هلوسات يوم حزين..

العشرون من يناير| إنسان حزين يقظي يومه

تجاهل الحزن هو حزنٌ آخر مؤجل، يظهر بعد استفاقة التأجيل تلك.. كأن تبتاع شيئًا بالدين، تبتهج به وتفرح، ثم فجأة تلتفت خلفك لترى أكوام دينك المتراكمة.

الحزن شعور إنساني، عاديّ طبيعي، تأجيله يُضاعفه، تهميشه يُبقيه جانبًا في الظل، وفي الظل هذا الحزن يكبر ويكبر ويكبر حتى يعم السواد خلجات الروح، فلا تفيق، أيامها ليل، والصبح عنها بعيد.

أحيان أُفكر بأنه يشلُ روحي عن التفكير في شيء غيره، كأن أكون مكبله، لا أطير، لا أعيش أيامي، ولا أضحك، أحاول جاهدة تخبئته خلف قناع سعيد، ثم فجأة يظهر على وجهي ويسيل من خلف القناع!

عرفت مؤخرًا أن تجاوز مرحلة حزينة أو مقلقة أو مملة أو بائسة، لا يمكن بالتحايل، ولا أيضًا بالتجاهل.. المواجهة وعيشها بالكامل، يكفي لتجاوزها دفعة واحدة، دون أن تترك بقاياها فينا، لا بأس لتطول، ولكن ما يهمني هو اقتلاعها من جذورها، حتى لا يأتي حزن آخر ويرى جذورها الممتدة فييّ ويسقيها، فتعود من جديد.

ثم أفكر هذا الإنسان حريصٌ على البقاء على شعور واحد دون تقلب يا للعجب، كنت أفكر بالسعادة كشعور دائم، حتى صحوت، لذة السعادة تكمن في نشوتها في بهجتها الفُجائية دون ترتيب، وانتظار مُسبق، شعورها يكمن في تلك القفزة، والبهجة بها.. لا يمكن أن يتحصل عليها الإنسان كُل يوم وإلا باتت دون لون نهذي به أو ندعوه كتلاوة هامسين بها “الله يسعدك” لأحبابنا !

ما هو الشعور الذي سأحرص على البقاء عليه؟ اممم تبدو فكرة أن يبقى الإنسان مطمئنًا وراضيًا جميلة بعيني، أن يبقى ساكنًا، هادئًا، تموج به الحياة، ويبقى كـ مركب تدهده أمواج البحر كحضن أم لوليدها، هذه الفكرة أكثر وداعة في قلبي، وأكثر صفاء وسرور.

أن يصحو ليصلي الفجر، يهمس بأذكاره، يخبز فطائره المفضلة أو ما نسميه بـ البان كيك، يضع الزبدة فوقها وهو يتأمل ذوبانها بهدوء وديع، يأكل إفطاره بشراهة المتلذذ، ويقضي يومه بمتابعة شغفه، وإكمال إنجازاته من أعمال.. وإن لم ينجز شيئًا كان وصوله لنهاية اليوم ومزاجه في مكانه إنجاز !

التصالح مع فكرة العيش المطمئن، لا يتعارض مع فكرة الخروج عن دائرة الراحة والبحث عن مغامرة وعيش التجارب الخارقة، ثم لماذا أسموها دائرة الراحة؟ ربما هم لم يعرفوا ماذا واجه الإنسان بها، والخروج عنها أهو بعيدٌ عن الراحة؟ لا أظن، هذه مجرد مسميات اخترعوها “أصحاب عجلة التنمية وتطوير الذات”!

العيش المطمئن كما أُسميه هو التصالح مع فكرة “كُل شخص له وقته الزمني الخاص به لتحقيق ما يُريد”، أي أنه بعيد عن الجدول الزمني المجتمعي السائد الذي يظن البعض أن على الجميع الإلتزام به مثل أنه يجب عليك أن تتخرج وتعمل في العشرين، تتزوج وتنجب في الثلاثين، تتقاعد في الأربعين ووووو، وإن أفلت جدولهم الزمني لاحقوك بالاسئلة، والنظرات والهمسات، والقيل والقال، وكأنك مجرم فرّ من وجهه العدالة لوجههم أصحاب العدل والسيادة.

ثم أن -الخروج عن دائرة الراحة- كما يزعمون قد يكون راحة أُخرى، ليس تعبًا وشقاء كما يظنون، ربما دائرة راحتي متسعة لتضم تجارب عِدة، والبحث خارج المألوف والمغامرات قد تضمها دائرتي آيضًا، ثم ربما أني لا أريد الخروج عن دائرة راحتي.. أُحبها، أتنعم بها، وهي شغفي!

أعرف أني حانقة نوعًا ما، وأتحدث بحزن شديد وغضب، وهو تراكم أحزان مؤجلة أعلم ذلك، لكن تلك هي نظرتي قد أكون صائبة أو مخطئة، أو أني ربما سأندم في المستقبل عليها، وتقلبات الأفكار لا تطمن بالخير.

في فيلم أنيميشن اُشتهر في الفترة القريبة، عن هذيان شخص بالوصول للحظة ما، يتمناها بشدة، متناسيًا أي من اللحظات السعيدة الهانئة الهادئة وتفاصيل حياته الصغيرة دون أن يشعر بها في أعماقه كأن يتلذذ بالبيتزا، وأن يستشعر بحنو والدته، كان السعي المستمر للوصول لهدفه لا يُصدق أعماه عن كُل الجمال المحيط به، وسرق منه عُمرًا كاملًا، وحينما وصل لهذا الهدف.. صُدم، فكان بسيطًا وفرحته بسيطة، لا تستحق كُل هذا التهميش للتفاصيل الصغرى السعيدة، تقدير الجمال المحيط بنا -في دائرة راحتنا- هو خروجٌ عنها كما يزعمون، يحتاج جهد وتعب وسعي مستمر لتذوق الحياة، وأظن أن الحياة تكمن في التفاصيل الصغيرة، أكثر من بهجة الإنجازات، فالحياة أن تعيش روتينك وتتلمس الأشياء السعيدة بهذا الروتين كـ ضرير، أن تنغمس في حزنك وتغوص به دون أن يُغرقك، الحياة هُنا يا رفاق.. في دهشة التفاصيل الصُغرى.

طبتم من الحزن آمنين

تمت،

الأربعاء..

١٠:٤٣ م

2 تعليقات

  1. فليطب خاطرك يا رَهْف، ما قلته حقيقة الانسان و الشعور، التفاصيل الصغيرة مهمة جدًا و لو وجدناها في زنزانة لا يخرج منها الضيق؛ صحيح علينا أن نتلمس الطريق كضرير، لأن البصير من يلتمس حقائق الأشياء، و الضرير من تقاعس عن ذلك، جميلة مثل منظار تكبير للحقائق المهروسة بالتنميق🧡

    Liked by 1 person

اكتب تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s