إلى إليزابيث جيلبرت.

نيســان| مجهود شخصي.

هُنا توثيق رسالة إلى إليزابيث جيلبرت، صاحبة كتاب “طعام صلاة حُب”، رسالة كُتبت بصدق نقي.

ملاحظة: قد يكون هناك إشكال على من لم يقرأ الكتاب سلفًا.

•••

مرحبًا صديقتي العزيزة ليز!

تخيلت أنها رسالة بريدية كتلك التي بعثتِ بها، حين كُنتِ في بالي إلى اصدقاءك من جميع اقطاب العالم، اقتحم تلك القائمة وادّعي بأني منهم!

لما الادعاء؟ حسنًا لأخبرك أن شهر أبريل/رمضان المنصرم كان استثنائيًا في كُل شيء، أخبرت في حديث عابر مع صديقتي، أنه كان شهر الركض، سريعًا قاطعًا لكل شيء.

كان رمضان هذا العام غريبًا آيضًا، أمضيت وقتي في المطبخ وحيدة بعض الشيء، أخرجت بها أطباق مختلفة، لكن ما أفخر به حقًا.. طبق اللازانيا الألذ، نعم تذكرت أنا آيضًا إيطاليا وبيتزا مطعم بيتزيريا دا ميكيلي المكان الحلم!

-بيني وبين البيتزا علاقة عاطفية شديدة العمق، حتى أني كتبت عنها تدوينة كاملة لم أنشرها، لما؟ من يود أن يقرأ تدوينة كااملة عن البيتزا.. إلايّ؟-

في أول الشهر قررت المضي بقراءة كتابك “طعام صلاة حب”، كهدية خاصة لشهر ميلادي، لذا ادعائي بكونك صديقتي صائبًا.. وآيضًا دعيني أخبرك أولًا لأتخلص من عقدة الذنب :آسفة لقد قرأته إلكترونيًا !

حينما أنتصفته قررت المماطلة حتى لا تنتهي صفحاته بسرعة، تُشبهني تلك الصفحات والكلمات، وحينما أنهيته شعرت بحزن عميق.

كانت نهاية الكتاب، بداية جديدة ليّ، شعرت وكأن ليز الكاتبة، تشبه إحدى الرهفات القابعة في دهليز روحي هنا في الداخل.

“فبقيت أقنع نفسي لوقت طويل أني انحرفت قليلًا عن الطريق، وأنني سأجد طريقي مجددًا في أي لحظة”.

قلت لنفسي نهاية العام الماضي مثل هذا الكلام، مثله تمامًا.. ظللت الطريق شهورًا تجاه نفسي، تُهت بين أشياء هي مُجرد لطائف مؤنسات أو جارحات في الطريق، وظننتها يومًا هي الطريق كُله.. لن تصدقي خيبة أملي الكُبرى حينما عرفت هذا!

“هل ثمة ما يمكنك تغييره في هذا المشهد، رهف؟”

حاولت، تُهت، بكيت، رحلة الذات إلى الذات عميقة جدًا طويلة، غائرة، شائكة، فيّاضة، مليئة بكُل شيء، بالجراحات القديمة، بأحداث الطفولة المتجذرّة، بأمواج هابطة وصاعدة في بحر هذا العُمر المتلاطم… لكن هُناك ما يمكنني تغييره يا ليز، شيء ما يجب أن يحدثه، خُذلت؟ حسنًا هذا كان في الماضي من أقرب اصدقائي، تألمت؟ مرضتِ؟ جُرحتِ؟ تجرعّتِ ملح تيار الحياة الجارف عكس اتجاهك؟ كله كله في الماضي!

الآن واليوم هو ما يمكنك تغييره رهف.

عجلة كُل هذه المآسي دائرة من جديد، لكن عليّ التدرّع بأفضل ما يمكن؛ لتخفيف وقعتها.

“وترعبني فكرة ألا أتمكن من لملمة شتات نفسي مُجددًا”

كان هذا هاجسي آيضًا، نظرتي للوقوف وأنا ممدة للأرض، نظرة وجل شديد، هل يُمكن الوقوف بقدمين عاريتين خائفتين ضعيفتين مجددًا؟

أتذكر معكِ: “ينبغي عليك ألا تعطي نفسك فرصة للانهيار، لأنك حين تفعلين ذلك يتحول الأمر إلى نزعة لديك مرارًا وتكرارًا، عليك أن تعودي نفسك على أن تبقي قوية عوضًا عن ذلك”.

تعجبني رفاهية الانهيار، الوقوف ساكنًا دون حراك، يتمدد هذا الشعور في الداخل ككسول مضى كل يومه واقفًا، وحان وقت استلقائه، لكن لا.. احيانًا ذاك الانهيار غير متاح، ونستدين بالمتاح من السلوكات التي لا تروقني احيانًا، كبؤس يشمل يومي كاملًا.

ولكن القوة أين القوة حينها يا ليز؟

في خضم الأشهر السالفة بحثت عن كلمتي، الكلمة التي تُمثلني بكل أشكالها، تمثل حياتي وما أرجوه… لن تُصدقي وجدتها !

وجدت كلمتي ليز، وجدت شغفي آيضًا.. كان غريبًا، مميزًا، مُدهشًا.

لم أُخبر به احدًا، لا أعرف لما أدس شغفي وأضمه بعيدًا عن الأعين، ولكني أُحبه.

برأيي يا ليز، أن تكامل سد فجوات الروح المُتعبة، يكمن في سد احتياجك من الأكل والروحانيات.. مثلما فعلتِ.

كنتُ دينيًا أظن بأني على ما يُرام؟ لكن كان هذا انعكاسًا كاذبًا، المرآة لا تعطي أبعاد الصورة الحقيقية، واحتياجنا لله ضرورة مُستمرة، لا تخبو ولا تنقطع ولا تُكتفى.. بدأت رحلتي الخاصة في معرفة أفضل طريقة تربط عقلي وقلبي وروحي ولساني بالله، تُشعرني بقُربه أكثر، تُضفي على قلبي غلاف من حنيّة، أتردد في قول: “وجدتها” لأني أخشى بعد عُمر أتوه مرة أُخرى… لكنيّ وجدتها !

الدعاء.. أخبرت إحدى الرفيقات همسًا بهذا بداية الشهر، قُلت أريد أن أُصلح طريقتي في الدعاء!

أن يكون خالصًا، مليء بالرجاء، حد أنه يستقر في قلبي وعقلي ثم يترجمه لساني، لم أصل للحد المنشود، لكن.. رأيت من نفسي محاولات شخص سيصل، في كُل دعاء يتملكني فائض شعور مختلف، مزيج رقيق، يربطني بربي أكثر من أي عبادة أُخرى.

و فعليًا لم أكن أدعي.. بل كنت أنا الدعاء. وهذه نقطتي الفارقة.

مثلما قال لك الغورو: ” كن عالمًا بتجربتك الروحية الخاصة بك. أنتِ لست هنا كصحفية، أو سائحة. أنتِ هنا كساعية، استكشفي بالتالي”.

وهذا ما أفعله.

“لن أكون مرسى للأفكار الضارة بعد الآن!”

يا لها من شجاعة، كُل الأفكار الضارة طبيعيًا تمرّ بالإنسان، التشبث بها، يخلق انسانًا مُتشائمًا عبوسًا، ومرورها على شواطئه يكفل له توازنًا مريحًا.

لا أظن بأني كُنت مرسى لفكرة ضارة، تداعيات الأفكار من مشاعر كانت تلحق الضرر بي، ولكني أُعالجها باستمرار متدفق، أصدها ما استطعت، وأدع مرورها طبيعيًا بسيطًا؛ لأني ببساطة الأمر انسان، تلحقني تهويلات العاطفة تجاه أي فكرة، فتصيّرها جنةً أو جحيمًا، المهم أن أعيش مرورها، وأدعها ترحل، ببساطة الأمر وعمقه.

“محور السكينة هو القلب، توقفي بالتالي عن بحث أجوبة في العالم، وعودي إلى ذاك المركز، وستجدين السلام”

القلب، آه من القلب. إن فسدت أيامي اتجهت لإصلاحه، مماهاته عن شعور ضال، أرضيته، أو تركت سبيله ليمضي في شجواه حتى تجف ماؤها، ويُعيد أتزانه.

على ذكر الاتزان، قُلت مرة أن التناقض حالة إيجابية في المرء، كونه يبقى غير متناقض أي أن أعوامه باتت راكدة، والركود موت في تعريف آخر. والاتزان شيء من التناقض برأيي.

أُحب التوازن وأسعى له إلا في حالة واحدة قالتها لك وايان ذات يوم: ” اختلال التوازن احيانًا لأجل الحُب هو جزء من عيش حياة متوازنة”.

“ولكن السعادة لا تأتي هكذا، بل هي نتاج مجهود شخصي. على المرء أن يحارب لأجلها، يكافح لأجلها، يصر عليها، واحيانًا أن يجوب العالم بحثًا عنها”.

تعرفين ليز؟ أطن أن حياتنا هي حرب شخصية للبحث عن السعادة، ركض كامل للسعي خلفها، نجنيها مرةً في منعطف ما، فتغادرنا لمنعطف آخر مجهول، ونستمر في السعي.. المهم في حربنا هذه، نتدرع بالرفقة من عائلة وأصحاب، وبشعور الطمأنينة، والثقة والأمن، فبعدها لن نهتم بلحظية السعادة، نعرف أننا سنلتقي في آُخر، لكن إن فقدنا درعنا، فاكتساح البؤس والحزن أسرع.

دائمًا ما أيقنت أن الرفقة، معنى آخر لرحلة آمنة.

وأنا أُصر على السعادة، أن أجدها عند كُل منعطف، متشبثة بالطمأنينة، لا زلت أهلع حينما أفقدها، ولكن للمحاولات شرف مؤنس، يحبس الدمع، ويغلف الروح بشجاعة لا نظير لها.

أن تحاول، أن تُصر، أن تكافح… إذن ستصل، ستلقى جواب يسرّك، كانت هذه مواساتي، مع كثير من خيال وأمل جامح جدًا.

“السؤال بالنسبة إلي، ما هي خياراتي الآن؟”

إنني في مرحلة الإجابة الآن، مصباحي سؤالي، أنار لي موضع قدمي، فوجدت قائمة خيارات تناسب ما أبحث، نتاج عدد لا يُحصى من جلسات اكتشاف نفسي العزيزة أولًا، فأعطاني تفسيرات عميقة لما يدور في فلكي، من سلوكيات، و روتين، وأنماط، ومشاعر وعاطفة، وعلاقات، وأحداث، وذكريات، ومآسي وجروح، وأحلام وآمال.

كانت البداية منذ أشهر، لكن هذا الشهر كان بصحبتك أكثر تقنينًا، ووضوحًا، ودفء، ولُطف جمّ.

شكرًا يا صديقتي العزيزة، على كلماتك هناك في هذا الكتاب الملهم، ذا الرحلات العميقة الشيقة، فتحت لي آفاق أوسع، في روحي والعالم.

صديقتك المخلصة: رهف.

تمت يوم الثلاثاء في:

الحادي عشر من مايو|٢٠٢١م

التاسع والعشرون من رمضان|١٤٤٢هـ

٦:٣٩ ص

4 تعليقات

اكتب تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s