إحدى خالاتي “رهف حطينا الأكل على عتبة الباب” أو إبن عمي الذي أُصيب بكورونا قبلنا جميعًا، أصر على أخي بأن يحمل الغداء للأعلى مُحدث دويًا من “الحلفان” على أن يصل به إلى مدخل البيت، وعلى سُفرتنا تناولنا العديد من الأصناف التي صُنعت بحُب، وبتفكير عميق واسترجاع لكل الأحاديث التي قُلناها بشأن تفضيلنا لطعام دون غيره، بل حتى بطريقة إعدادنا للطعام مثلًا بأننا نُحب الملح الزائد في طعامنا أو عدم تفضيلنا للثوم !
فتناولنا على مدار الأيام الماضية جميع أنواع الحساء والرز البرياني والكابلي والبخاري وغيرها، جميع أنواع السلطات المختلفة، وأطباق وصواني مختلفة وكأنه مشروع احترافي للتسمين، هذا غير الأدوية المختلفة والعسل والأعشاب، كانت خالتي تتصل يوميًا علي استطعت أن أتحدث أو لم استطع عليّ أن أقدم لها تقرير يومي، بصفتي الابنة الكُبرى للعائلة، فتسألني بدايةً بأمي وأبي ثم كُل أفراد العائلة، درجة حرارتهم مدى تعبهم اليوم، وماذا تناولوا من أطعمة وأدوية، ثم الاتصال التالي من خالاتي الباقيات، ثم أخوالي، والأيام التي بُحّ بها صوتي عليّ كتابة التقرير رسالة فأنسخها وأرسلها لهم جميعًا، و رغم التعب والإجهاد كنتُ أعرف بأني لو سهوت يومًا واحدًا سأُحدث قلق كبير لهم.
غُمرنا بهذا اللطف، لُطف العائلة غامر جدًا، تأسر قلبي مثل هذه المواقف، أدام الله هذه اللُحمة الحنونة، والسند المتين، والاهتمام بالتفاصيل الصغيرة، فالتعب منسيّ والألم زائل مهما كان عظيم، لكن ذكرى حُبهم واهتمامهم بالتفاصيل لا تُنسى، وتضحياتهم كنزًا ثمينًا أهدته لنا الأيام الصعبة، زاد يقيني أن الحُب يظهر في تفاصيل دقيقه، وفي أيام شديدة بائسة، تخيلت أن الصادق في الحُب مثل عُكازتين حين الكسر، فجأة تظن أنك لن تستطيع المشي، فتخرج العكازتين مثل بطل شعبي، بطل حكايات أسطوري.. والله الأحباب هم أبطالنا، كم كان العيش بائسٌ لولا الله ثم هم؟

••

اقتباس القُصاصة:
‏”أصبح الإنسان محاط بالمثاليات، يتوهم بأنه مطالب بأن يبذل لكل شيء فوق قدرته، ويقاتل لأجله، ليس لإرادة ذاته، لكن خوفاً من التجرد من القيمة الوهمية، فهو بدون ذلك لا يجد لنفسه قيمةً تُذكر. إذا كنت أحد الناجين من هذه الخدعة فيجدر بك التوقف لبضع لحظات، كي تحيّي في نفسك هذا الثبات”

تمت في آخر يوم إجازة..السبت:
١٦ يناير|٢٠٢١
٣ جماد الثاني|١٤٤٢

٩:٤٥ م

تعليق 1

اكتب تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s