النهايات

العاشر من أكتوبر| يطيب قلبي.

قبل أكثر من خمسة أعوام اشتركت في قائمة بريدية تضم عشرات الأصدقاء الغرباء، انقطعت الرسائل عن بعضها في 2017، حتى أحيتها إحداهن بهذه الرسالة:

كانت كلماتها القصيرة تثب بي وثبًا عبر الزمن، تشدني تارة لحنين اصدقاء الأمس، وتمسّد على يدي باصدقاء اليوم، تثير بي شوقٌ قديم، وتُحيلني للنظر لعلاقاتي منذ تلك اللحظة لليوم.. ويا للزمن، كم كبرنا، كم نضجنا !

ما تأملته بعد الرسالة أوصلني لـ أن النهايات المُعاشة لأي حدث تُغلف مشاعرها الحدث بأكمله، وهذا ما يخيفني دائمًا، أن ينتهي أمر ما دون أن أدرك أنها النهاية، وإن كانت سيئة يصبح الأمر مروعًا أكثر!

أظن أن النهايات مُحاكمة تنتهي بحكم أبدي، حكم للمشاعر، وللذاكرة، وللتعامل.

فمثلًا في انتهاء علاقة ما، تسيطر مشاعر النهايات فترة طويلة، حتى يتحرر الشخص منها ليتذكر اللحظات السعيدة، والأيام الشاقة التي ولّت بعون الطرف الآخر.

والتحرر من قبضة حكم النهاية ليس أمر هينًا، قد تكون النهاية هي تراكم شهر أو سنة أو أكثر، كسلسلة تحذيرات لإسدال الستارة للأبد.

أدركت بعد تأمل لسير كُل النهايات التي أسدلت الستارة عليها، من مراحل، وعلاقات، و أحداث، وفصول، وأزمنة.. وجدت أني أحرص على الاستدارة بقلب لا يشوبه تأنيب ضمير أُحمّله نفسي، استثناء تلك النهايات التي أسدلها الموت بدلًا عني، وفرّقني قدرًا من الله عمّن أُحب.

بلا شك النهايات موجعة، فانتزاع أمر أخذ الكثير من وقت المرء وحياته وذاكرته، يشبه اقتلاع ظفر اندمج مع اللحم وتمكن منه حتى صار جزء لا ينفصل، ولكنّ بطريقة ما يعيد الزمن إصلاح ما اُقتلع، تظل الندبة شاهد عيان وتنبيه ذكرى؛ لكنها واحيانًـا تبدو كـ وسام، تكريمًا لقوة التحمل، يرتد لها الطرف كلما ذبلنا وشككنا في تجاوز ثقال الأمور.

يقض مضجعي سؤال ما، فأشاركه رفيقتي يجيئني منها الجواب مؤدبًا لي، بطرفه أمل من ثارت النهايات به حزنًا دفين، تقول: “عوض ربي جميل ينسيك كُل ألم”، إذن لا بأس مهما كانت النهاية رمادية، أتذكر عوضه اللطيف بعد كُل مرحلة/ علاقة/ أزمنة وأحداث.. فيطيب قلبي.

أتذكر نهايات الحياة، شكلها وكيف تكون، ادعو بـ “خير أعمالنا خواتيمها”، يثير فيني رهبة ما هذا الدعاء، ويقفز بين أيامي تساؤل: أيّ أعمالي هي خاتمتها، نقطة النهاية لي؟

فيثار شريط أعمالي أمام عينيّ، قبيحها قبل جميلها، فأود لو أن قبل أخيرها يُشار إليّ “رهف هذا الأخير فأحسنيّ فعله”.

تمت،

٦:٣٥ ص

-حكاية الصورة: إحدى صور عوض ربي الجميل في لقطة ليوم الخميس السابع من أكتوبر ٢٠٢١-

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s