حالة مطريّة 🌧

السابع والعشرون من فبراير| رهف اليوم، رهف الأمس.

هل السماء تتخفف من الثقل حينما تُمطر؟ يبدو تخففها أكثر شاعرية من أي تخفف رأيته من قبل، أكثر حب، ودهشة، و رقة، ومشاعر متمازجة، ينهمر المطر كوقع حوافر جواد في مسابقة الجمال، تبكي السماء، تتخفف ربما، وتهذي بمائها العذب فوق أسطح المنازل، فوق الأراضي الجرداء، على صدور المحزونين، وأيادي العشاق، ودعوات المكلومين… فيغدو تخففًا من كل شيء.

التخفف حالة مطرية، شعوريّة، نوع من رفاهية الروح، وأظنه الجزء الجميل في مرحلة النضج الشائكة، أو التي أراها شائكة آحيان كثيرة.

ماذا أقصد بالتخفف؟

بصدق عجلة الأيام تمضي وكأن شبح يطاردها دون هوادة، ونمضي معها في دولابها، فتلتصق بنا شوائب كُثر، أشياء لا لحملها معنى، وإنما تُثقلنا روحيًا، وقتها يصير التخفف منها مطلب لا شيء كمالي، ما أقصده هنا، هو التخفف من ثقل الشعور والمشاعر والأفكار، ليست هي الفضفضة وحسب، وإنما التخفف سلة كُبرى لرميّ أشياء أكثر من كونها لحظية، وأكثر تعقيدًا.

على ذكر الفضفضة تذكرت أختي وطريقة تخففها الظريفة، بشرح كل شيء لي، أصغر التفاصيل للمواقف -تمثّل حتى الالتفاته-، تتأكد من فهمي للمواقف/المشاعر التي تشرحها برفع حاجبيها والإشارة لي، فأهز رأسي ذا الحواجب المرفوعة آيضًا، أظل صامتة حتى تنتهي، أقاطعها مواسيه احيانًا إن بكت، أو أسرعت في الكلام فلا يمكنني اللحاق بها، وحينما تنتهي أُعيد شرح حالتها لها بكلمات تصف شعورها بدقة، فتستخرج هي الحل بدورها دون تقديمه لها، وتطلبني أن أنسى ما قالت بعد ما -فرطت السبحة- ، فلا أذكرها بها بعد انتهاء الحديث، وكأن بئرًا ابتلعت ما قالت.

في الآونة الأخيرة وقفت أمام نفسي أثناء موجة غضب حادة تعترك وتطحن رحاها داخلي، “رهف هذه ليست أنتِ، هذا الغضب لا يشبهك.. وعليه سبيل لك، تدبريّه”، أعترف أني ارتعبت مني، كم من الأشياء الشائبة تلتصق بروح الإنسان دون أن يدري؟ ولحظة اكتشافه تتملكه فكرة -فات الآوان وهذه طبيعتي- .

أخاف أن أكون يومًا شخص لا أعرفه، أن تُنسيني الأيام من أنا، ولو كان تغير ضئيلًا -تغير للاسوء-، من صفة جديدة، من شعور، من كسل زائد واتكال وفراغ، وغيرها مما يضايقني مثل علاقتي بشخص ما، أو طريقة تعاملني من شخص ما، فأعترف أن اعتياد تعامل ما يأخذ شكل إزامي ومفروض، فيصبح في وقت من الأوقات شيء ثقيل يطاردني.

التخفف من ثقل كُل هذه يحدث بين عشية وضحاها؟ أكيد لا، يحتاج صبر + مكان للتفريغ (الكتابة) + عادات جديدة (قتل الفراغ) + إيمان وثقة وصدق.

إذن أسلحتي الخاصة في رحلة التخفف.. صبرًا، وقلبًا جسور، و روحًا ترى الجمال في اليسير من الأشياء، وبغض النظر عن فكرة التخفف السائدة تجاه الأشياء الملموسة أو ما يُسمى بـ Minimalism، تلك الفكرة التي لا أقبلها كنمط حياة نظرًا لجذوري العربيّة في حُب الاحتفاظ بالأشياء، خصوصًا تلك التي تختزل ذكرى عظيمة لي أو لمن أُحب، حتى هاتفي لم يسلم من الموروث العظيم قاربت العشرين ألف صورة!

أذكر أنه من طقوسنا العائلية قديمًا، قبل عيد الفطر والأضحى، نجتمع نحن الأحفاد، والخالات مع جدتي لترتيب المنزل وتنفيظه استقبالًا للعيد، فذاك يطوي السُجاد ويُشرّعه، وآخرون يمسحون الجُدران، أما فقرتي المفضلة كانت ترتيب خزانة جدتي البيضاء الموسوعة، الحافلة بالذكريات العتيقة، بفساتين خالاتي المنفوشة القصيرة، بصور العائلة في كُل مكان، بصوري أنا شخصيًا حيث أني أجد صورًا جديدة في كُل مرة لكثرتها، بحُب أمي للأشرطة الصوتية، بقمصان أخوالي الرياضية ودفاترهم المدرسية، أُسميه دُولاب العجائب!

لا تسمح جدتي برمي أي شيء وإنما تعيد ترتيب الأشياء وتزيل عنها الغبار، يستحيل أن يُرمى شيء عبثيًا هكذا، إلا بطلب وإلحاح شديد من بناتها لتوفير مساحة إضافية في الخزانة…

وآيضًا كصفة متوارثة كذلك هي أُمي، تحتفظ بكُل شيء في خزانة بيضاء أخرى، كُل شيء أعني بذلك كُل شيء حرفيًا، أول لباس نرتديه في الحياة لي ولأخوتي، أول لباس للعيد، ومهاد كُل فرد منا، ملابس الروضة والمدرسة، كُتبنا، بعض ألعابنا -أمتلك للآن دُميتي حينما كنت بعُمر سبعة سنين- ، تاج زفاف أُمي وطرحتها، كُل شيء نظيف وجديد ومرتب، لا زالنا نعيد ترتيبها قبل رحلتيّ الشتاء والصيف، تمنحي تلك الخزانة دهشة عارمة، تُطبع على عينيّ، كطفلة رأت بلاد عجائب أليس!

بدوري انتقلت لي هذه الصفة، أُحب الاحتفاظ بكل شيء له معنى وذكرى من ماديّات ورموز وصور ورسائل، لكُلٍ تصنيفه الخاص في القلب ومكانه، والتخفف منها أمر غير محبّذ عندي آبدًا، لا أستطيع التفريط بدهشة ابنتي المستقبلية لذكرى والدتها.. أفتديها.

إذن زالت شُبهت التخفيف من الأشياء، ماذا عن الأشخاص؟

أفر بإصبعي بقوة لأتجاوز تغريدة مفادها تجميل قوة التخلي، والإكتفاء بالنفس، وحُب التلويح بوداع لأي علاقة اهتزت في لحظة ما !

دائمًا عُمق أيامي يتساوى بعُمق ذكراها لديّ، أتخيل الحياة كشجرة فروعها وأغصانها وأوراقها هي ذكرانا مع الأيام، أميز الأيام بها.. كان تكدسها يزيد الجمال جمال، لا أُنكر أنه في كُل مرحلة عُمرية تُصاب شجرة حياتنا بخريف عابر، تتمرد رياحه لتتساقط الكثير من الذكرى والرفاق، لكن التجدد كان جزئًا جميلًا وفصلًا حميميًا، لنفصل بين من يبقى في شتائنا وشدتنا، ومن يكن ذا ذكرى لطيفة ونسمة عابرة أحيتنا حينًا من الدهر وتركتنا مع حفظ الود لها.. ثم كيف يمكن التخفف من الأشياء والأشخاص وذكراهم بالنسبة لي “تحويشة عُمري” ولفيف أغصان شجرة حياتي؟

من ماذا عليّ التخفف؟

أذكر في أول مرة صارحت نفسي بكتابة مستفيضة، شعرت بخفة، وأن روحي طير، وأن السماء لي، كان فهم ذاتي طريقًا سريعًا تجاه تخففي وأُحب فعلًا هذا الشعور الهادئ الذي ينساب في هذه اللحظات والليل مدلج، ويرمي وشاحه فوق أسطح البيوت بطريقة شاعرية للغاية محرّضة للقراءة، للسهر مع الكتب، والأدب والشعر، فأنا “لا أذكر الأشعار إلا تداويا” وعندي “في القلب لكل ثقب قصيدة!”، محرّض آيضًا للكتابة، لكتابة الرسائل، لقرائتها آيضًا.. لديّ مجموعة صغيرة من الأصدقاء الغرباء للمراسلة البريدية الإلكترونية، وكانت سبيلًا لي ولهم للتخفف آحيانًا كثيرة. (الكُتب والشعر والكتابة حياة أُخرى.. خصوصًا بالليل)

-للمراسلة بالبريد الإلكتروني: rahafletter@gmail.com

أزيد التخفف من التوقعات، كُل آمالي تجاه أي أحد دون استثناء الزُهد فيها مطلب، لأني علمت لا شيء يضايق صفوي كخيبة الأمل، أن تخفت لمعة عينيّ وتتوه الابتسامة من شفتيّ، وهذه غلطتي وحدي لا أنكر ذلك.. لا أحد يُملي عليّ التوقعات، وحدي من شيّدتها صرحًا عاليًا، ووحدي من ستقع عليه، والتخفف من التوقعات شيء يشبه مد سُجاد من الاسفنج يقي السقوط، المهم أن يكون سميكًا ليحتظنني بحنو، كُلما هويت من حافة توقعي بأحد أُحبه، أو سقطت الحافة عليّ lol. (لا توقعات عالية)

التخفف من الكلام، لطالما كُنت محشوة به، وذات فم صامت، إلا من أحاديث تنقذ المواقف، تُعيشني اجتماعيًا، لكن خلجات النفس وآلامها، أمانيها وكلماتها، تبقى مدفونة، لا يخرج منها شيء، تظهر شذرات منها، حينما انكفئ على نفسي ليلًا فيفضحني أثر دمعي على وسادتي، تظهر في علو وانخفاض صدري بعد تنهيدة عميقة، تظهر في الالتفاته بحدة تجاه صوت قض مضجع تفكيري، تظهر في سؤالي عن حال أحد أُحبه وكأني أجره للكلام لا أنا، تظهر في شربي للماء بسرعة، وكأني أدفع الكلام الخارج ليدخل بقوة، تظهر في قلة شهيتي، اقتباساتي، وشعري الفوضوي… وكأن كل هذا جزء من كلمات أنفثها فتطاير من فمي على هيئة سلوك خفيّ لأبعد الشُبهة.

والكلام بحد ذاته ليس احتياج، وآيضًا ليس له سبيلًا للتخفف بالنسبة لي، لكن آحيانًا يكون كاتمًا، مزدحمًا في الصدر وثقيلًا، وأود لو انتزعه انتزاعًا. (تسجيل صوتي للتخلص من الكلمات العالقة في الصدر)

من الاشياء المناطة إلي دائمًا المسؤوليات العديدة، ربما هي ضريبة كوني البنت الكُبرى بالعائلة، أو لأني تصدرت لها خطئًا مني وسهوًا، تتشكل عقدة النضج وتقدم العُمر عندي على هيئة أزمة، أخاف على روح الطفلة الصغيرة بداخلي بالضياع، بالتشتت، بالاحتراق، بالنسيان، هذا غير أني أهرب إليها كلما احتشد أمامي جيش مسؤوليات، عالم سري مختبئ ولطيف داخلي، أعترف بأني مرات عديدة أتوه في الطريق إليه ولا أجده، فألجأ للعديد من شذرات الطفولة.. فمثلًا قبل مدة قررت تحقيق أحلام طفولتي، حققت إحداها قبل فترة وكان الشعور مُذهلًا، كنت أتمنى أن أكتب في صحيفة وفعلت!

تمنيت أن اتأمل القمر بتلسكوب، فصنعت جار أجمع فيه نقودي بطريقة الطفولة القديمة.. وسأحصل عليه يومًا ما، هذا غير كُل الأشياء المحببة لي في طفولتي وأفعلها بحُب، مثل متابعة فيلم الكرتون المفضل لدي، الوجبة المحببة لي بطفولتي، وقراءة بعض الكتب التي تتسم بروح طفولية مُبهجة، والكثير من الأشياء والأحلام المخلوطة بسحر دهشة الطفولة، ذاك السحر الخارق الذي يدفعني للغناء: “مهما كانت أيدينا صغيرة، أحلامنا تداعب النجوم!”. (روح الطفولة تزيل تراكمات عبء الحياة).

اعترف أني سريعة الغضب، للحد الذي لا يتوقعه أحد، دائمًا ما اُفاجئ أحدهم حينما يراني غاضبة، أسمع كلمات تشبه: “كائن غاضب يخرج من رقتك يارهف”، وامممم أظن هذا يعود لمعنى اسمي “رهف” الحدة والرقة في آن واحد، فقيل: قلبٌ رهيف، وسيف رهيف! لا أبرر لنفسي مُطلقًا، فالغضب شيء مُريع، نارٌ تحترق في الصدر، خصوصًا إن كنت كتومًا وغاضبًا، تشتعل هذه النار لأيام لأسابيع ربما، ثم تأخذ منحنيات مختلفة مثل بكاء مفاجئ، تجاعيد بين العنين ليوم كامل، ردود للرسائل قصيرة ومقتضبة، وأشياء لا تشبهني، وفي ذلك حاولت إصلاح ما يُمكن إصلاحه، مثلًا أخذت دروس تمارين التنفس (لا يُمكن تصدق هذا صحيح؟ بلا فعلت)، المشي والركض، استماع البودكاست إشارة باللامبالاة بأحاديث الآنسات رهف الغاضبة، ورهف الحساسة، ورهف ملكة تأنيب الضمير.. المتقوقعات داخل رأسي!

لكن كل تلك الحلول كانت شيئًا لحظيًا لا يتعدى حدود يوم، فاستيقظ في اليوم الذي يليه أحملق في السقف، أتحسس صدري، وإذ ببركان الغضب لا زال مكانه، يخمد يوم، ويثور يومًا آخر…. وأفضل ما يمكن فعله هو مواجهته، ثم التغاضي والتغافل عن مصدر الغضب، ترك الجدال الذي يشعله، وعن الجدال لا أدري ممن استقيت هذه الفكرة حول أن الجدال يشيخ بالمرء، لكن دائمًا ما أتذكر هذا وينفعني جدًا، فأنا لا أود أن أشيخ أكثر، ثم سمعت أن وجود البراكين الخامدة في مكان ما، يعني أنها أرض خضراء، والمطر زائرها الحبيب، لذا لا بأس بوجود بركان طالما كان خامدًا مسالمًا ! ( في كُل مرة يثور بركان الغضب، عليّ أن أُفعّل الضوء الأحمر: رهف الغضب والجدال يشيخ بالمرء، يسرق ضعف ما يسرقه الوقت من لحظات. )

التخفف من عُقدة تأنيب الضمير، تجاه نفسي وصحتي وأشياء اخرى.. وفي هذا كتبت الكثير من الأشياء، اختصرها.. بأن استبق عُقدة الذنب، افعل ما علي فعله، وما يُحملنني ساعديّ على فعله، والباقي لا حول لي، إن أحطت علمي ببذل جُهدي، فلما الشعور بالذنب؟ وأدرك أن الكلام أسهل من الفعل، لكن الكلام الصادق يستقر في العقل، حتى يترجمه لفعل، ثم يطمئن القلب فلا يسمع الضمير تأنيبًا ولا شكوى. ( كتبت مرة: “الذنب عاطفة غير عقلانية” )

كنت أمس أُفكر في عدد الأشياء التي وجدت لتُيسر الحياة لنا، لتجعلها أفضل، أكثر دفء، أكثر قُرب مما وممن نُحب.. وإذ بها صارت الحياة بأكملها تتمحور حولها، وأزعجني هذا بصدق، تملكتني غرابة موحشة، متى حدث هذا؟

ولكن الإفاقة من سُبات الغفلة هو المهم، وتأمل كل شيء من قبيلة كان مجدافًا لقاربي، وصرت اتأمله أمامي بدل التجديف به، لإعادة لوظيفته الملائمة… ويقينًا ترتيب تشذّر الأشياء الهاربة من وظيفتها، تخففًا لا يُشبهه شعوريًا إلا التحليق بعصا الساحرات!

والكثير من الأشياء السريّة، التي عليّ فعلًا العمل للتخفف منها.. دائمًا أقول: هل تستحق العناء؟ وقد تبدو هذه الفكرة بسيطة حتى تحيا بها، لكن أنا تتملكني طُمأنينة أن رهف اليوم، أفضل من رهف الأمس… وخطوة في سبيل الإصلاح تعني حياة كاملة بالنسبة إلي.

كنت أُريد الإكمال في حديث الإصلاح وعاداتي الجديدة وعلاقتها بدخول شهر رمضان ووو، حتى ألتفت على عدد الأسطر المهول المتلاطم فوقي، لذا إن وصلت لهذا السطر تحديدًا فأنت صديق حميم جدًا، ممتنة لذلك كثيرًا.

تمت يوم السبت،
-في هامش الصورة: ألتقطتها من النافذة بعد يوم ممطر وبديع، بعثتها توثيقًا لمنظر السماء في محادثتي مع رفيقتي، السادس من فبراير.. الرابعة عصرًا.-

السابع والعشرون من فبراير|٢٠٢١ م
الخامس عشر من رجب| ١٤٤٢هـ

١١:٠٢ م

2 تعليقات

  1. مَدهشة يا رهف، و اعلمي أن قلبي قد امتن أكثر لمشاركة عذب كلماتك ما جعل شعور الدهشة بداخلي ينير، و كوني هنا دائمًا كأي عربية عريقة تنز من دعايات التخلي🌻

    Liked by 1 person

اكتب تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s