“ستكبر فظّ الحواس”

الرابع عشر من فبراير |عقلي أم قلبي؟

هذا التساؤل الذي ظل حيرة كبيرة لي، وعثرة آحيانًا، وشمّاعة أُثقل كاهلها كُلما ابتدرت تعليق قرار خاطئ من أحد الجهتين عليها، هل يستقيم القلب ويعدو تجاه طريقي، أم ذاك المُدبّر عقلي يختار الطرق الأفضل رغم ضبابيتها لعينيّ وفقرها لودادي؟

في كتاب مُلقى بين ملفات مكتبتي الإلكترونية، ألقيته هُناك منذ أشهر ونسيته، قررت فك أسره بقرائتي له، وحين ابتديت من أول الأسطر اُذهلت بكلامه، وإن لم أوافقه كُله، يقول ناتسومي سوسيكي في وسادة من عُشب: ” إن أنت ركنت إلى العقل، ستكبر فظ الحواس، وإن أبحرت في مياه العاطفة، سيجرفك تيّارها، أما إن غلبتَ إرادتك، فسينتهي بك الأمر لتضييق على نفسك، وكيفما قلبت الأمر ستجد في النهاية أن الحياة في عالم البشر ليست بالأمر الهيّن”.

في كُل خطوة خطوتها، أستبق أثر الندم.. وقعه، مقداره، طول آثره، مدى تقبلي له، وعُمقه في صدري، أتخيله بعد أن يبرئ، هل ستكون نُدبة أتحسسها وابتسم، أم أُشيح نظري عنها بوجع؟
كان الندم مقياسي، ولفيت أن عظيمه كان من شيءٍ، ما قبله قلبي وأحبه، وأشاح عنه مرارًا، غير أن كلامًا يلهج في عقلي، يجول ويصول حتى أتمه، فكانت ملامة الندم أقسى.
ولا أقول أن لقلبي حدسٌ لا يُخطئ، وسهم لا يوجع، وخُطى لا تزل، وإنما كان الندم الخارج من خطاياه ذا زلل مغفور، تقبله نفسي برضى وطيبه.

أُحب صراحة القلب، إنفعاله وذوده عن عواطفه، والكلمة النابعة منه دائمًا: “رهف دامك تحبين هذا الأمر.. عبّري، افعلي، اقدمي”، أُحب انجذاب يديّ لحظة فزع/خوف لقلبي، والتنهيدة السافرة ببطء من جوفي للخارج، أحب مَشورته ومُشاورته، للحديث الرقيق منه، والعتاب الصريح الموجه لميزان عقلي، أذكر أنه في عِلاقة لاقت نفسي منها المُرّ كثيرًا، تحديدًا صديق حينها كان عزيز.. ولا زال عزيزًا أحبه جدًا، هل المُرّ يخرج من الأصدقاء؟ أي نعم وهناك من ينفثه حينًا وحينا، ما أعنيه أنه في فترة ما كنت اتسأل عن أعتى اخطائي كي أُعامل بمثل هذا، وبقدر ما جرّمت نفسي حينها وبرّأت صديقي جُرحت وأصبت بخيبة أمل قاسية، المهم بعد محاولات لا تُحصى، هذّبني قلبي، فالقوة في التمسك لا التخلي، صحيحٌ كان مُرًا، لكن من ذا الذي يصفو زمانه كُله؟ والحُب في التمسك رغم المرار، وكان ذاك أذى احتمله لصديقي، أو رُبما تلك المحبة النابعة من قلبي، أودعت به قوة الصبر، قوة أن أُطبطب على قلبي بـ “لعله يجرح بما فاضت نفسه من حُزن/ ظرف أجهله”، والصديق من تحمّل الهفوة وإن صارت هفوات، فطيّب الذكرى باقية لم تزل، ورغم ذلك العام العصيب وتحملي الذي كاد أن توشك في محوه موازين عقلي، إلا أنني نجوت مع صديقي، نجى هو من مُرّه الذي خبئه عني وتلقيت شذراته، ونجوت بعدم فُقدانه، جُلّ أسلحتي كانت قلبٌ مُحب، وأكفٌ تساند رفيقي الحبيب بدعوات ماطرة عليه كُل حين.

في القلب قوة لا يدركه ولا يبلغها العقل، كانت شظيّة في أرض العدو تخترق الزمن والمكان والطُرق إن كان القلب سليمًا، وتكن في أرض الصديق إن كان القلب ملوثًا بأحقاد نتنه، قد تكون أبعد عن كونها شظيّة هذه القوة.. قوة القلب، قد تكون استثناء سماوي: “إلا من أتى الله بقلب سليم”، وقد تكون بناء بيت بين اثنين قوةً تلم شملهم، تحويهم تحت سقف واحد، تظلل غمام الحُب فوقهم فينشأ بيتًا قويًا، إن أذنب أحدهم غفر قلب الآخر له صبابةً وعشقا، وإن قصّر الآخر رأها القلب كمالًا متوشحًا بحُب، قد تكون هذه القوة بين صديقين ضميدين لبعضهما كما قال ابن الأثير عن الصداقة: الصديق من ماشى أخاه على عرجه” وأرى في هذه المقولة عذوبة، وأتلمسها بقلبي حينما يمسّني أَلَمٌ مصدره رفيق حميم.

والآن ليلًا اتأمل النسيم وهو يدغدغ ستارتي، أفكر في حديث دار بيني وبين إحدى صديقات الانستجرام، عن جُملة -تعلمت حُبها- هل القلب يُمكن أن يتعلم حُب شيء ما؟ دون أن يرتقي في حُبها؟ -أنا من الذين يفضلون كلمة “ارتقاء” عن كلمة “وقوع” حين يصل الحديث للحُب-

ردت عليّ بأنه: كُل هذا الكون وأشياءه تستحق أن تُحب، المهم أن يفتح لها القلب بابه، وأجبت أنا بطريقة هزليّه: أنه ليس لباب القلب مفتاح حاضر دائمًا… ورغم هزلي إلا أني كنت جادة بكلمتي، لأنه حينما يفتح القلب بابه لحُب شيء ما لن يغلقه آبدًا، فيقبل للمحبوب خطاياه وزلّاته وعيوبه ومآثره ومحاسنه وعرجه، حتى بالنسبة للأشياء والأعمال حينما يُحبها القلب ويفتح لها بابه فإنه يتقبل تعبها وشظّف العيش معها، وصعوبة الحصول عليها، قلت في نفسي ربما ثقل باب القلب وخفته تعود لكل قلب، ولطارق هذا الباب، فالمفتاح يتعلق بهذين النقطتين.

وأرى أن جمع مع الناس يقررون اختيار العقل والقلب معًا، فشيء من هذا وشيء من ذاك كخلطة سحرية تُتم عليهم قراراتهم فتغدو صائبة، ولا اعترض على قرار أي أحد أو أطعن به، ولكني أميل لاختيار القلب، أميل لمكياله وإن وضعت قليلًا من العقل، والقلب ليس بالضعف المصوّر، لطالما كان دليلي في عتمتي، حينما أصر عقلي لاختيار بناء على النور الغائب عني حينها، دليلي الذي اختاره وأُغمض عيني، يقويّني، يهذبني، ويمسح عليّ، حينما كان عقلي لوّامًا جلّادًا، لا أود القسوة على العقل واختياراته، فالتفكر والتأمل ينبع من خلاله، لكنّ الكثير من عاطفة المرء وقلبه بقليل من رُشد عقله يصوغ له حياة يُحبها ويرضاها ويأمن بها، وكما قيل :” إن أنت ركنت إلى العقل، ستكبر فظ الحواس”.

تمت أمام النافذة،
يوم الأحد..

الرابع عشر من فبراير|٢٠٢١م
الثاني من رجب| ١٤٤٢هـ

٢:٠٦ ص

2 تعليقات

  1. الله يا رهف!🧡
    العنوان سرقني، و أحب أن أضيف بأن القلوب لها بصيرة، إن كان للعقل بصر فهو أحد بكثير من سعة القلب و نوره، الله ينير صدورنا و يملأها حبًا و يقينًا و تسليمًا إنه لا يُخلف الميعاد: (سيجعل لهم الرحمن وُدًا)👌

    Liked by 1 person

اكتب تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s