ألتحف بعذرها

الثالثة فجرًا—

تثير إعجابي قدرة الحمى على خلق هلوسات غريبة، من شأنها أن تأخذني لأماكن عدة من خلال النظر لشيء واحد فقط.. انظر للباب بعينين تدمع باستمرار، أكاد أحس لهيبها يشق طريقه على خدّي حتى يستقر كجمرة على مخدتي، انظر للباب فأرى ظلًا لأحدهم أتراها صديقتي؟ ، حتى تسقط دمعة أخرى مغشيًا عليها لأدرك أن لا أحد عند الباب، سوى أوهامًا وظلالًا.
حقيقةً لا أنكر فضلها تلك الحمى، ألتحف بعذرها فأهمي بكاءً، لا أحد يعترض، فأبكي حُمّاي و وحدة ليلي، ألمي وشيء ماضي، أبكي شوقًا، واعتراضًا فرضى، استدر عطفها برضاي، فتوسعني برضاها بدمع جديد، فلا أمسح خداي لأنها تجرحت، من ليلة محمومة طويلة، ولا أبالي بغرق جديد.
أقلب المخدة فوجهها قد صار رطبًا، وأتمنى لو استطعت تغيير ليلتي بكل هذه السهولة، من كدرها لفرح، ومن ضيقها لمتسع، فأدرك أن لا حول لي ولا قوة إلا بالعزيز هناك، في السماء، ينظر لتقلبي لوهج جسدي المضنى، وسيرحمني برحمته في لحظة ما.
دقات متتالية لقلبي، أدرك أنها صرخات استجداء، بتنا نفهم بعضنا مؤخرًا، أضع يدي عليه كـ “لا بأس تحمّل هذه الليلة معي”.
طنين أذناي، وألام تسري في عظامي، وأجفان واهنه، كل هذا لا يمنع تسرب كلمات مرّت بيومي فاستشيط غضبًا لكلمة قيلت في ظهر هذا اليوم وأسمح لحاجبيّ بالالتفاف كدرًا، وأتذكر حديثًا لأختي الصغرى في منتصف اليوم تستعجب قوتي لتحمل كل هذا فأستعيد فخري بي، فأرجع أتذكر كلمة لصديقتي ليلًا فأسدل ستار جفنايّ على ما تبقى من دمعي وأنطق للمرة الأولى في هذه الليلة بـ “افتديها..افتديها”.
أغفو فأرى الجنة، وأصوات تسرق مني قدرة التمييز، فأحس بيد باردة تضم وجهي، ترتكي على جبهتي فاستيقظ مفزوعة، يجيئني صوتها مخاطبًا، تسأل عن أنيني الذي أيقظها، بيدها الماء وعلبة الدواء، وبعينين حنونة تمده ليّ.
أتذكر : ” تعـالي ما لقيت أصحاب.. يحلف لك أنيـن الباب”.

هل أنا في هذه الليلة ذاك الباب يا طلال؟
رغم ذلك لم تجيء.

منذ ٢٠٠٤.

الأول من سبتمبر| إرث.

جلست مع أمي على أحد أول عتبات منزلنا، حيثّ الباب الحديديّ البُنيّ شامخٌ أمامنـا، لأول مرّة أنتبه لورقة بلاستيكية لم تنزع منذ تركيبه، مكتوب بها وقت تفصيله وتركيبه.. السادس عشر من شهر أكتوبر لعام ألفين وأربعة!

أي أني لم أكمل عقدي الأول بعد، وأختي التي تصغرني بأربع أعوام كانت طفلة رضيعة، وأختي الصُغرى لم تولد بعد!

لفت بي ذكريات كثيرة، أحداث كثيرة شهدها هذا الباب، عودة والدي بعد كُل حج، يدين أمي الناعمة دون تجاعيد حتى أحدث الزمن فيها خارطته، بل تَحسس نمو جميع أيادي عائلتي، ذهابي وعودتي من المدرسة الابتدائية والمتوسطة والثانوية وحتى الجامعة، وأيام تخرجي منها جميعًا، وأحوالي وأمزجتي، فأُلقي يدي عليه متعبة احيانًا، وفي ذروة حماستي احيانًا أُخرى، مُحبة مرة، وغاضبة في كثير من الأحيان، أُطل برأسي من خلاله على السماء باحثة عن منظر للغروب، أو ضاحكة لأسراب الحمام، أو متلهفة لرؤية القمر مكتملًا!

أتذكر أيدي والديّ حينما تلمسانه بعد عودتهم من يوم طويل، وأتذكر أحاديثي مع أخي الأصغر على جانب الباب لحين قدوم أبي من السيارة، أسمع قرشعة المفاتيح، وصوت تلامس الأكياس بأيدينا، جريّ أخي فوق الدرج ليحثني على سباقه.. وأعرف يقينًا أني لن أسبقه، لم أفعل ذلك إلا حين كُسرت قدمه كسرًا مضاعفًا !

شهد هذا الباب أحداثنا اللطيفة، السعيدة، المُبهجة، مثل فرحة أخي بشراء أول سيارة في حياته!

أو ذهاب أخي الآخر ليوم دوامه الأول بكل بهجة، أو مروري خلاله لدوامي الأول، كـ رهف ناضجة كبيرة، بعد أن كانت في الألفين وأربعة تقفز جريًا مع أولاد أخوالها، أو ارتداء أختي للمدرسة أول مرة، ألتقى هذا الباب بأيادي مُعظم صديقاتي، ويد شخص أُحبه.. احتفل بمباهج العائلة، وكان صدرًا مفتوحًا لأحزانها!

سمع صوتنا ونحن ننزل من الدرج لنستذكر دعاء الخروج بعد تلقين من أُمي، شاهدني وأنا أبكي خلسة وألوذ خلفه من أن يراني أحدهم، شهد مُعظم لقطاتي لصور السماء؛ فأنا لا أُصور غالبًا إلا بجانبه، وشهد ابتسامتي بعدها حينما أبعثها لصديقة أُحبها “رحابي انظري لسماء اليوم!”.

تأملنا ونحن نحمل أختي تارة على أيدينا، وحين بدأت تخطو فوق الدرج، ثم وهي تقفز قفزًا فوقه، حتى صارت اليوم شابة مراهقة تفوقني طولًا!

لا أنسى عبور حفيديّ العائلة، فصرنا بعدهما أعمامًا ووالديّ أجدادًا، كان حدثًا عميقًا وقريبًا للقلب.

كان مزلاجه صبورًا للغاية، تحمّل أمزجة أفراد عائلة كاملة، تعامل مع أحداثها بتأمل عميق.

منذ ألفين وأربعة، وهو شاهد عيان لكل هذا، وأحداث عائلية خاصة لم أذكرها، كم أنتمي للجمادات وأحبها، خصوصًا تلك ذات الذكرى والعميقة ذات الحكايا، يُضيف لها الإنسان من روحه، وتضيف له أُنس وجودها الخاص، ذكرني تأملي العميق لما عبر من خلال هذا الباب من أشخاص، وتغير حيواتهم، وأحداث، ومواقف.. بجماداتي التي أُحب، في غرفتي، وخزانتي، وحقائبي، مثل أكوام الكتب التي عانقت صفحاتها أصابعي أو ارتوت عينيّ دهشة من سطورها، أو مثل مرآتي أو سجادة غرفتي، أو مثل أكوابي المفضلة وانتمائي الشديد لها، فذاك من رحاب، وهنا من أمجاد، الأبيض هناك من أخي، والأخر من أُختي، ذا اللون الأزرق من خالتي، والشرقيّ هذا منيّ إليّ.. حتى يصير الاحتساء منها بروحانية خالصة، وضمّها بين الأكف لحظة حميمية.

وكثير من الجمادات حولي لها قُدسية المعنى، و روح الانسان فيّ تحورّها إلى تجربة دافئة، وكأنها امتدادي في اشياء ساكنة.

رسالة صُغرى:

مرحبًا بابُنـا البنيّ الشامخ، هذه أنا رهف عرفتني؟ بالتأكيد أنك تعرفني، تعرف صوتي حينما يجيئك مُدندنًا احيانًا بـ “يا إمي دولبني الهوى” وهو حق لا غناء وحسب، أو حين أُخبرك بقصيدة مفضلة ابتديها من منتصفها “حتى فساتيني التي أهملتها..”، أو قارئةً لأذكاري صباحًا أو مساءً، أو صامتة، أو ثائرة.. رهف التي تحرص على إغلاق مزلاجك بعد أن يمرّ الجميع، التي تستظل بك حتى تلتقط الصور، تتأملك اليوم بعينين شاكرة لك، لوقوفك بثبات رغم مُضيّ ١٧ عامًا، تعبت؟ أُدرك أنك حديدًا لا تشكو، ولكني أُحس بصدأك، لا بأس، أُقدرك، أرجو أن تنعم بوقوف مُريح، وأن تعبر الأقدام من خلالك بحنو، سأحرص على أن أفعل هذا.. أعدك، أُحبك.

تمت،

٩:٥٩ م.

سـعادة، زهـد، حُـب.

السابع عشر من أوغست| من أجل عيش لحظات سعيدة أطول.

منذ فترة ليست بالبعيدة، قررت أن أهب اللحظات السعيدة أوقاتًا أطول، لأنه بات يُقلقني ركضها، جريانها من بين يديّ بسرعة هائجة، كما لو أني أُطاردها بكُل ما بي من قوة وسُرعة.

كيف؟ كان هذا هاجس كناقوس يدق في وجداني، لا سبيل لي لعيشها كاملة دون أن تمضي مُسرعة، أو أن أُخرج رأسي من لحظة السعادة لأرى “ما القادم؟” من أحداث متواترة، أو خوف، أو أو أو.

مررت يوم الاثنين ما قبل الماضي بلحظة سعادة عظيمة، لم تزرني منذ فترة، عشتها بكامل تفاصيلها بعد عبارة ألقيتها على صديقتي: “ودي أوقف اللحظة هنا.. للأبد”، وكنتُ أعنيها فعلًا.

كانت عبارة ذات زُهد عظيم، أنا التي تطلب المزيد من الحياة في كُل يوم، مُفعمة بالأحلام، أعيش على أمل تحققها، وأركض في سبيلها، حتى أني أنتشل حزني بحُلم تلو الحُلم.. كيف لي أن أزهد؟

أتذكر أني دائمًا ما أنفر من مصطلح “الزهد”، أراه قاتمًا مُظلمًا بلا روح، حتى عرفت أن أسعد لحظاتي كانت تلك التي تمسكت بها شعوريًا، و زهدتُ فيما سواها، لا يهمني الغد ولا إنجازاته ولا حتى طلب المزيد من اللحظات السعيدة المماثلة، كُل ما يهم هي اللحظة السعيدة التي أمرّ بها، تاركةً خلفي كُل ما مضى وما سيأتي، زاهدة فيما دونها.

في حديث سريع قبل النوم قلت أن مفهومي الجديد للزهد *من أجل عيش لحظات سعيدة أطول* يشبه الزهد بمفهومه الديني، أرى أنّ ما يُصبّر ويهوّن على الزُهّاد زهدهم، إحساسهم بالسعادة في ظل رحمة الله ومعيّته ولُطفه، ما دون ذلك يبدو هيّنًا لا يزن طمأنينتهم، وبهجة أرواحهم.

يشبه أحد تعريفات مفاهيم الحب عندي، أرى أن الحُب الساميّ هو زُهد المحبوب بأي شيء خارج إطار كيان محبوبه، فلا يخونه لأنه زاهدًا بغيره، ولا يقلل من شأنه لأن في قلبه لا شأن يعلو على شأن محبوبه إلا خالقه، مكلوفًا به، تاركًا ما سواه بلا إجبار ولا إقناع، بل حُبًا وكرامة!

هل يعني الزهد إخلاء سبيلنا من عُنق التمنيّ؟ الأمنيات هي سبيلنا للحياة، وقودنا في حالات التعب، وتركها يُفسح مجالًا للفراغ، ومصاحبتها يوضح درب الركض في مضمار الحياة، لا أظن الزهد يشمل أحلامنا وأمنياتنا، بل يقوينا للوصول للحظة سعادة أُخرى، وهذا تناقض عجيب صعب عليّ وصفه وشرحه، لكنّه أطال بعُمر لحظاتي السعيدة بزهد جميل، دون أن أُهدر أحلامي تخليًا.

٢:٢٩ ص| الثلاثـاء.

الصورة: لحظة سعادة بالغة وغامرة، زهدتُ حينها فيما سواها، حُب عظيم لها.

أبي و 10 أعوام من الحج.

الثاني والعشرون من جون| “وليس نبيًا ولكن.. عليه السلام”

حينما قرأت تغريدات الأغلب عن اليوم العالمي للأب، لم أتذكر مواقف حضوره بجانبي وكانت كُثر، تذّكرت فترة غيابه في كُل عيد أضحى لمدة 10 أعوام متتالية لذهابه للحج!

كان غيابه مؤرقًا، غصة في حلقي، أعدم بهجة العيد عندي، حتى بدلت يوم العيد من العاشر ذو الحجة إلى حين قدوم أبي، سرًا في نفسي.

لم أكن أُحادثه حينها، لا أكلمه إلا دقائق في يوم العيد، ليس عقابًا وإنما خشية أن أؤذي قلبه بدموعي وصوتي ذو الغصة، وعلى الطرف المقابل للأثير كان يجيء صوته هادئًا، مليء بالأمان لا زلت أتذكر مُبتدأ حديثه بـ “بنتي…”.

كنت حينها أنام احيانًا عند أُمي، أخذ مكان أبي وأضم وسادته، في غرفتها ذات الثلاث نوافذ، التي تشرف صباحًا على موج من أسراب الحمام، تشير لها أمي بأنها طيور الحج، في سرّي كنت أبعث بالرسائل والأمنيات معها لأبي، أعرف يقينًا أنها لن تصل، لكنّ شيئًا كان يطمئنني إن فعلت.

حينما استيقظ وبعكس عاداتي حينما كُنت صغيرة، أهرع لفتح التلفاز وعلى قناة بث شعائر الحج اتسمّر جالسة، أبحث عن أبي بين أكوام الرجال؛ غاضّه الطرف عن كونهم مداد من الرجال المُحرمِين بلون واحد.

استذكر شعور الشوق في عُمر الطفولة، واتفاجئ بعدم تبدد طُرق تصرفي معه، واحساسي به، وحتى ألمه وتعبه وضيقه ثم فرحه، لا زلت الشغوفة جدًا بمن أُحب، كثيرة التفقّد، أتمسك بالمشاعر، وأضمها في داخلي بكلتا يدي، فتُحدث بي زلزالًا من العواطف، ويبقى وجهي صامتًا هادئًا إلا من بعض الدموع.

في أيام العيد أدس أجمل أثوابي لاستقبال أبي، أمتنع عن لبسه يوم العيد، أخترع العيوب فيه أمام أمي حتى تعدل عن قرار أن يكون هذا الثوب هو لصُبح العيد ونختار غيره.

حينما يُغرقني الحنين أرقًا في الليل، كنت أكتب الرسائل لأبي، أحكي فيه عن وحشة منزلنا، افتقادي الدائم له، بحثي عنه في التلفاز، دعواتي له يوم عرفة، وتساؤلاتي عن أحداث يومه، حكاياتي التي كنت أكتبها في طفولتي، وحينما بت في سن المراهقة كتبت له عن أُمنياتي الصُغرى، والكتب التي قرأت فترة غيابه، وعن أول أوقات عامي الجديد؛ حيث أن تاريخ ميلادي يُصادف الثاني عشر من ذي الحجة.. ثم أُقدمها له كهدية استقبال.

في يوم من أيام غيابه، سقطت مغشيًا عليّ، إثر هبوط ضغط حاد، كنت طفلة في العاشرة من عُمري، رفضت أن أكل أي شيء انتظارًا لحين قدوم أبي؛ فتأخر عن وقت مجيئه، لم أعي إلا وأنا في المشفى، بجانبي أمي وخالي إبراهيم وأخويّ، كنت انظر بينهم لعليّ أجد وجهه بين الزحام.. ولم أجده، كانت تلك اللحظة من أولى خيباتي في الحياة.

كنت أُحب سماع كلمة “طواف الوداع”، كان ذلك مرادف لقُرب لقاء أبي، وعلى الرغم ما فيها من فُراق إلا أنها ترسم على شفاهي ابتسامة مُختلَسة، كانت هذه الكلمة تدق في قلبي ناقوس الفرح، تبدأ أُمي بمراسم الاستقبال، تطهو الطعام بطريقة لذيذة، وتبدو رائحته زكيّة، يُسرع أخي لشراء الخبز، وأطوف أنا بمبخرة العود في ارجاء المنزل، وأُبخر ثيابه وخزانته و وسادته، كان مجيئه عيدًا أنعم به.

أؤمن بأن الوقت الذي نمضيه دون شخص نُحبه، يُعرّفنا بطريقة ما على حلاوة الوقت معه، لا أتحدث هنا عن وجود هذا الحبيب بل عن الوقت وحسب، يبدو سريعًا مهرولًا خفيفًا ضاحكًا، أتخيله كطفلة نحيلة سعيدة تركض وثبًا تحاول التقاط غيمة في السماء!

حين يصل أبي، لا يجيء وحده ابدًا، يأتي حاملًا معه آمان الدنيا، وطمأنينة العالم، والسلام المنشود في الأرض، وضحكتي المفقودة.

رغم ذوبله حينها إلا أن عينيه المتعبه كانت عافيتي من كُل علّه، احيانًا كان يجيء محمومًا إثر الانفلونزا فيطلب مني أن ابتعد عنه قليلًا؛ حتى لا أُصاب بالعدوى.. وأرفض، كان هو البيت وأعمدته وسقفه، هو الآن هُنا ليس في التلفاز قريبًا مني، كيف لي أن أبتعد.

أتناول معه الطعام، يبدو شهيًا، لذيذًا، مُشبعًا، كانت أمي تُعد اللحم دائمًا، ولا أفضلّه ليومنا هذا لكني حينها آكله بتلذذ، تبدو آثار اللقيا فاتحة لشهيتي، بطريقة تُدهش حتى عائلتي.

بعد أن ينتهي من الأكل، كنت أرتكي على فخذه، ليحكي لنا قصص الحج، مواقفه ومغامراته، من قابل وما شاهد، وما الذي اشترى لنا، فاسأله بعد كُل الحكاوي: “دعيتلنا؟” وأقصد بالجمع نفسي، فيجيب ضاحكًا ممسكًا بأنفي: “اممم لا”.

بوصوله يهجرني الأرق، وأنام بسعادة بالغة، كأني امتلك الدنيا، بنجومها ومحاسنها وفضائلها، يبدو حينها بيتنا أكثر رحابة، و وجهي أكثر إشراقًا، وصوت قرشعة المفاتيح أكثر طربًا؛ لتأكدي بأن القادم هو أبي، ليس أخي الذي يحاول تقليده!

دائمًا ما استنكر أي شخص يتعجب من فقداني الشديد لأبي في عيد الأضحى ذاك الوقت، على الرغم من كونها 10 أعوام متتالية إلا أني لم أعتد بعد، قلبي لم يرغب بذلك.

واليوم بعد أن انقضت تلك الأعوام، أفرح بعيد الأضحى أكثر لوجوده، أسعد بيوم ميلادي أكثر، نشاهد الحجاج في التلفاز معًا، يستذكر كل مواقفه واستمع له، وقلبي يردد باسمًا حامدًا: “هو هُنا الآن، أمامي بجانبي”.

**

حفظ الله أبي لعينيّ و روحي وقلبي، حفظ لكم آبائكم، ورحم من مات منهم، وجمعنا في فردوسه الأعلى يا ربّ.. آمين.

تمت في الثلاثاء :

الثاني والعشرون من جون|٢٠٢١م

الثاني عشر من ذي القعدة|١٤٤٢هـ

٦:٤٨ ص

قُصاصة أسبوع.🌿

الرابع عشر-الثامن عشر من جون| “الرائعون إذا ما شمسنا غربت”

هذه التدوينة على نمط تدوينات سابقة، لأجزاء مُقتصة من أيامي.
واختلاف هذه التدوينة وقُربها من قلبي، يكمن بالأيادي الممتدة الحنونة إليّ من الأصدقاء.

لكل صديقة كتبت عنها هُنا، أو لم أكتب.. حُب عظيم لا يُمكنني حشوه في سطور.

***

الاثنين..

كان يومًا منعشًا، لم أحس فيه بوخز حرارة شمس الضحى في جلدي ابدًا، أو بتعب المشي لمسافات طويلة، والسبب؟ يعود لكوني ألتقيت برفيقتين تعرّفت عليهم إلكترونيًا منذ زمن طويل، وكان هذا اليوم هو موعد لقاءنا الأول على الإطلاق!

في ساحات الحرم وقبل أن تفيق الشمس من مخدعها أرسلت لـ “رهف”، إحدى الرفيقتين، بأني وصلت مُرفقة صورة لما هو أمامي، كان لقاؤها سخي بشكل يثير للدهشة، فمنذ الثانية الأولى أحسست بـ “هل هذا اللقاء الأول أم أنه الأول بعد المئة؟”.

ثم ألتقيت بثاني الرفيقتين “أمينة”، كان وجهها مألوفًا طيّبًا، تتنعم السماحة بين تقاسيمه، بشكل يدعوني للسرحان في مكان قصيّ لأعاود التساؤل “أين رأيتها من قبل، يستحيل أن تحاوط الألفة هذا اللقاء الأول؟”.

في لحظة وداعهما والشمس فوقنا ساطعة تملكتني وخزة البكاء في حلقي، توادعنا على أنه وداع مؤقت حتى لقاء آخر، لا أدري بما تفوهت به من كلمات، لكن أظنها مرتجفة خوفًا من موجة دموع تحاول كبحها.. وفعلتُ.

(أهدتني بنت القلب “رهف” هذا الكتاب بعد جولة صغيرة جدًا في مكتبة قصيّة بطرف أحد الفنادق، سيبقى عزيزًا عليّ… أما السُجادة ذات لون السماء والتطريز البهيّ باسمي فهي من “أمينة”، بديعة وناعمة ورقيقة سكنت قلبي حُبًا)

——

الثلاثاء

كان الصداع يقبض بيديه الحديدية على رأسي بشدة فجر الثلاثاء، وبأنفاس ضيقة جدًا كنت اختبئ تحت غطاء سريري ذا اللون الأخضر الفاتح، حتى طلبت الحديث مع صديقتي، تُدهشني قدرتها على فض أي دموع عالقة بعيني، اسكبها بوداعة مُتأمل البحر، ورأسي يرتخي على كتفها.

أتوجس احيانًا من قُدرة الصداقة على نزع أي ضيق وحزن ملتصق بأيامي، وبطريقة ما تُحيل شفاهي الذابلة لأُخرى متقوسة بـفرح، أتوجس؟ لكُل قوة خارقة سحر مهيب نتوجسه ولا نعتاده مهما أحببناه تبقى فطرة الدهشة باقية لن تزول.

لا أدري لما تذكرت حديثًا جرى مع إحدى الرفيقات في رمضان، سألتني باعتياد “كيف حالك؟”، ولمرة من المرات النادرة، جاوبت باستفاضة رهيبة عن حالي، وبصدق شفاف رقيق.
حتى غمرنا الحديث بألفة، وخرجت منه بخفة طير، لا أفكر بعواقب ما قُلت؛ وإنما كأني كنت أحادث نفسي مدركة بأنها لن تحكم علي، حُكمًا جائرًا، أو جاهلًا بنواياي الخفيّة، كأنما فضتُ وفاضت رفيقتي، وسكنت مآقينا وجفت.

أحاديث الأصدقاء مهما امتلت بفيض هموم، هي فُسحة للروح، أدُس عنها تجلّدي، وأُبدي رهف بكُل حالاتها الإنسانية.

**

حتى البطن تحتاج لفُسحة ذات لذة، ومؤخرًا بين كُل أرفف البقالة لا يجذبني سوا رف الوافل الهولندي، أُحب طراوته وقرمشته في الفم بشكل متناقض، وحلاوته في بداية المضغ ثم مفاجأة ملحيّه مخبأة تفرقع في النهاية كتتويج للذة المذاق، للكراميل المملح حُب عظيم ونكهة فريدة.

(اخترت هذه المرة العُلبة المعدنية لاحتفظ بها كذكرى، أو املئها بين فترة وأخرى بالوافل اللذيذ!
ملحوظة: جربه لن تندم)

الاربعاء..

تعب، حَرج، ضيق، ومواساة رفيقتي الرحبة محت كُل ما سبق.

الخميس

أُحب احيانًا الأيام التي تأتي بعد يوم عاصف، النوم الطويل على وسادة بللتها الدموع السوداء، تلك المختلطة بلون الماسكرا، وبعينين متورمة استيقظ لعيش يوم جديد، لكونها فُرصة تتويج سخيّة لإضافة يوم لطيف لعُمري، وأي جهد سابق ليوم سالف، يعطيني الحق لتدليل نفسي.

أُحب أن أدللها، وأحنو عليها، أن أُخبئ لها وقت طيب في يومها، مهما كان ما سبق صعبًا.. هي تستحق.

قبل يومين كنت أتابع مع أُمي مسلسلًا قصيرًا لـ سناء جميل، لفتني مشهد حديثها في الهاتف مع رفيقتها، إذ تطلب منها الثانية أن تلتفت لنفسها وحياتها بعد أن تقاعدت بدلًا من وهبها جُلّ وقتها لغيرها مُساعدةً ولُطفًا وحُبًا وعطاء، حتى ردت سناء بـ:” تفتكري الحياة تبقى حلوة لو عاش الإنسان لنفسه بس؟”
يجلجل هذا التساؤل في نفسي، وأتفق معها جُملةً وتفصيلا، لكن تدليل النفس ترف من نوع آخر، تكريم حنون لصبرها في كُل تقلبات الأيام، مدّها وجزرها، لتضحياتها وانشغالها.

تدليل اليوم: وقت صافي ونوم عميييق.

——

الجُمعة

ابتدأ يومي بمقطع فيديو سعيد بعثت به رفيقتي إليّ، وأنتهى بمقطع آخر من رفيقة أُخرى، كأنهم شفوا ما يُخالج صدري؛ بتوثيق يومي في فيديو.

***

اقتباس القُصاصة:

“أولئك الذين إذا زحَف اليأس إلى قلبك كانوا لك قنديل الأمل، وإذا تعثّرت كانوا لك اليَدّ التي تقيل عثرتك وتعينك على النهوض، وإذا انكسرت كانوا لك الجبيرة والسَنَد، أولئك الذين قال عنهم الشاعِر:

‏”الرائعون إذا ما شَمْسُنا غَربَتْ
‏تقمّصوا النورَ في الدَهْماءَ وائتلقوا” ”

حفظ الله ودّ اصدقائكم لكم.. آمين.

تمت في يوم الجُمعة:

الثامن عشر من جون|٢٠٢١م
الثامن من ذي القعدة|١٤٤٢هـ

١١:١٩ م

ذكريــات

الثالث عشر من جون| فقــد.

كانت أيامًا ماضية فانتازيّة بعض الشيء، أحداثًا قليلة لكن عميقة، أخذت أيامًا لتهدئة روحي لأجلها، فقد والدي صديقه، وفقدت صديقتي جدها.. رحمهم الله أجمعين وكُل موتانا وموتى المسلمين.
وأحداث منطوية تحت جناح هذين الحدثين، وأُخرى أشبه بسناكات ما بين الأحداث، تزيدُني تجرعًا لهذه المرارة.

من سُبل العيش الرغيد المُطمئن أن ينعم الأحباب في حيواتهم، لا أعني أيام ورديّة مُجملًا، لكن أن يكون إطار الصفاء هو الغالب على صورة أيامهم، حينما يهتز هذا الإطار، شيئًا من أماني يُغادرني بُرهة، ويُعاود المجيء حين تحتل الابتسامة محياهم من جديد.

كانت لحظة فقد والدي لصديقه دراماتيكية للحد الذي يُمثّل في الأفلام، كان يُحادثه صباحًا ليُخبره أنه ينتظره على الغداء حتى ينتهي موعد أخذه للقاح كورونا، ليخبره صديقه بـ: “لا تنتظرني أخاف أطول عليك”، فيصر والدي على لُقياه، وقبل الظهر بساعات، يُفاجئ والدي بإتصال: “لقد كنت آخر المتصلين بـ فُلان، مات إثر حادث دهس…”، لم يتحمل والدي هذه الحادثة ابدًا، كان وقعها عليه حزينًا مؤذيًا نفسيًا وصحيًا، فعلًا كان كلمة “أطول عليك” صادقة جدًا، حقيقية وعميقة في ذات الوقت، واللقاء في الجنة سيقطع هذا الطول المرير.. يا ربّ.

ظل والدي يتحدث عنه لأيام، يذكر مواقفه العديدة، التي عاشها والدي منذ واحد وأربعين عام معه، لحق صديقه بُكل أحداث عائلتنا الكبيرة، زواج والدي، مرض جدي ووفاته، أعمام والدي الذين لم أراهم، مزارع العائلة أجمعها الفانية والباقية، وكُل الأشياء والمواقف والأحداث بصورة لم أكن أدركها لولا حديث والدي الطويل عنه، تخلله كنسمة سعيدة عابرة بين عُمر والدي، والدي ذا الكلام القليل، لكنه بعد موت صديقه أسهب بشكل مُفرط في الحديث عنه، كُنت متفاجئة لم أبكي أبدًا، صلبة وأنا التي طِوال حياتي كانت الدموع قريبة مني حد أن أرمش مرتين لتهطل، حتى أجهش والدي بالبكاء، أحسست بتفتق هذا الدرع بداخلي، كأن قوة روحي مُستمدة من والدي، وانهمرت وتشظت وتساقطت مع دموعه.

أما من ناحية صديقتي، كانت تكتب لي مدى تأثرها العميق بوفاة جدها، تذكر لي ندمها بأسى عن كثير من المواقف التي لم تقصر فيها آبدًا، ولكن الفقد ألحق بها شعور التقصير.

لوهلة بت أُدرك حجم قُدرتي الضعيفة على المواساة، أنا لست آهلًا للحديث المُواسي، ولا للكلمات المُضمّدة لجراح أحد، لكن لي يدًا تُربت، ودموعًا تهطل، وشغفًا مستمرًا للاطمئنان والتفقّد، حتى عرفت بابًا صغيرًا يُساعد الفاقد في تضميد ألم فقده، ولو أنه صغيرًا جدًا لكن له من الأثر ما استعملته على نفسي وتسليت، فأظن أنها سلوى.. (العيش على بهجة الذكرى وإن رَحل أصحابها)

ما نحن إلا ذكريات باقية مُخلّدة، تلك الذكرى مؤنسة في كثير من الأوقات، إن أُخذت بزاوية الأثر لا زاوية الاشتياق المؤلم، لا يحق لي سلب اشتياق أحدهم لآخر، لكنه في مرحلة ما يُصبح هذا الاشتياق صورة لسكين حادة تقطع أي بهجة في أيامنا، فتصبح الفرحة ناقصة، والحياة أكثر آلمًا.

رحلة تدريب النفس على تذكر المفقود العزيز الراحل، في صورة سعيدًا، في ذكرى تُسلي هذا الخاطر المُشتاق، تدريب صعب، لا يجيء في يوم أو اثنين أو حتى عام، فتجدد الشوق من حين لحين ومن مناسبة وعيد ومواقف يُصعّب هذه الرحلة، لكنّ مزاحمة هذا الاشتياق بالذكريات يصنع هالة مُطمئنة تكبر مع مرور الوقت، مع الزمن، مع الدعاء بلقاء لا فناء فيه.

كنت أحث صديقتي لحشد ذكرياتها الحلوة مع جدها أمام عيونها، بحيث لا تنسى ألطف اللحظات وتظل في قلبها كسلوى، ودعاء.. لأني أمقت فكرة النسيان أو الحث عليها عند فاجعة الفقد، بل أرى التذكر وحدة هو المُنجي من صدمتها بعد رحمة الله بنا…

قالت رفيقتي: ” قربني مرض جدي منه، صرت أزوره أكثر، وكانت كُل لحظاتي وذكرياتي الأخيرة من حياته معي حنونة جدًا “، وستظل هذه الذكريات كسلوى تستمد منها القوة حين يخالجها حنين مُربك، وشوق عارم.

هذه الحوادث كانت إجابة لسؤال وجودي يطرأ بداخلي بين فترة وفترة: “من أنا في قصص الآخرين؟”

والجواب ببساطة: “ذكريات”.

إحسان صناعتها على جُدر ذاكرة الأحباب والأهل والعابرون يبقى على عاتقنا، وتعريف كلمة “صناعة” مُختلف، فربما كلمة أو موقف أو رحلة عُمر كاملة من الاثنين، يختصر بداية التعريف ويبقى باقيه خاص جدًا في ثنايا العلاقات، باختلاف قُربها.
ويبقى ذاك الشعور اللذيذ في محاولة صناعة ذكرى سعيدة تُعلق على صدر جدار أحببت صاحبه.. أتمنى لكم سعيًا سعيدًا ومحاولات لطيفة في صناعة الذكريات.

تمت في صباح يوم الأحد:

الثالث عشر من جون| ٢٠٢١ م
الثالث من ذي القعدة| ١٤٤٢هـ

٥:٥٧ ص

قائمة امتنان عيد الفطر 🎉.

عيد الفطر| امتنـــان.

كانت إرهاصات العيد مختلفة هذه المرة، باردة، حزينة، بائسة للوضع الفلسطيني المختلف، ولأشياء بنفسي أحملها.

فقررت أن أكتب قائمة امتناني لعيد الفطر، عن بعض الأحداث والمواقف والأشياء الصغيرة التي حدثت وكنت ممتنة لها.

ملحوظة: القائمة ليس لا ترتيب معين، حسب ما أذكر فقط.

:

* بجامة العيد ذات الألوان الزاهية.

* معايدات الأحباب، عُمق الشعور التي تُكنه لا يصف مدى تجذرّها بحُب في صدري.

* حتى العيديات تغمرنا دهشة وفرحة.. تُذكرنا بالطفل المختبئ في الحنايا هُنا.

* اجتماع العائلة أجمعها، حتى المتفرقون في مُدن بعيدة، والمشغولون في أعمال تطلب غياب عن وجوه الأحبة، اجتماعهم وكأنه لم يمض على غيابنا سوى ليلة واحدة.
اجتماعهم مليء بتفاصيل صُغرى تُدفء القلب، لا يمكن حصرها، لكن للقلب حسابات أخرى.

* أناقة الأطفال الصغار، ازيائهم المُبهجة، أياديهم المتسخة بالحلوى والشوكولاتة، وجه “لين” الذي يرجوني أن أفتح الحلوى المصاصة المستعصية على يديها الصغيرة، يد “حلا” التي تحاول أن تطول صحن الشوكولاتة بيدي، ابتهاج “جود” بالدُمى الجميلة كعيدية من أُمي، قُبلات الصغيرة “رند” لـ صغيري “عزوزي” ابن أخي، تراه بسرور كأنه خارج من صندوق هدايا.

* مشهد حُضن جدتي لأختها بعد طول غياب، أشجاني بشكل عجيب.. لا شيء يُظاهي اخماد جمرة الشوق المتأججة في الصدر، واحيانًا يطوف بي تساؤل: هل جمرة الشوق تُخمد حقًا؟ لا أظن، فالمحب بالمحبوب مكلوف ومشتاق.

* وجه جدي المرحب بي ويديه الممتدة لي، حتى توبيخه لنحافتي التي لا أراها نحافة -كطبع متأصل بين الأجداد والجدات-.

* الأبواب المُشرّعة نحو وجه من أُحب.

* اتصالات الأصدقاء المفعمة بالحُب، و وفرة الألفة بيننا مهما غابت أصواتنا عن بعضها.
تقول صديقتي العزيزة جدًا عن صوتي أنه بدا “مألوف وسعيد” رغم نُدرة الاتصالات بيننا. سعيدة باتصالها، وكُل الأصدقاء.

وكان صوت صديقتي الأخرى “رهف” عيد ثاني بأفراح ثانية أرجوه كُل عيد.

* زيارة خاطفة لمطعم هندي لذيذ!

* شاي مثلج بالباشن فروت.
حين بحثت عن فاكهة -الباشن فروت- عرفت أنها تسمى بـ فاكهة العاطفة!
أحببت مسماها، كان الشاي بارد جدًا، ممتلء بالنكهة الحادة الحلوة الحامضة بشكل غريب ومفاجئ ومدهش.

* الغناء في السيارة وتسجيله صوتيًا
ولولا نشاز أصوات العائلة، لوضعته هنا.

* إطعام الطيور وإسقائها صباح ثالث أيام العيد مع ابنة أخي -ريمي-.

* قهوة الخامسة والنصف فجرًا لأول مرة بعد شهر من الانقطاع.

* مُفاجأة صديقتي لي بالقهوة والبُن والدونات في مغرب أول يوم عيد!
اعتبرتها عيدية حنونة وسعيدة للغاية.
تذكر التفاصيل الرقيقة واستحضارها في أوقات مزدحمة يعني لقلبي الكثير.

* سيلفي مع أختي في طريق الذهاب لبيت جدي صُبح العيد.

* أطعم لاتيه ذقته منذ فترة طويلة جدًا.
-لا أشرب بكثرة أي شيء فيه حليب لدواعي صحية، هذه المرّة كأنه صُنع خصيصًا لأجلي!-

* دهشة ريمي لهدايا العيد مني ومن أخواتي.

* مفاجأة أخي لي، بسماعات جديدة عوضًا عن سماعاتي التالفة حديثًا.

* التقاط صور “عزوزي” كونه أول عيد بحياته الصغيرة.

* رسالة الاطمئنان اللطيفة من خالي إبراهيم بعد يوم العيد الأول.

* تأمل لوحة ذكرتني بأيام الطفولة.

* دروسي للغة الأنجليزية مع معلمتي، ومثابرتي في التعلم.
نصحتني معلمتي أن استخدم وصفات الطبخ الأنجليزية كطريقة فعالة للتعلم، لأن الطبخ يُشرك كُل الحواس.. وجدت هذا شاعريًا جدًا؛ تناغم الحواس مع بعضها، والتلذذ بالمذاق المُدهش، فقررت اختيار وصفتيّ من الكعك لم أجربها من قبل وخبزها خلال صباحات هذا الشهر. (كعكة الزنجبيل والسكر البني ، كعكة الزبادي )

* أُهديت لي من شخص عزيز للغاية، ساعة جميلة لطيفة كما أرغب بها، كانت رفيقتي في الثالث الأيام الأولى من العيد.. سعيدة برفقتها.

* إعدادي للقهوة العربية في أول ساعة من استيقاظي، طوال الأيام الثلاث الأولى.. كنت أحتفي برائحة البُن والهيل.

* النوم العميق في شوال له لذة خاصة، مصحوبًا بهدير التكييف البارد.

* معمول التمر باللافندر، آخّاذ.
تُفاجئك النكهة في نهاية اللسان، كأنها تخدعك طوال مضغك لتدهشك في النهاية.

* نبات البوتس الذي زيّن الغُرفة آخييرًا.

* اقتباس مجتزء من كتاب -أثقل من رضوى-
الكتاب الذي لطالما كان جزء من قائمتي القرائية، ولم اقرأه بعد، لفتني هذا الاقتباس.. أُضيفه لقائمة امتناني.

* مفرقعات العيد.. بهجة وأُنس وجو آخر.

* آيسكريم التوت اللذيذ مع عائلتي الكبرى.

* بنطالي الجينز الأنيق، لم أرتدي الجينز منذ فترة طويلة، كان هذا أنيقًا جدًا مع قميص حريري بطبعة شرقية ذات نقوش صفراء وسُكرية وذهبية!

* فُستاني لصباح العيد، أحمر قاني.. كأحد ألواني المفضلة.

* هدوء غرفتي بعد ضوضاء عارمة استمرت لأيام، ضوضاء صوتية وحركية أحببتها أي نعم، لكن لا شيء يُشبه الهدوء بعدها.

* عيديتي مني إلي كوب زاهي جدًا، بألوان مُشرقة.. أحببته.
كنت أرغب في كتاب معين، لكن الكوب آيضًا كان جميل وجذاب.

انتهت قائمتي، وبقى الكثير غيرها، اكتبها في مذكراتي، أو احفظها في قلبي، أود لو أن يستمر الامتنان فيّ وفي قلبي وبين روحي، وينتقل لك.. أي نعم أنت.
وكُل عام وأنتم بخير.. عيد فطر سعيد لكم يا اصدقاء المدونة.

تمت في يوم الاثنين:
السابع عشر من مايو|٢٠٢١م
الخامس من شوال| ١٤٤٢هـ

٣:٢٥ ص

إلى إليزابيث جيلبرت.

نيســان| مجهود شخصي.

هُنا توثيق رسالة إلى إليزابيث جيلبرت، صاحبة كتاب “طعام صلاة حُب”، رسالة كُتبت بصدق نقي.

ملاحظة: قد يكون هناك إشكال على من لم يقرأ الكتاب سلفًا.

•••

مرحبًا صديقتي العزيزة ليز!

تخيلت أنها رسالة بريدية كتلك التي بعثتِ بها، حين كُنتِ في بالي إلى اصدقاءك من جميع اقطاب العالم، اقتحم تلك القائمة وادّعي بأني منهم!

لما الادعاء؟ حسنًا لأخبرك أن شهر أبريل/رمضان المنصرم كان استثنائيًا في كُل شيء، أخبرت في حديث عابر مع صديقتي، أنه كان شهر الركض، سريعًا قاطعًا لكل شيء.

كان رمضان هذا العام غريبًا آيضًا، أمضيت وقتي في المطبخ وحيدة بعض الشيء، أخرجت بها أطباق مختلفة، لكن ما أفخر به حقًا.. طبق اللازانيا الألذ، نعم تذكرت أنا آيضًا إيطاليا وبيتزا مطعم بيتزيريا دا ميكيلي المكان الحلم!

-بيني وبين البيتزا علاقة عاطفية شديدة العمق، حتى أني كتبت عنها تدوينة كاملة لم أنشرها، لما؟ من يود أن يقرأ تدوينة كااملة عن البيتزا.. إلايّ؟-

في أول الشهر قررت المضي بقراءة كتابك “طعام صلاة حب”، كهدية خاصة لشهر ميلادي، لذا ادعائي بكونك صديقتي صائبًا.. وآيضًا دعيني أخبرك أولًا لأتخلص من عقدة الذنب :آسفة لقد قرأته إلكترونيًا !

حينما أنتصفته قررت المماطلة حتى لا تنتهي صفحاته بسرعة، تُشبهني تلك الصفحات والكلمات، وحينما أنهيته شعرت بحزن عميق.

كانت نهاية الكتاب، بداية جديدة ليّ، شعرت وكأن ليز الكاتبة، تشبه إحدى الرهفات القابعة في دهليز روحي هنا في الداخل.

“فبقيت أقنع نفسي لوقت طويل أني انحرفت قليلًا عن الطريق، وأنني سأجد طريقي مجددًا في أي لحظة”.

قلت لنفسي نهاية العام الماضي مثل هذا الكلام، مثله تمامًا.. ظللت الطريق شهورًا تجاه نفسي، تُهت بين أشياء هي مُجرد لطائف مؤنسات أو جارحات في الطريق، وظننتها يومًا هي الطريق كُله.. لن تصدقي خيبة أملي الكُبرى حينما عرفت هذا!

“هل ثمة ما يمكنك تغييره في هذا المشهد، رهف؟”

حاولت، تُهت، بكيت، رحلة الذات إلى الذات عميقة جدًا طويلة، غائرة، شائكة، فيّاضة، مليئة بكُل شيء، بالجراحات القديمة، بأحداث الطفولة المتجذرّة، بأمواج هابطة وصاعدة في بحر هذا العُمر المتلاطم… لكن هُناك ما يمكنني تغييره يا ليز، شيء ما يجب أن يحدثه، خُذلت؟ حسنًا هذا كان في الماضي من أقرب اصدقائي، تألمت؟ مرضتِ؟ جُرحتِ؟ تجرعّتِ ملح تيار الحياة الجارف عكس اتجاهك؟ كله كله في الماضي!

الآن واليوم هو ما يمكنك تغييره رهف.

عجلة كُل هذه المآسي دائرة من جديد، لكن عليّ التدرّع بأفضل ما يمكن؛ لتخفيف وقعتها.

“وترعبني فكرة ألا أتمكن من لملمة شتات نفسي مُجددًا”

كان هذا هاجسي آيضًا، نظرتي للوقوف وأنا ممدة للأرض، نظرة وجل شديد، هل يُمكن الوقوف بقدمين عاريتين خائفتين ضعيفتين مجددًا؟

أتذكر معكِ: “ينبغي عليك ألا تعطي نفسك فرصة للانهيار، لأنك حين تفعلين ذلك يتحول الأمر إلى نزعة لديك مرارًا وتكرارًا، عليك أن تعودي نفسك على أن تبقي قوية عوضًا عن ذلك”.

تعجبني رفاهية الانهيار، الوقوف ساكنًا دون حراك، يتمدد هذا الشعور في الداخل ككسول مضى كل يومه واقفًا، وحان وقت استلقائه، لكن لا.. احيانًا ذاك الانهيار غير متاح، ونستدين بالمتاح من السلوكات التي لا تروقني احيانًا، كبؤس يشمل يومي كاملًا.

ولكن القوة أين القوة حينها يا ليز؟

في خضم الأشهر السالفة بحثت عن كلمتي، الكلمة التي تُمثلني بكل أشكالها، تمثل حياتي وما أرجوه… لن تُصدقي وجدتها !

وجدت كلمتي ليز، وجدت شغفي آيضًا.. كان غريبًا، مميزًا، مُدهشًا.

لم أُخبر به احدًا، لا أعرف لما أدس شغفي وأضمه بعيدًا عن الأعين، ولكني أُحبه.

برأيي يا ليز، أن تكامل سد فجوات الروح المُتعبة، يكمن في سد احتياجك من الأكل والروحانيات.. مثلما فعلتِ.

كنتُ دينيًا أظن بأني على ما يُرام؟ لكن كان هذا انعكاسًا كاذبًا، المرآة لا تعطي أبعاد الصورة الحقيقية، واحتياجنا لله ضرورة مُستمرة، لا تخبو ولا تنقطع ولا تُكتفى.. بدأت رحلتي الخاصة في معرفة أفضل طريقة تربط عقلي وقلبي وروحي ولساني بالله، تُشعرني بقُربه أكثر، تُضفي على قلبي غلاف من حنيّة، أتردد في قول: “وجدتها” لأني أخشى بعد عُمر أتوه مرة أُخرى… لكنيّ وجدتها !

الدعاء.. أخبرت إحدى الرفيقات همسًا بهذا بداية الشهر، قُلت أريد أن أُصلح طريقتي في الدعاء!

أن يكون خالصًا، مليء بالرجاء، حد أنه يستقر في قلبي وعقلي ثم يترجمه لساني، لم أصل للحد المنشود، لكن.. رأيت من نفسي محاولات شخص سيصل، في كُل دعاء يتملكني فائض شعور مختلف، مزيج رقيق، يربطني بربي أكثر من أي عبادة أُخرى.

و فعليًا لم أكن أدعي.. بل كنت أنا الدعاء. وهذه نقطتي الفارقة.

مثلما قال لك الغورو: ” كن عالمًا بتجربتك الروحية الخاصة بك. أنتِ لست هنا كصحفية، أو سائحة. أنتِ هنا كساعية، استكشفي بالتالي”.

وهذا ما أفعله.

“لن أكون مرسى للأفكار الضارة بعد الآن!”

يا لها من شجاعة، كُل الأفكار الضارة طبيعيًا تمرّ بالإنسان، التشبث بها، يخلق انسانًا مُتشائمًا عبوسًا، ومرورها على شواطئه يكفل له توازنًا مريحًا.

لا أظن بأني كُنت مرسى لفكرة ضارة، تداعيات الأفكار من مشاعر كانت تلحق الضرر بي، ولكني أُعالجها باستمرار متدفق، أصدها ما استطعت، وأدع مرورها طبيعيًا بسيطًا؛ لأني ببساطة الأمر انسان، تلحقني تهويلات العاطفة تجاه أي فكرة، فتصيّرها جنةً أو جحيمًا، المهم أن أعيش مرورها، وأدعها ترحل، ببساطة الأمر وعمقه.

“محور السكينة هو القلب، توقفي بالتالي عن بحث أجوبة في العالم، وعودي إلى ذاك المركز، وستجدين السلام”

القلب، آه من القلب. إن فسدت أيامي اتجهت لإصلاحه، مماهاته عن شعور ضال، أرضيته، أو تركت سبيله ليمضي في شجواه حتى تجف ماؤها، ويُعيد أتزانه.

على ذكر الاتزان، قُلت مرة أن التناقض حالة إيجابية في المرء، كونه يبقى غير متناقض أي أن أعوامه باتت راكدة، والركود موت في تعريف آخر. والاتزان شيء من التناقض برأيي.

أُحب التوازن وأسعى له إلا في حالة واحدة قالتها لك وايان ذات يوم: ” اختلال التوازن احيانًا لأجل الحُب هو جزء من عيش حياة متوازنة”.

“ولكن السعادة لا تأتي هكذا، بل هي نتاج مجهود شخصي. على المرء أن يحارب لأجلها، يكافح لأجلها، يصر عليها، واحيانًا أن يجوب العالم بحثًا عنها”.

تعرفين ليز؟ أطن أن حياتنا هي حرب شخصية للبحث عن السعادة، ركض كامل للسعي خلفها، نجنيها مرةً في منعطف ما، فتغادرنا لمنعطف آخر مجهول، ونستمر في السعي.. المهم في حربنا هذه، نتدرع بالرفقة من عائلة وأصحاب، وبشعور الطمأنينة، والثقة والأمن، فبعدها لن نهتم بلحظية السعادة، نعرف أننا سنلتقي في آُخر، لكن إن فقدنا درعنا، فاكتساح البؤس والحزن أسرع.

دائمًا ما أيقنت أن الرفقة، معنى آخر لرحلة آمنة.

وأنا أُصر على السعادة، أن أجدها عند كُل منعطف، متشبثة بالطمأنينة، لا زلت أهلع حينما أفقدها، ولكن للمحاولات شرف مؤنس، يحبس الدمع، ويغلف الروح بشجاعة لا نظير لها.

أن تحاول، أن تُصر، أن تكافح… إذن ستصل، ستلقى جواب يسرّك، كانت هذه مواساتي، مع كثير من خيال وأمل جامح جدًا.

“السؤال بالنسبة إلي، ما هي خياراتي الآن؟”

إنني في مرحلة الإجابة الآن، مصباحي سؤالي، أنار لي موضع قدمي، فوجدت قائمة خيارات تناسب ما أبحث، نتاج عدد لا يُحصى من جلسات اكتشاف نفسي العزيزة أولًا، فأعطاني تفسيرات عميقة لما يدور في فلكي، من سلوكيات، و روتين، وأنماط، ومشاعر وعاطفة، وعلاقات، وأحداث، وذكريات، ومآسي وجروح، وأحلام وآمال.

كانت البداية منذ أشهر، لكن هذا الشهر كان بصحبتك أكثر تقنينًا، ووضوحًا، ودفء، ولُطف جمّ.

شكرًا يا صديقتي العزيزة، على كلماتك هناك في هذا الكتاب الملهم، ذا الرحلات العميقة الشيقة، فتحت لي آفاق أوسع، في روحي والعالم.

صديقتك المخلصة: رهف.

تمت يوم الثلاثاء في:

الحادي عشر من مايو|٢٠٢١م

التاسع والعشرون من رمضان|١٤٤٢هـ

٦:٣٩ ص