“أنت لست سوى ما تُفكر به”

الرابع عشر من نيسان| تجربة جديدة.

مرحبًا، هذه أول تدوينة في رمضان، رمضان مُبارك وسعيد وذو أيام مبهجة لكم.

كنت قد قررت نشر تدوينة يوم ميلادي قبل خمسة أيام من الآن، لكن آخر بتلة من بتلات الورد كانت “لا تنشريها” لذا لم أفعل! lol.

..

واليوم تدوينتي مختلفة، لتجربة جديدة قررت العمل بها متى قررت؟ بعد زوبعة من الهيجان الذي ثار في عقل إليزابيث جيلبرت، مؤلفة الكتاب الشهير ” طعام صلاة حُب “، محاولة إيجاد طريقة للتأمل ونفض كُل الأفكار الثائرة، بيقين قالت: “في النهاية، أنت لست سوى ما تُفكر به، وأحاسيسك عبد لأفكارك، وأنت عبد لعواطفك”.

هل كومة الأفكار اليومية الهائجة بدواخلنا رغم مظهرنا الهادئ.. هي نحن؟

دائمًا ما أظن أني مزاجية الحالة، اعتلي موجة سعادتي وأسقط منها بسرعة فائقة، كأني على لوح يُديره طفل مدلل، مئات من الأفكار تثور في عقلي، تأسف لكون لساني صامت لا يبوح.

ظننت لفترة أن التفكير هو العُقدة، هو موضع الجرح، لهذا كانت عبارتي الهامسة لرهف في الداخل هي: “رهف! توقفي عن التفكير”، ولسبب أجهله كانت رهف في الداخل لا تنصاع لأوامري.

أدركت لاحقًا بأني أتناسى أني إنسان، والتفكير هو نقطته المميزة الفارقة عن أي مخلوق حي، فأقسو على ذاتي المتمردة، على جنون أفكاري المتمايزة عن بعضها في الثانية، عن استطرادي الدائم في كُل فكرة، وآحيانًا استخف بعقلي حينما ألتفت إلي لاستذكر “أش اللي وصلني لهذي الفكرة؟” محاولة تتبع سير الأفكار وإيجاد حلقة الوصل بينها !

إذن “أنت لست سوى ما تُفكر به”، لذا هُنا تتبع لبعض الأفكار التي تملكتني لجزء من اليوم، لتجربة معرفة صحة كلام إليزابيث.

١١ نيسان| شعور اليوم: رضا

شهقت بتعجب وفرح معلمتي الآنسة “جودي”، حينما أخبرتها بانكليزيتي المُكسرة عن ثقافتنا باستمرارية العيش مع الوالدين حتى بعد سن الثامنة عشرة إلى أن نستقر بعد الزواج في بيت منفصل ويشمل هذا الإناث والذكور على حد سواء!

-كان إخباري لها بهذه المعلومة، ناجمًا عن سؤالها إن كنت أعيش بمفردي أم مع والديّ؛ خصوصًا لكوني مُجتازة العمر القانوني.. بالنسبة إليهم-

كانت سعيدة جدًا لكون ثقافتنا تحتضن هذه الفكرة، ثم تخبرني بحجم المضايقات من اسئلة اصدقائها وأقاربها لكونها امرأة عازبة في العقد الثالث من عُمرها وتعيش مع والديها إلى الآن، “i love my parents “ كان هذا تعليلها البسيط لهم، محاربة بذلك كُل تهكماتهم وسخريتهم من حين إلى آخر.

لا أعرف لكن خطر بذهني مقولة دارجة تقول: “أنت تعيش حُلم شخص آخر”، مهما كنت تظن أنك تحيا بملل، أو أن يومك عاديًا، قاسيًا، حزينًا ربما.. لكن أحد ما يراه حُلمًا !

وبالمقابل أحلامنا يعيشها آخرون، في مكان ما ولحظة ما، يرى أنه يعيش شيء مبتذلًا وبسيطًا، لكنه حُلم أحدنا.

كانت هذه الفكرة متمركزة في عقلي لدقائق، ومحاولة يائسة لتقدير أي شيء أمامي أو بي، أعتقد بأنه حُلم لشخص آخر، لما قُلت محاولة يائسة؟ لأنه شيء جنوني مستحيل، غارقون بالنعم، لا شيء يُحصيها، غارقون بأحلام مملوكة لغيرنا.

الحمدلله.

١٢ نيسان| شعور اليوم: تعب، غضب.

فكرة اليوم الغارقة فييّ، كانت حنق عظيم وشديد، على تصرف شخص ما، افتعل فعلًا غير آبه بتبعات فعله، إن كانت تؤثر على من حوله أم لا.

لا أعرف لما لا نفكر مرتين، إن كان هذا القرار رغم فائدته، يسلب من أي شخص آخر وقت أكثر، ويضيف لأتعابه تعبًا مضاعفًا؟

إلى رهف المستقبل: إياك أن تتخذي قرار مهما صغر يؤثر على وقت شخص آخر، يُرهقه، يفعله مُجبرًا كارهًا وعلى مضض، يعيق خطط يومه أو حتى جزء من اليوم!

١٣ نيسان| شعور اليوم: تردد.

هذا اليوم يوم التخبطات والمليار فكرة وفكرة، تطعيم لقاح كورونا، أول يوم رمضان، إعداد فطور رمضان وحيدة بالمطبخ، ومحادثة صديقتي ذات العمق بالأمس.. هجمة أفكار لا لصدها خلاص.

“كُلها مشاعر.. وكُلها ضروري تعاش!”

اختتمت صديقتي العزيزة إحدى رسائل الأمس بهذه العبارة، ولدت بداخلي تساؤل: تجاهلنا لأي شعور هل يُميته؟

الجواب.. لا يا رهف الشعور المُتجاهل، تختفي أحد أشكاله، لكن يتولد له ألف شكل آخر على هيئة صُداع ربما، أو ضيق مفاجئ، يوم قاتم، و رغبة مستميته لقضاء اليوم بأكمله على السرير، حاجبان مقتضبان، أو ربما جميعها.

“على ما يبدو أن الهروب، تحديدًا من مواجهة شيء ما بداخلك، يجعلك تندفع له بقوة، التناسي يورّث الرغبة”.

شعور اليوم خجول، يطرق باب المواجهة بخفة، كجسور متردد.

١٤ نيسان، ٢ رمضان| شعور اليوم: تذكار يؤنس القلب.

ذكرى أصدقاء الروح هي ذكرايّ، في مثل هذا اليوم “الهجري” قبل عامين تمامًا، كان حفل تخرج صديقتي من الجامعة!

كان الحفل مقتصر على الخريّجات ولكل خريّجة بطاقة إضافية لدعوة من شاءت، ولأنه غالبًا هذه البطاقة للأمهات؛ كانت فرصة حضوري ضئيلة جدًا، ولكنها ظلّت رغبة مُلحة أن أشهد هذه اللحظة التاريخية الحبيبة، همست راجية منذ معرفتي لموعد الحفل بـ “ياربّ ياربّ سخرّ لي حضور الحفل”.

اقترب مغرب ذاك اليوم، قبل ساعات من الحفل ويديّ خاوية من أي بطاقة، لكني عاقدة العزم على الحضور، حتى لو اضطر بي الأمر للانتظار خارج مكان الحفل، المهم هو رؤية ذاك الوجه الحنون الذي أُحب في يوم ذا ذكرى خالدة!

حتى جاءتني رسالة من إحدى خريّجات الدُفعة، لم أكن أعرفها عن قُرب، سوى أني اسديت لها خدمة عابرة قبل عام من الآن!.. تقول: “رهف أمي تعذر عليها الحضور، لقيتِ بطاقة ولا؟”، لا زلت أتذكر شعور سريان الفرحة بعروقي، وكأني أفطرت!

ثم حين جاءت ساعة المسير، مسير الخريّجات، وقفتُ من على كرسييّ عند حشد الأمهات المتأثرات برؤية بناتهن، المنظر ساحر.. بين أُمهات يلتقطن الصور، ويهتفن بفخر حينما تُعرض اسماء بناتهن، وبين خريّجات يلوّحهن لأمهاتهن بسرور.

و في تلك اللحظات الدافئة أُغالب دمعتني وغلبتني، شعور الفخر ممزوج بحُب اللحظة والذكرى والفرحة، أبحث عنها بين الجمع لم أجدها، أتراها مرّت بإحدى اللحظات التي كانت عينيّ حينها مغرورقة بالدموع؟

واليوم وفي ذكرى هذا اليوم الحبيب، بيقين أكتب أن ما يُميّز الأيام ذكراها، قلت مرّة: “الذكرى تعمّق صلتنا بالأشياء والأشخاص والأماكن، فكُل الأشخاص غُرباء إن لم تجمعنا بهم حميمية الذكرى، وكُل الأشياء جمادات إن لم تُحييها فينا الذكرى، وكُل الأماكن مُتشابهة إن لم تُميّزها الذكرى“.

أضيف كُل الأيام عاديّة ما لم تحتضنها عُمق الذكرى!

كُل هذه الأفكار وأخرى لم أذكرها هي جزء من أيامي، لكنني فوجئت بصبغتها عليّ وعلى يومي وإنتاجيتي، أن تنتقي فكرة واحدة لتصطبغ بها.. أمر صعب، اختيار اللون ليس من صلاحياتك، لكن الرسمة رسمتك بالنهاية فاحسان الرسم كُتب عليك.

تحلل إليزابيث جيلبرت نقمة الغرق في التفكير، تحليلًا أراه يفُك مصطلح ترابط كلمتيّ “نقمة” و “تفكير”، ليربط الثانية بمصطلح “وعي”.. تقول: ” تلك ليست بالضرورة مشكلة بحد ذاتها، بل التأثر العاطفي الذي يرافق عملية التفكير”.

تشبثي بالفكرة وتحليلها ثم ملامستها لمشاعري، لأطراف الإحساس لدي، فتُؤثر بي، لتصبح طابع شعوري، أتنقل من شعور لآخر حسب الفكرة، والأثر دائمًا متدحرج، فسعيدة مرة، غاضبة وثائرة أخرى، وآحيانًا هادئة، مرات تودع بي الفكرة خوفًا من المستقبل والمجهول، أو تُثير بي شكًا.. وهكذا.

“المشكلة الأخرى لهذا التأرجح عبر كروم الفكر، هي أنك لست آبدًا حيث أنت. أنت أما تنبش الماضي أو تبحث بفضول في المستقبل، ونادرًا ما ترتاح في اللحظة الحاضرة، ولكن البقاء في اللحظة الحاضرة، يحتاج إلى التركيز على شيء واحد، وتعلم مختلف تقنيات التأمل والتركيز بطرق مختلفة”.

لا داعي للقول بأن التفكير السلبي هذا يهب بُقع الضوء على زوايا سوداء لشيء صار بالماضي، أو يعزف وتر أنغام أغنية ذات طابع مخيف على حدث تتوجسه في المستقبل، والحاضر؟ ما الحاضر إلا مشوش، مسروق، ذابل. أنت لست هُنا على أية حال.

لامست هذا التشويش بصدق، يصاحبه قلق عارم، تحُس بأنك بين فكيه، حسنًا إذن تقول إليزابيث اللحظة الحاضرة تحتاج إلى تأمل!

كنت أظن بأني بارعة في التأمل حتى بحثت بمختلف المواقع، التأمل بحر لا شطآن له!
بعيد عن أحكامه الدينية، ومعتقدات بعض مرتاديه، إلا أنه شيء يستحق الاستمرارية وإضافته لجزء من أيامي.

على حسب بحثي الصغير عن التأمل، استعذبت أربع أنواع مختلفة من التأمل، إذ وجدت بأنها ممارسات محببة لقلبي، لكن لم أكن أعرف طريقة تحويرها لطقس تأمليّ، الأجواء الرمضانية تستدعي بث جهد مضاعف لخلق منها طقس تأملي يومي، وهي: التنفس بعمق، ويعني التركيز على التنفس بالاستماع له. الثاني المشي والتأمل والتركيز هنا يكمن في الخطوات والتأمل. الثالث الدعاء! أي نعم الدعاء، التركيز في كلمات بعض الأدعية والانغماس بمعانيها. الرابع القراءة، طالما لاحظت بأني حينما اقرأ اتأمل السطور بعيدًا عن المعاني واقرأ دون فهم كنت انزعج من هذا رغم شعوره المريح، لكنيّ عرفت بأنه نوع تأمل وتركيز مُدهش.

لهذا وحسب أضفت لأهدافي الرمضانية، تجربة التأمل والتركيز العميق، لنفض تشوش التفكير وتأثيره الشعوريّ على أيامي.
أظن بأنه يستحق بأن يضاف لقائمة تجارب العام، بداخلي جزء متقد حماسة لتجربته كطقس يومي!

طبتم من التأثير العاطفي للتفكير سالمين يا أصدقاء!

تمت يوم الأربعاء :
-في هامش الصورة: سماء آخر نهار من شعبان|٤٢. –

الرابع عشر من نيسان| ٢٠٢١م
الثاني من رمضان| ١٤٤٢هـ

٥:٢٤ م
بعد الانتهاء من إعداد الفطور، وانتظار استواء صينية المسقعة في الفرن!

4 تعليقات

  1. أول تدوينة أقرأها لك رهف 🤍🤍!!
    طقوس التفكير، التأمل، استرجاع الذكرى… تذكرني بنفسي. طاب يومك رهف. وشُكرا على التدوينة، إذ قرأتها وأنا في المطبخ أنتظر صينية المُسخّن🌼.

    Liked by 1 person

  2. وللمرة الثانية اجد صدىً عظيما في نفسي لتدوينتك هذه فانا لا اعرفك ولكني اجدك تكتبين عني وعن مشاعري احيانا اشك انه انا من كتبت هذه التدوينة …ولكن ياصديقتي التي لا اعرفها لك كل التقدير والاحترام …
    اتمنى لك صياما مقبولا ورمضانا عامراً بالانجاز الديني والثقافي …
    ولا زلتُ افكر في هذا السر العجيب والارتباط بين مقالاتك وبين مافي نفسي من مشاعر واحاسيس لم ادونها لكني وجدتها مدونة عندك !!!!
    دمتِ كاتبة صديقة في زمن التباعد والتغيير 💔

    Liked by 1 person

    1. فاطمة يا صديقتي!😭
      قرأت تعليقك بعد معركة حامية بالمطبخ وحيدة!
      كان تعليقك باردًا عذبًا لطيفًا حنونًا♥️
      لا أعرف كيف أقول لك مدى بهجتي به، وسعادتي..
      وأتمنى لك رمضانًا مطمئنًا، يضم قلبك بحُب.
      وأنتِ صديقتي وإن لم أعرفك، مشاركة الشعور تكفيني لنكون أصدقاء🥺🤍
      دُمتِ صديقة في زمن التباعد والتغيير.

      إعجاب

اكتب تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s