لكِ أيتها البوتس الجميلة.

العشرون من نوڤمبر|رسالة اعتذار.

في السادس من نوڤمبر أطلقت ريمي الصغيرة على نبتة البوتس في غرفتي اسم “صوفيّا”، تقبع صوفيا تحت نافذتي بشكل حزين جدًا، ذات ثلاثة سيقان شامخة بكآبة وساق رابعة توشك على الاحتضار ببطء إذ تميل بغنج على طرف الأصيص وتكتسي باللون البُني يومًا بعد يوم، رغم اهتمامي بها وحنوي الشديد عليها.

اتأملها دائمًا نتشابه في الشموخ الكئيب ذاته، وكلانا نحمل جذورًا مُنهكة، يبين طرفها في ساقٍ عفنه بالنسبة إليها، ويبين طرفها بالنسبة إلي في دمعة تفرّ من عيني وسط الحشود. ابتسم لصوفيا حينما أتمدد على الأريكة مُقابلها، اقرأ كتابًا فأُزيحه جانبًا حينما تصادفني فكرة عميقة تحتاج أن انظر بعيدًا عن الأسطر لأتحسسها واتخيلها، فتقع عينيّ عليها وابتسم ببلاهة وشرود.

أخبرت صديقتي هاتفيًا في مرتين متفرقتين أنني مكروهه من النباتات، رغم تعلقي وحُبي الشديد لها، لكنها و رغم اعتنائي.. تموت!، ومنذ ذلك اليوم انظر لأوراق صوفيا بتوجس، أسمعت ما قلت؟ فهي تقف بانحناءة غريبةً عن عيني، وكأنها تطوّع ما قُلت.

كُل الأفعال تطويعٌ عما تفصح عنه الكلمات، فيومًا عن يوم بعد ما قُلته، كان اخضرار صوفيا يتحول تدريجيًا لذبول غريب، أُصيبت أمس إحدى أوراقها بثقب صغير، اتأسف لها مرارًا، و اتساءل لما؟

أسرح بمسببات مُرجحة، فأعاود التفكير بحديثي، وأُقر أنه يتعب المرء حينما تُجهل مشاعره، تُستخف، أو لا تؤخذ على محمل العاطفة المحض. كأن تُحب وبشدة.. ولسببٍ ما، ربما لسوء تعبيرٍ منك، أو ضابيبة معرفة الآخر لُغة حبك، أو تجاهل قرائتها فيما تختزله بتفاصيلٌ صُغرى كأن تتلقفه بين الحشود بابتسامة عريضة تخصه وحده، ولا يُدرك تمييزك له. أمر مُحبط، ومُجحف جدًا وقاسي.

لذا سأكتب هنا رسالة اعتذار لها، كمحاولة صُغرى لاسترضائها.

عزيزتي صوفيّا:

أكتب لك هُنا رغم أنه لا مسافة بيني وبينك سوى الأمتار الثلاثة، يتشعّب فيني حزنًا خالصًا لكِ في صدري، إزاء هذا الذبول، والوقوف الصامت الحزين، أننا في نوڤمبر ياعزيزتي أي أن نسمات الهواء المنبعثة من النافذة أعلاك، تستحق منك الاستمالة غنجًا وفرحًا وطربًا، هل أُحمّلك ما لا تُطيقين؟ آسفة.

أود إشعارك بحُبي الشديد لك، منذ أشهر تتكرر عليّ الأصابة بدوار مُفاجئ يفقدني الرؤية لثواني وقد يستمر لدقيقة او اثنتين، امشي متعكزة على حفظي لاماكن الاشياء، وأذهب باتجاهك، ينقشع السواد عن عيني فأراك مُخضّرة باهية بين تباين لون أصيصك، فارتاح وإن لم ابتسم. وجودك يذكرني بشيء دفين وذكرى صغيرة، ويبث بي طاقة ما لإزاحة الستارة جانبًا مهما أغرتني الظلمة بسكونها للاستسلام لها.

يأخذني الحديث معك لتساؤل: هل الحُب كلماتٌ تُلفظ؟ ، وفي هذا أظن بأن الحُب -تواصل واتصال، وألفة وأمان، عينٌ ودودة وقلبٌ رحيم ويدٍ كريمة، نقطة اتزانه الغلو المتبادل، وارتكازه تضحيةٌ لا تقتل صاحبها بل تزيده عطفًا والآخر تقديرًا وبذلًا في سبيل ما ضحّى صاحبهُ، لا يعرف الاكتفاء شفيفٌ ناعم، يتسلسل بهدوء أيادي الأنهار الممتدة في غابة الأيام بلا انقطاع، دوامه لا يُضجر، و اعتياده يزيده تألقًا وأصالةً لا سأمًا، لا فُراق فيه وإن بعدت الأجساد مكانًا، فالروح المُحبة لصيقة حبيبها، لا باب يفصلها، ولا بُعدًا يخفي مشاعرها.

الحُب في عوالم البشر يا صوفيا، يشبه الحُب بعالم النباتات؛ ريّ منتظم، وشمس لا تتوقف عن الإشراق، مسافة تكفل التنفس لا النسيان، وتُربة تحتضن عروقها وندوبها حتى تآمن وتنمو وتُزهر.

أُدرك خطئي عليكِ وإهمالي، وحُبي المتخفي، و روحي التي تركض بكل اتجاه فلا تُعبّر إلا تلميحًا، على عكس عاداتي وتقاليدي مع من أُحب، ومؤخرًا أؤثر الظلمة على النور، فتسوّد عروقك طلبًا للضوء، لا شيء يغفر الإهمال، إلا أن استثنيتِ ظرفًا أحالني دونك دون كُل الذين أُحب ودون نفسي حتى.. فتغفري!

أعترف من خبرتي الصغيرة على هذه البسيطة، أن الإهمال أحد القوارض التي تقتات على الحُب، تُفسده، حتى يصبح خرابًا. ولكنيّ ألتمس غفرانك من منابع طيبتك، وأصالتك في النمو بزاوية غرفتي رغم جور الإهمال، ومن ذكرياتنا المبعثرة بين الأيام التي عشناها معًا.

لا أعرف يا صوفيا شيء أرق من قلب يغفر، أن يتجاوز دون مأخذ، وأن يعاود تجديد عهد حُبه بالآخر رغم تجاوزاته، أن يعطي فرصة أخرى، أن يستكمل تلابيب رحماته، حتى حين تنفد جميعها يرحل دون التفاتة ندم، وأعدك أن لا تندمي.

أدرك قسوة الندم، ألم عضّة الأصبع، وكلمة “أخ” لغباء إهدار الفُرص، أتذكر طعم الندم الأول في حياتي، في حياة رهف الطفلة الصغيرة ذات الجديلة الطويلة، كان مُبكيًا ومُحزنًا وموجعًا رغم براءة الشعور، حينها؟ لملم حُضن أمي شعث حُزني، وبطريقة الأسفنج غرقت دموعي به وجفّت وجنتاي، أود لو أعاود الكرّة في كُل مرة أُصاب بالندم والخيبة والخذلان، أركض لحُضن أمي وانهمر، فـ يُلين دفئها قسوة ندمي، وحلاوة مواساتها مرارة وجعي.

لهذا كُله، لشخص تجرّع الندم ليالٍ طوال، ولم ينكفئ تحت جناح أمه إلا مرةً وحيدة، وما توسد كتف في ندمه قط، ويعرف مأساته؛ اطمئني.

بنظرة بعيدة قبل سبعة أشهر، وحينما رأيتك لأول مرة في عيد الفطر الماضي، نمت بيننا الألفة حتى قررت اصطحابك للمنزل، لتكوني رفيقة الصباحات الأولى، بجانب مرآتي ألقي التحية عليك بعينيّ كلما اقتربت من المرآة أو النافذة، قبل يومين كنت أحادث صديقتي بموضوع ما حتى قالت :” الصداقة لازم تكون مكان آمن، الحياة مخيفة بما يكفي”، في محيطي القريب مكانيًا كُنتِ إحدى رموز آماني وأمني، أُقدّر هذا الوجود الأخضر الرفيق الرقيق.

آمان.. كلمة صغيرة جدًا، سحيقة الشعور، غيابها فزع، وجودها لا يُقدّر بثمن، تُختزل آحيانًا في وطن، أو دار، في موقف، في شيء، أو في إنسان. بالنظر لحياة البشر وتأملها يسعى البشريّ لإحداث فارق دائم بحياته، فارقٌ في مسكنه، وملبسه ومأكله، وعلاقاته، يسعى دون توقف أو ملل، وما إن يفقد آمانه ينسى كُل ما سعى له، فكُل شيء باستثناء آمانه لا لون له، رماديًا قاتمًا، لهذا للآمان لون السعي، وأساس رغبات الإنسان تبدأ من ثباته و وجوده و رائحته. لا يُمكن أن يشتم رائحة الفزع ويضحك، أو يحُب ويُحَب.

أين أمانك؟ أعترف أنه سؤال ثابت بحياتي، رغم تغير مراحل العُمر، تتملكني سعادة غريبة حينما ألتفت لأجده، وكأني مهما عثرت أقع على أرضي، ليس لألم الوقوع شراكة مع شعور الغُربة، أجد أماني في تفاصيل صغيرة يكفيني الانكفاء عليها نهاية اليوم حتى آمن.

ما المشترك في التفاصيل الصغرى الآمنة بالنسبة لي؟ هو الحُب، حُب اللحظة، والمعنى والكلمة، وحينما أَحب وأُحب يصبح هذا التفصيل الدقيق في لحظة الحُب آمان بالنسبة لي، في أيام كثيرة أتذكر عبارة لفرويد :” مذهل كيف يشعر المرء بجرأة عندما يكون متأكدًا أنه محبوب”، والجرأة منبعها آمان راسخ بعلاقة متبادلة بين طرفين، تنعكس على حياته وأفكاره، فيكون جريئًا في خطواته؛ لأنه يعرف متى تعثر ستمتد يدًا مُحبّة لتساعده على الوقوف تُؤمن بخطوته القادمة مهما بدا الطريق شائكًا في مداه القريب.

الحُب آمان، فيُحب المرء حين يأمن، ويكون الحُب حُبًا إن كان أساسه آمنًا، فلا حُب مع الخوف أو الفزع، وإنما يكون تعلقًا زائفًا لا وجود للحب فيه. مثل أن تكون الحياة بعين الرضيع في حضن أمه آمان خالص، وهذا حُب ممزوج بالأمان في أبدع تجليّاته بالنسبة لي يا صوفيا.

انظري يا صوفيا هذه صديقتك الجديدة الزاميا، أسميتها “آنسة رحبة”، نسبةً إلى اسم مُهديها صديقتي الأرحب في الوجود، أسهب بالحديث عنها كلما رغبت في الإشارة لها وحسب، أقول لها أنها دائمًا ما تجعلني أفيض، وأضيف أنني أفيض بالحديث عنها سواء في وجودها أو غيابها، لا غيّب الله عني حسها.

أتنعم في قربها بآمان فريد، وأرجو أن يكون شعورًا متبادلًا مع رفيقتك الجديدة “آنسة رحبة”، الصداقة مكان آمن مثلما قالت صديقتي، وساحة من الدفء مهما شاع في الكون الصقيع. يُقال عن “آنسة رحبة” أنها أصيلة وصبورة وذات حنان بالغ، وأُضيف لها هالة من الرحابة التي تبث للنفس سعة خاصة، أوقن بأنك ستحبيها وتُحبك، فأن يكون للنفس صديق هذه هبة.

لا أدري بما أختم رسالتي يا صوفيا فأنا يُعذبني تأنيب الضمير، فلا كلمات تكفي أو تُعبر عن أسفي، أو تشرح ما بي، ما أعقد شعور الأسف حينما تغيب الكلمات عن التعبير عنه، فلا ملمس منها ولا معنى يردم فجوة الأسف. لكنّ الذكرى تغفر، وصدق النية يغفر، وأتلمسها في قلبك الطيّب أيتها البوتس الجميلة. أُحبك.

رهف.


-صورة تجمع آنسة صوفيا بصديقتها الآنسة رحبة-

تمت،

العشرون من نوڤمبر|٢٠٢١
الخامس عشر من ربيع الثاني|١٤٤٣هـ

٣:٥٠ م

رأي واحد حول “لكِ أيتها البوتس الجميلة.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s