قُصاصة أُسْبوع.

العشرون من سبتمبر| بصُحبة كوب من الكورتادو اللذيذ!

أُحب تدوين يومياتي جدًا..لذا هُنا سأكتب قُصاصات يومية من أسبوعي، جزء من الأسبوع أو الأسبوع كاملًا إن استطعت.. ولكنها ستظل قُصاصة!
أُدون لمحات من يومي وأفكاري وما يجول في خاطري لا لتقييده، لأني أعتقد أن الكتابة لا يمكن أن تُقيد بل تحرر فكرة، أو نصًا، أو شيء مما تعلمت؛ لهذا وددت أن أحرر كُل هذا وأفك أسره هُنا.

***

١٦ سبتمبر | الاربعاء

تكرار مشهد ما، بالنسبة لي لا يعني عاديته!

احاول دائمًا ان انظر لكل شيء باتت روحي تعتاد وجوده من زاوية مختلفة اكثر… أعتقد الامتنان للحظات السعيدة غير كافي للشعور بالسعادة، الامتنان لكل تلك اللحظات المعتادة والموجودة حولنا يُشعر الانسان بالسعادة على مدى أبعد.
دائمًا ما تكون اللحظات العادية باهتة، اكسابها لمعانًا في حياتنا يعني ان ينعكس ذلك علينا.

حتى ولو كان لمعانًا بسيطًا فواحدًا مع آخر تصبح اللحظات براقة جدًا.
لما لا تكون كل تلك المشاهد العادية.. براقة في أعيننا؟
هذا السؤال يدفعني للتفكير العميق وكتابة كل المشاهد المكررة في يومي بشكل نُقطي، وإعادة التفكير لكل اللحظات والمواقف الصغيرة في يومي.

————

١٧ سبتمبر| الخميس

النوم في منتصف اليوم، دليل هروب!

أظن أنه وسيلة لمحاولة تجاوز الساعات بأكبر قدر ممكن، ثم لا يمكنني مقاومة سرير بارد وغرفة مظلمة.. من يفعل؟
احيانًا عليك التخلي عن كل الشعارات التي تدفعك للمقاومة، لا بأس بقليلٍ من الهروب والخوف والمزاج المُعكر، والاستسلام احيانًا سلام.
**
السهر يبدو مُمتعًا ولذيذًا كما هي عادته، حتى لو دفعك لمقابلة ما يؤلمك وجهًا لوجه!
ودائمًا أجدني في هذه المقولة:
“نحن الصباحيون عُشاق المسا
نختار نصف الضوء والعتماتِ”
**
مزيج سهرة الخميس الوحداني هذه المرة كان غريبًا، الاستحمام بعد أن وضعت زيت جوز الهند على شعري، الاستلقاء على الأريكة بجوارب جديدة وشُرب بيرة الشعير بالرمان، ومشاهدة فيلم.. مزيج جديد أحببته!

————

١٨ سبتمبر| الجمعة

للجمعة رائحة تختلف عن كُل الأيام!

دومًا ومهما استيقظت بمزاج سيء، إلا أني أحتفي بالجمعة في داخلي، وأقدر أننا مجتمع يحتفي جدًا بالرائحة.. فارتبط لدي يوم الجمعة برائحة العود، والقهوة العربية نهارًا مع العائلة.. أُحب هذا.
**
“الذنب ليس دائمًا عاطفة عقلانية”
مقولة لأحد أبطال مسلسل شاهدته اليوم، ويعني بذلك أن الشعور بالذنب ليس دائمًا شيء يحتكم لأسباب منطقية.. أعتقد يرجع احيانًا لسبب عاطفي بحت، غير عادل بحق أنفسنا.
وفي ذهني تساؤل هل كُل ما حملت نفسي بذنبه في أي فترة من حياتي يعود لأسباب عقلانية؟
أقصد تلك الأشياء التي أرهقتني وظننت أنها تحت وطأة فعلي.. وهي على العكس.

———

١٩ سبتمبر| السبت

بدأ يومي بجملتي ابتدأتها بـ “ياريت لو” وهذا مؤشر لسوء يومي!

“ياريت لو كنت شخصًا لا يبكي بسرعة!”
“ياريت لو كل الناس صادقين مع أنفسهم!”

وبذكر الصدق قبل فترة طويلة نسبيًا قرأت تغريدة في التويتر كانت كالتالي:
“we need to be honest with ourselves before asking people to be honest with us…”

فحثتني أن أقف مع نفسي وقفة صادقة، أفكر في كُل الأشياء، مُحاولة أن أكون صادقة مع نفسي، وفي شعوري ومشاعري، وأظن أني ممتنة لنفسي بهذه النقطة.. صدقي مع نفسي!

لأني كنت أعي كُل حقيقة شعور، مثلًا لا أكذب على نفسي حين أُحس بالفشل أو الكسل أو أني قمت بفعل خاطئ تجاه أحدهم، لا أُزيف شعوري ولا أُغطيه تحت أي عذر، أُقر بشعوري ذاك، وأعترف به.
شعور الراحة الذي يأتي مع فهم المشاعر على حقيقتها يستحق فعلًا العناء، ذلك يُعرّفك بنفسك الحقيقية فلا تستوحش إن واجهتها، ولا تبتئس باختياراتك لأي شي.. لأنها تجعلك تختار ما يُلائمك دون تزييف، آيضًا يملء قلبك حنانًا تجاه نفسك فتجدك رحومًا طيبًا متفهمًا لها.. ألا يستحق عناء الصدق وإن أوجع؟

***

اقتباس القُصاصة:
“فلو لم يُطاردك ريحٌ ورعدٌ وبرق.. لما صرت يومًا مَطر
ولو لم يُحاصرك جيشُ الظلام.. لما كُنتَ نجمًا يُرى أو قمر”

أتمنى لكم أيامًا طيّبة . . .

تمت،
تحديدًا يوم الأحد:
الثالث من صفر|١٤٤٢هـ
العشرون من سبتمبر| ٢٠٢٠م

٤:٢٧ م

من نافذة السيارة

الخامس من سبتمبر| سيارة أخي

لا أعرف ما الذي يأخذني من نفسي حين أخرج في نزهة داخل السيارة، وهذا كان منذ طفولتي وفي وقت باكر جدًا تعلقت بالجلوس في الشق الأيمن من السيارة بالخلف!

وهذا المكان المفضل لي دومًا، أقترب من النافذة وعيناي تحاول ضم كُل شيء، كُل شيء بما تعنيه هاتين الكلمتين..

وعلى ضيق رحابة السيارة إلى أن نافذتها الصغيرة تلك تأخذني لعوالم أُخرى، تُخرجني من هذا المحيط؛ لأطير لمساحات أكثر رحابة وامتلاء ودهشة وتأمل!

لطالما وقعت في مآزق كثيرة حين أسرح وأحدهم يتحدث إلي، فيباغتني بسؤال لا أسمع إلا نهايته.. ويكون المخرج بـ: “اممم مدري والله يمكن رأيك صح” ، أو “صح عليك” ، واحيانًا كثيرة أُقر بسرحاني فيعيد الذي يكلمني حديثه أو يغضب.. فأتأرجح بين الخجل وتأنيب الضمير.

التفاصيل عبر النافذة تأخذ دهشتي بشدة، أُناس عابرون، ضاحكون، نساء وأطفال يهرولون، امرأة تحمل بضاعتها فوق رأسها متجهه لمكان قريب من الحرم – وهذا مظاهر منتشرة في مدينتي الطيبة- ..

( ٢٢ ماي ٢٠١٩ ، ٥:٣٤ ص .. بعد صلاة الفجر)

رجل يفتح دُكانه، آخر يريد شراء حاجياته، “بسطة” بائع الخضار، انتشار السيارات وقت هطول المطر وبداخلها وجوه مكسوة بالفرح، ابتسامة طفل في السيارة التي تجاورنا أثناء التوقف لإشارة المرور، قطع أحدهم للطريق مشيًا دون أن يأبه بالسيارات فأفكر حول استعجاله.. هل لأنه سيقابل مُحب هُناك؟ أم كانت عجلته لتعب يشكوه؟ أو لأنه شخص عجول لا أكثر!، أنظر لمحالي المفضلة، لتعابير وجوه مرتاديها، لمرتادي المساجد سواء كانوا مُصلين أو زوّار، أغرق في لهو الأطفال وشيبة الكِبار وانحناء ظهورهم أتخيل ما عايشوه، ويظل ذهني مشغولًا بالخيال وعيني تلتهم التفاصيل والصور… وأشياء لا أستطيع حصرها لكن تأخذ بمجامع قلبي.

( ١٩ جون ٢٠١٩ ، ٧:٣٨ ص .. سوق الخُضرة)

( ٢٢ ماي ٢٠١٩ ، ٦:٤٢ ص .. زوار مسجد قِباء)

النافذة المبللة وقت المطر، أشعة الشمس المتسللة عبر انعكاس الزجاج، أسراب الطيور المحلقة، سحابة وحيدة في كبد السماء، تلك الجبال التي تُحيط بمدينتي، أوقات الشروق والغروب الساحرة، منظر الأشجار المتناثرة، جمّع الله شملها وزادها بركة وكثرة وطولًا واخضرارًا.. آمين.

(٢٢ جولاي ٢٠٢٠ ، ٦:١٦ ص… مسجد قِباء)

( ٣ سبتمبر ٢٠٢٠، ٤:٥٣ م… سماء حي عُروة بن الزبير)

( ١٣ جولاي ٢٠١٩، ٥:٢٣ ص .. شروق طريق المدينة- ينبع)

( ٥ ماي ٢٠١٩، ٧:٢٣ م… غروب آخر يوم في شعبان)

بصدق لا نظير له.. يسكن قلبي الحزن حينما أرى منظر بديع، أو تفاصيل صغير ربما يتكرر الاف المرات إلا أني أجد أحدهم غارق بحيوات أُخرى، تهميشًا لحياته واستحقارًا له، أو لظنه أن الجمال يسكن بعيدًا بعيدًا عنها، الجمال في كل مكان تحط عينيك عليه، ليست الأعين التي ترى وإنما الرؤية تكمن من القلب وفي القلب، يكفي أن تلتفت لترى منظر ساحر، أو لمشهد عذب، أو لسماء آخاذة..

أدركت هذا المعنى قبل سنوات من الآن، الجمال ينبع من القلب، كان هذا شعارًا ودافعًا لكل مرة أتنزه بها أو التقط صورة، أو لأحفظ ذكرى.. مؤخرًا وقبل نهاية عامي الجامعي الأخير في حسابي بـ instagram وثقت القليل من الصور وأرجو أن أوثق المزيد.. كان نصب عيني هو كتبته في بايو حسابي : “إن الجمال نصيب المتأملين”.. وأدعو أن نكون منهم.

أوطاني الصغيرة تلك.. نعم أوطاني، أشعر بالانتماء لكثير من الأماكن، وأظن الانتماء هو الذي يحول المساحة إلى وطن، لما نقول عن قطعة أرض وطن إلا لإحساس الانتماء حد النخاع فينا؟

لهذا هُناك أوطان صغيرة تسكنني كما أسكنها، أماكن عيش الأحباب، أماكن قضيت بها طفولتي، أُخرى كانت تضم لقاء عزيز، ثانية كانت مكان حفظ تفاصيل كثيرة عني عن من أُحب عن ذكريات شكلتني أنا كرهف أو شكلت أحبابًا لي، ثالثة حين أُفكر بأن هذا المكان قد رأه أحدًا أُحبه، مرّ عليه، ينظر لنفس السماء ونفس الشمس نهارًا ونفس القمر ليلًا ..فأُحس بها بانتماء الوطن.

⁃ أُحب كل الطرق التي تؤدي لأحبابي كثيرًا، أُحبها حد الانتماء، فأشعر وكأن هذا الطريق تقف خلفه عيون أحببتها وقلبٌ دعيت بدوام نبضه، وخاطر لطالما كانت قضيتي الأولى أن لا يُكسر.. لما لا أنتمي؟-

شيء يشبه مافي هذا الاقتباس من انتماء:

‏”قد يدفعك شخص واحد أن تحب مدينة، ثم حي، ثم شارع، ثم أصحاب الدكاكين الموجودة فيه، ثم الجيران، ثم بيته، ثم والديه، ثم لونه، ثم قهوته، ثم المشي لمسافات طويلة، ثم التفاصيل الصغيرة، عيون واحدة قادرة على جعلك حي بكل ما تحمله كلمة حي من حياة مخزونة.”

(صور لبعض أوطاني الصغيرة.. كم هائل من شعور الانتماء، وهناك الكثير)

أحرص دائمًا على التقاط الكثير من الصور عبر نافذة السيارة، أحب توثيقها كُلها، حتى وإن كنت مبتدئة في التصوير بل احيانًا كثيرة فاشلة… -كُل الصور هُنا من التقاطاتي- ، ولكن صور نافذة السيارة مختلفة تمامًا، أُحس بأنها صور صُنعت من أجلها الكاميرات..

(يربطني ود عجيب مع هذا التقاطع أُحبه، أحب تصويره صحوًا كان أم ممطرا- تقاطع الدائري الثاني مع طريق الهجرة النبوية)

أصبحت أكثر حرصًا بعد الحجر المنزلي، كانت كل تلك الصور متنفسًا، كانت بمثابة رجوع للحظات السعيدة، للرفقة والأحباب، للأيام الحلوة، وللخارج نعم الخارج ذاك الذي حلمنا به وانحرمنا منه لأشهر!

صور صُنعت من أجلها الكاميرات:

أسكن في مدينتي الطيبة، هُناك حيث أزق الحرم تبدو أكثر سكينة من أي بُقعة في العالم، لذا أظن بأنها من نوعية تلك الصور، بكل مافيها من جمال وبهاء وعفوية وعذوبة وسلام.

أحب التقاط صور كل المباهج والتفاصيل التي ذكرتها آنفًا، بالإضافة لكل الصور العائلية ومقاطع الفيديو من داخل السيارة، صور لوالدي ولأخوتي، لضحكة ابنة أخي..ويديها، كُتبي وساعاتي وشنطي وأي سوار على معصمي، ولمشروباتي المفضلة من قهوة أو شاي أو العصائر والآيسكريم.. -حيث أني في عائلتي اُشتهر عني بحُب المشروبات والمثلجات أكثر من الأكلات.. صدق أو لا تُصدق!-..

( بغض النظر عن طعمه لهيب الشمس خلفه يُصر علي بأن لا أُفرط بقطرة واحدة منه- في الخلف أحد بوابات حديقة الملك فهد المركزية)

حتى حين أُسافر، أصور من نافذة السيارة، لأحفظ بها وجه المكان، معلَم لطيف، ضوء إنارة منير.. وكل تلك التفاصيل الصغيرة التي تُدخلنا في أجواء تلك المدينة، أو تسقطنا في حُبها..

(٢٥ جولاي ٢٠١٨، ٧:٢١ م … غروب مدينة جدة)

(١٢ جانيوري ٢٠٢٠، ٧:٣٢م… مدينة بريدة- القصيم)

أعتقد أن تصوير المباهج والمسرات لا يُذهب لذة عيشها وإنما يعيد اللذة مرات كثيرة لا تنتهي، لطالما كانت تملؤها الحنية في لحظاتنا الصعبة تطبطب على قلوبنا، تُزاحم وحدتنا.. ونمتن لها جدًا.

لا أعرف إن كانت هذه التدوينة الأولى والأخيرة كـ صور من نافذة السيارة، أتردد كثيرًا وأفكر في جعلها سلسلة تدوينات للالتقاطات المبهجة من تلك النافذة.. ربما شهرية أو سنوية أو تنتهي هُنا.. لكن ما أعرفه أني لن أتوقف عن التقاط الصور ابدًا.

اخيرًا حين تسقط عينيك على لحظة ساحرة جدًا، أنتهز فرصة التقاط البهجة.. فتلك حرفيًا صور صُنعت لأجلها الكاميرات.

دُمتم ممتلئين بالجمال.

تمت..
تحديدًا يوم الأحد:
الثامن عشر من محرم | ١٤٤٢ هـ
السادس من سبتمبر|٢٠٢٠ م
٥:٤٩ م

الهروب من التساؤلات!

الرابع والعشرين من أوغست| أنهكني الصُداع، من سريري

أنظر للسقف ببلاهة منقطعة النظير، محاولة يائسة للهرب من الصداع، لديّ فوق كل عين عرق، ينبضان كما لو أن بداخل كُل منهما قلب خاص به
وتتقلب التساؤلات في ذهني، تقلب الكباب فوق الجمر -يبدو هذا تشبيه شخص جائع! نعم إني كذلك-
وأظل أقفز من تساؤل لآخر، أبحث عن ثقب للهروب ولا أجد.
ثقب للهروب!
كيف يكون شكله بالنسبة لي؟ طبعًا إجابة
الحل الوحيد لقتل التساؤل هو الإجابة بالتأكيد، ودون نقاش..
ولكن بعد تفكير عميق طويل، عرفت أن الإجابات محظ إسكات، إن لم تقترن بالمحاولة والتجربة..

ألتفت لكل خطوة اتخذتها مهما كان عُمقها أو حجمها، كان خلفها تساؤل!
لطالما كانت محفز لي، للسعي والتجربة والمحاولة وحتى الخطأ، كُنت فيّاضة بالاسئلة دائمًا، كانت تقف بجانبي، أو تحوم حولي تمامًا مثل الفراشات.
-احيانًا أخطط لفعل شيء ما أو هدف ما، ثم أتراجع بحُجة أني قد أفشل أو لأي حُجة كانت.. ويأتيني تساؤل مُسرعًا قبل أن تنتطفئ شرارة الهدف.. “لما لا؟” فتزيد تلك الشرارة ولا تنتطفئ بسبب تساؤل صغير!-
أعتقد أنها كانت تقيم اعوجاجي، أعترف أنها كانت قاسية علي احيانًا، لكنها علمتني أكثر مما فعلت الإجابات الواضحة..
عرفت بها.. طريقي وخلاصي، شغفي، ما إذا كان طريقي واضحًا وهو ما أُريده فعلًا، أو إذا كانت تلك العلاقة تؤثر في سكينتي وطمأنينتي، أو حتى إن رغبت بهذا حقًا أو كان ما أراده الآخرين لي…
وتساؤلات كثيرة عرفت بها حقيقة الأشياء، ليس كلها طبعًا..
وعرفت بها نفسي، في هذه المرحلة..
لما أقول في هذه المرحلة؟
-عُدت لطرح التساؤلات من جديد!-

لأنني عرفت تمامًا، أن طرح التساؤلات لا ينتهي حين أجد جواب يرضيني – جواب المرحلة-، وإنما علي أن استمر في طرحه لاحقًا؛ ليصحح لي اعوجاجي في المرحلة القادمة..
فهدفي الآن، يختلف عن هدفي بعد خمسة أعوام مثلًا وإن كان لا يعارضه..
رهف الآن، تختلف جذريًا عن رهف قبل الجامعة مثلًا
الجواب متغير، ويبقى التساؤل ثابتًا دومًا يُعيد إلي خارطتي وطريقي.
• الإجابات دومًا مؤقتة.

وبالرغم من ذلك وجدت أنها دافع حقيقي، للبحث والمعرفة، لإصلاح الاخطاء، أو للتواصل، وحتى لتعبير عن الحُب…
لطالما ظننت أن التجربة خير من النصيحة، وأفضل معلم للإنسان، ولا تُعقد التجارب بدون تساؤل جارف يدفعنا لها.

هل هي ثغرة من ثغرات الإنسان؟
أعتقد أن التساؤلات ثغرة في الانسان، تشد انتباهه، تثيره دومًا، لذا اتخذها أهل التسويق حُجة، فتستوقفك أغلفة الكتب التي تضم سؤال يثيرك، أو اشياء أخرى مثل ذلك..

دومًا إيجابية تلك التساؤلات؟
لا أنكر أنها غصة، أو شوكة في حلقي احيانًا … خصوصًا حينما لا أجد إجابة للمرحلة..
فيعيش أو يعشش التساؤل في ذهني، يعانقني، أو يلف يده حول يدي… حين أمشي، أو ألهو، حين أكتب، أو أطبخ، حين أتحرق شوقًا للنوم فيحتال علي للتفكير وأهجع وهذه إشارة لأرق قادم يرحب من بعيد، حين ألتقي برفيق أو شخصًا ما فيخطفني من عنده لأسرح بخيالات لا تنتهي..
لا أنكر أنها احيانًا تُحطمني، لطالما فعلت، وتموج في ذهني كـ : إن كان ما أقوم به يستحق؟، أو كان وجودي له معنى في مكان ما؟، إن كنت ابنة أو أخت أو صديقة بما يكفي؟، إن كان هدفي هو مضيعة للوقت أو استثمارًا له؟، إن كنت سأصل دون أن يفوتني القطار الذي انتظره واضعة تلك كومة التساؤلات ملاحظة في ذهني ألا وهي أن “ساقاي قصيرتان!” -لا بالله عليك وكأني لا أعرف!-
تموج بي حقًا، مدًا وجزرًا، جيئة وذهابًا.. ولا تهدأ !
ولكن ما فائدة كوني انسانًا يستطيع المحاربة والوقوف والمواجهة بقوة والتجربة بنفسي ورؤية ذلك بأُم عيني؟
-هذا تساؤل آخر-

-أعترف بتناقضي بشأن كومة التساؤلات تلك، ولكن أحبذ أن أُشير أن للتناقض جانب ايجابي ايضًا، بغض النظر عن كونه جانب طبيعي في كل البشر على حد سواء، ولكنه جانب يدفعك للتوازن.. قرأت مرة أن التناقض حالة تدفع الانسان للبحث عن الموازنة بين ما يفكر به وما يريده وما يفعله، بذلك تحقق السلام الداخلي للانسان، وهذا صعب، لكنه غير مستحيل .. اطلاقًا-
أُحب التساؤلات حتى بعواطفي الانسانية، أعتقد بأنها أكثر رقة وأشد عذوبة، كل التساؤلات الأدبية أو النابعة عن مشاعر عميقة تؤثر بقلبي، وتسلبه!
وحتى التساؤلات العميقة في الكتب، لا أعرف ما الذي يستوقفني عندها لفترة طويلة، احيانًا اقرأها ثم أفكر فيها لأيام..أنسى أن أُكمل قراءة الكتاب، حتى أكتفي من التفكير به، أو تحتلني إجابة مرضية..
آخر تساؤل من آخر كتاب قرأته:

وهناك كثير من التساؤلات المخبئة في القلب، هناك في أعماق القلب، إن كانت أدبية أو حتى بين حديث الأصدقاء.. مثل: “كيف كان يومك؟” تُشعرني حقًا بأهمية الاستماع حتى وإن كان حديثي بسيطًا ساذجًا لا أهمية له..
ايضًا التساؤلات التي تنبع من أفواه الأطفال.. وما ألذها من أفواههم!
• أقرب التساؤلات تلك التي تكون من الأحباب.
لذا أعتقد أن للتساؤلات أثر خفي علينا، حتى وإن جلبت الصداع والأرق، لكنها كانت شيئًا يثير فينا الحماس مرة، أو القوة احيانًا أُخرى، والحيرة مرات كثيرة، ومرات دافع نحو معرفة شيء ما، أو معرفة أنفسنا، وحتى شيئًا رقيقًا يثير العواطف… ولكنها مهما كانت نوعيتها هي الخلاص لتحديد شخصياتنا ربما، ميولنا ايضًا، أهدافنا، وأحلامًا نتمناها كانت هي الطريق لها، وحتى أنها شيئًا عذبًا لنعبر بحُب عن مشاعرنا واهتمامنا بمن نُحب.

تساؤل المرحلة:
“ما لم تبكِ الغيمة، من أين للبستان أن يبتسِم ويُزهر؟”

تمت..
تحديدًا في يوم الأربعاء:
السابع من مُحرم | ١٤٤٢هـ
السادس والعشرين من أوغست| ٢٠٢٠ م

٢:٠٠ م

عزيزتي جودي أبوت..

العاشر من أوغست| أريكة غرفتي

عزيزتي جودي أبوت..
منذ مدة وأنت شخصًا مُتكئ في مخيلتي، أُحادثه وأستشيره، أسمع أفكاره واقرأه..نعم اقرأه!

مثلًا حين أتوجه من غرفتي للمطبخ، قاطعة هذه المسافة مُتحدثة إليك، أجد نفسي مُحاولة إقناعك بحديث صامت إلا يديّ تتحرك، أواجه أحد إخوتي حينها..فأضحك خَجله.
(حقيقة أفعل هذا حين أتحدث مع نفسي، ولكن صادفت عدة مرات تكرار هذا الموقف حين الحديث إليك في رأسي)

أكتب لكِ رسالتي هذه بعد أن أطلت النظر في السماء.. المنظر بديع حقًا، عليكِ أن تريه.. إنه شروق الساعة السادسة صباحًا، غرفتي تقبع في الغرب أي أن الشمس بعيدة عني في الجهة الأخرى، أنظر للقمر وقت الشروق يودع الكون بهدوء دون ضوضاء، الحمام يحلق في الأجواء برحابة، والسماء تشتد زُرقتها بمرور الوقت، ألتقطت صور من أجلك، ولكن في الحقيقة إني لست مصورة بارعة حتى أني لم أستطع إلتقاط صور مُدهشة لتحليق الحمام رغم كثرته سوى ما تريه هُنا!

****
مستلقيه على أريكتي ذات اللون الرملي الفاتح، لونها يُشبه رمل الشاطئ البراق، دافئة وحنونة، خلفي مخدة واحدة بيضاء على شكل غيمة، وبجانبي تختبئ النافذة خلف قطعتين من الستارة بلون اللؤلؤ ، ودائمًا هُنا اقرأ اقرأ اقرأ..

لا أرتدي مبذل أحمر ولا خفين فرائيين مثلك ولا أجمع المخدات خلف ظهري (حيث أنه ليس لدي سوا واحدة..سأشتري أُخريات مع بطانية جميلة للقراءة ذات يوم)..
بل أنني اليوم أرتدي بنطال أسود يميل إلى الرمادي، وقميص صيفي ذا لون أصفر باهت تتسلقه أغصان خضراء اللون، ترتمي عليها بخفة زهور وردية اللون، تقف فوقها فراشات باللون الأحمر القاني مع الزهري..وأكتب لكِ مستمتعة.
أتمنى حقًا لو أمشي معك في أحد يومين الأسبوع حينما تُقدم لكم الكلية المثلجات، ثم نجلس لاحتساء شاي ما بعد الظهيرة، وأتحدث معكِ عن كُل شيء، ونضحك سويًا فأنت إحدى النوادر التي حين اقرأ لها أضحك، وأصبح خفيفة!
هل حينها سأصبح قريبة منك مثل سالي ماكبرايد؟ أعتقد بأني سأتفوق على جوليا بندلتون بالطبع، أما سالي اممم لا أظن!
ولكن أقبلني كصديقة عابرة.

أُحب في كتابتك لعزيزك صاحب الظل الطويل..تقديم الأخبار المُبهجة على السيئة، أنه لمن اللطف الحنو على بعضنا حتى في الاهتمام بصناعة مزاج طيب وسعيد قبل الشروع في قول الأخبار السيئة..هل تعتقدين ذلك؟
أصبح كسر الخاطر أمرًا هينًا جدًا، والاهتمام بمداراة مزاج من نُحب مضيعة للوقت، أكره هذه الأفكار التي تنم عن أنانية مبالغة، أُسميها قسوة التفاصيل الصُغرى في العلاقات..
التفاصيل؟ حسنًا إني أهتم بشدة في التفاصيل، أكره انتظار عظام الأمور لإشهار حقيقة مشاعري تجاه أحدهم أو حتى العكس، لا أنتظر ممن يُحبني تقديم فعل كبير حتى أُصدق مشاعره وإنما تكفيني التفاصيل.. مثل تذكر شيء ما أُحبه، أو أي تفصيلة صُغرى تنم عن اهتمام..
(تمامًا مثلكا فعل جيمي مكبرايد حينما أرسل لك لوحة وتذكرك بها.. إنه لمن اللطف فعل ذلك)
التفاصيل ليست في العلاقات فقط، وإنما في الأشياء، والجمال والطبيعة وكُل شيء .. أنظر لزاوية ما بتفاصيلها فأرى جمالًا بديعًا، لا أحتاج قطع أميال لأرى مشهد خلاب، تكفيني التفاصيل لأرى الجمال.

**

في رسالة لكِ لعزيزك كتبتِ ياجودي:” يمكن لأي أحد أن يقاوم أزمة ويواجه مأساة ساحقة بشجاعة، لكن أن تواجه متاعب النهار الرهيبة بضحكة، فذلك يتطلب شجاعة كما أؤمن فعلًا”
وتمنيتي بعدها أن تُنمي الروح الرياضية بداخلك، بالأخص حين تري جوليا وهي ترتدي الجوارب الحريرية!
بصدق ذلك الكلام بقي يتحرك في عقلي كثيرًا، وتعبت حقًا في مواجهة متاعب النهار، أنه لمن الصعب الاستلقاء على السرير في نهاية اليوم بروح خفيفة، دون أن نرمي أجسادنا على السرير بثقل وتعب وانطفاء، بغض النظر عن الروح الرياضية..لدي مشكلة في مواجهة متاعب النهار بخفة الطير وبشجاعة الأسد..
تعبت في خلق هاتين الصفتين كثيرًا، ركضت حتى نلتها، لا أقول بأنني نلتها تمامًا بل تقريبًا، كانت مفاتيح الصفتين كالآتي:
*تقليل توقعات الإنجاز أو توقعات مدى الروعة في يومي.
*قبل النوم أُبعد أي أفكار سلبية بشأن يوم غدٍ.
*إستراق بعض أوقات يومي في فعل ما أُحب، أو فعل اللاشيء مثل الجلوس على الأريكة والتأمل من خلال النافذة.
*تعلمت بعض حركات اليوغا التي تُفعل في السرير حين الاستيقاظ من النوم.

بسبب هذا قل تذمري بشكل ملحوظ، شعرت ببعض الراحة، وألحظ تحسنًا في مزاجي، أُشير إلى أني شخص مزاجي جدًا جدًا جدًا.

حسنًا عليّ التوقف عن الكتابة قليلًا، لديّ نداء استغاثة من أختي الصُغرى تُعد فطورها وهو عبارة عن طبق من البيض.. نعم البيض!
هل سمعتي بمعاناة الأخوات الكبار؟ حسنًا هذه واحدة منها..
تُكرر أُختي النداء.. سأذهب!


حين وصلت وجدت الوضع هكذا!
صحيح أننا شرقيات ولكن لا نُكثر البُهار على البيض مثل هذا، ولكنه خطأ..حمدًا لله أن الطعم لا يصل إليك، وإلا تذوقتي شيئًا أشد ملوحة من البحر الميت!
ملاحظة: أنا لا أُحب البيض بهذه الطريقة ابدًا!
**

من الأشياء التي علي الإشارة بها وهي حديثك عن الأوصياء، وحنقك الشديد عليهم.. أُحس بك.
دائمًا ما أُفكر كيف يكون العطاء مبتذلًا عند أُناس مثل هؤلاء يستكثرونه؟
أن تُعطي يعني أن تنسى هبتك، قد تجدها في طريقك على شكل هبات أُخرى، لكن لا تنظر بشغف تجاه المُقابل ابدًا.. تكفيك ابتسامة خافتة أو حتى لا شيء.
أن تُعطي يعني أن لا تستكثر، لا تغتر، لا تتكبر.
أن تُعطي يعني أن تحاول التواري عن الأنظار، لأجل منع خاطر المُعطى من الكسر.
أمقت من يلتفتون لرؤية ما فعلت أُعطياتهم بالناس.
العطاء أمر سامي جدًا، يُشبه وهب روح ضاحكة لشخص أنهكته الدموع.

**

“أنا لا أتفق مع النظرية القائلة إن الحظ العاثر والحزن وخيبة الأمل، تنشيء قوة أخلاقية، فالأشخاص السعداء هم أولئك الذين يفورون في المحبة.. لست أقتنع بمبغضي البشر”
—جودي أبوت

قبل أكثر من أسبوع كان يوم ميلادي.. (لا مانع من استقبال تهنئتك، فذلك فرح غامر لقلبي) ،أكثر شيء تمنيته لعامي الجديد وقد كتبت هذه الأمنية هو: أن يحفظ الله لقلبي طاقة الحُب..

الحُب لكل شيء ولأي أحد، تلك طاقة عُظمى، تحفظ سكينة قلبي واطمئنانه ودفئه، تدفعني لشغفي، تمد الحنان في علاقاتي، وتحرك دماء قدميّ لأركض خلف أحلامي، حين أنشر تلك الطاقة أشعر بسلام حقيقي في روحي.
حقيقةً لا أستطيع تسكين فكرتي تجاه الحُب على بيوت الأسطر وعزائي في هذا ما قاله فيودور دوستويفسكي :”إذًا أنت آيضًا يعذبك في بعض الأحيان أن فكرك لا تسعه قوالب الألفاظ! ياصديقي، هذا العذاب لم يوهب إلا لصفوة مختارة من الناس”
وأرجو أن أكون منهم يا جودي أولئك الصفوة.

ولكن كان الحُب شيئًا من ضمن الأشياء التي تمنيتها بعُمق في عامي القادم، كنتُ أُريد تمامًا مثلما أراد الطيب صالح في موسم الهجرة إلى الشمال حين قال :” إنني أُريد أن آخذ حقي من الحياة عنوة.
أُري أن أعطي بسخاء، أُريد أن يفيض الحُب من قلبي فينبع ويثمر.
ثمة آفـاق كثيرة لابد أن تُزار، ثمة ثمار يجب أن تُقطف، كتب كثيرة تُقرأ، وصفحات بيضاء في سجل العُمر.. سأكتب فيها جُملًا واضحة بخط جريء”

**

حين قمت بزيارة مزرعة لوك ويلو.. أُصبت بالغبطة، أُحب المزارع والطبيعة جدًا!
ونفسي تهفو لها، أحلم بالجلوس تحت أشجار عملاقة واقرأ كتابًا، أو أحتسي كوب قهوة أو فنجان شاي.. امم يا لدهشة الخيال!

-الخيال.. لقد تحدثتِ عن هذا في أحد رسائلك لصاحب الظل الطويل، وكنت أؤمن بكل حرف قُلتيه.. سأرفق كلامك هُنا.

وباستثناء ما تحدثتِ به، أُحس بأن الخيال قوة نستريح إليها من احتدام جدية الواقع، لا أن نحلق بها بعيدًا بل لنروح بها عن أنفسنا، ولتدفعنا نحو أحلامنا حين نتخيل أنفسنا قد وصلنا إليها.
آيضًا بالنسبة للأطفال، من حقهم على ذويهم أن لا يسلبوا الخيال منهم، فالخيال والتخيل ترقق قلب الإنسان، وتعزز انسانيته تجاه الآخرين وحتى نفسه-

كان علي أن أكون هناك في المزرعة كما تخيلت، أقوم بمغامرتي اللذيذة هُناك..ولكنه يظل حلم سأسعى لتحقيقه ذات يوم.. من يدري.
-هُنا تمنيت لو أن بأستطاعتي الرسم مثلك، لرسمت شكلي في المزرعة حتى تتخيلي كيف سأبدو!، ولكن سأرتكي لقوة خيالك-

**

قرأت في رسائلك سريّن تختصان بخَلق السعادة وكتبتها في دفتري الخاص، ورددتها كثيرًا، رغم إيماني الشديد بها قبل أن اقرأ كلامك، ولكن لأن لكلامك حظوة في نفسي لا أُخفيها، كان وقعها على النفس أشد، وددت لو بأني همست بهذي السرين إلى كل الناس وأحبابي خصوصًا..

—الأول حين قُلتِ:
” لقد اكتشفت السر الحقيقي للسعادك ياعزيزي، ويمكن هذا في أن تعيش اللحظة. وألا تتحسر على الماضي على الدوام، أو تفكر في المستقبل، بل أن تحصل على أكبر قدر من هذه اللحظة”

عيش اللحظة بتفاصيلها، يدعوني للتأني والروية، فأنا أكره العيش على عجل، اللحظة وإن كانت صغيرة بسيطة فإن غدت فلا تعود..صدقتِ ياعزيزتي.

—الثاني بعد أن أثنيتي على حديث قاله روبرت لويس ستيفنسون -صاحب رواية جزيرة الكنز-:
“إنه مُحق، كما تعرف فالعالم مفعم بالسعادة، ويمكنك اكتشاف الكثير منها، إن كنت راغبًا في استقبال ذاك الذي يُصادفك في طريقك، إن السر يكمن في المرونة!”
فعلًا يكمن في المرونة، فعليك أن ترتدي حذاء سميكًا حين تواجه الشوك في طريقك، وعليك أن تسبح حينما تواجه نهرًا، وفي حال أظلمت الدنيا عليك..يجب أن تُشعل نارك وتُضيء طريقك بنفسك.

كتابة رسالة إليكِ، شيء رقيق ولطيف ويبعث الدفء.. أرجو أني لم أُطل عليك ياعزيزتي..

المخلصة لك مع مودتها،
رهف.

تمت في يوم مُشمس كالعادة، بعد يوم ميلادي بثمانية أيام..
تحديدًا في يوم الأثنين:
العشرين من ذي الحجة| ١٤٤١هـ
العاشر من أوغست | ٢٠٢٠ م
١٢:٥١ م

لماذا اختلاس؟

لماذا اختلاس؟

كتبت مؤخرًا في التويتر، أن شعار مرحلتي هو: “إنما العيش اختلاس

لكن هل يا تُرى نحن مُجرمين، حتى نختلس العيش لنحيا حياة طيبة؟
وكعادة رأس رهف، تعوم به الأسئلة دون توقف، إلى حين يقضي الله الأمد!
قررت مليًا أن أُجيب، لأرحم هذا الذي يعلو فوق أكتافي من الأرق، ولأُعيد ترتيب أيامي..

مرت علي هذه الأيام الماضية، بأسئلة تكاد تفتك برأسي الصغير، هذا الرأس الحائر، الملبد بغيوم اعتمت الرؤيا… تمضي الأيام أو تمضي بي الدنيا، وأنا واقفة كمن تاه في المطاف، لا هو منتهي من أشواطه، ولا هو واقف سعيد!
انتظرت أن أفرح، وحين جاء وقت الفرحة .. -فرحة تخرجي بشهادة البكالوريوس- باتت باهتة، بسيطة، وكأنني أخذت الشهادة خلسة، لا مع مرتبة شرف وبتخصص أحببته وشغفت به دائمًا..

-بل حتى حين استلامي للوثيقة، كنتُ طريحة الحُمى في غرفة بعيدة بأقصى منزلنا، خشيت لو أني مُصابة بـ الكورونا، ولكن حمدًا لله كان وسواسًا، وإن هي إلا زائرتي الحُمى-

انتظرت طوال الأشهر أو أعتقد السنة كاملة شيئًا ما يعصف بي، يُعيد إلي وهج رهف التي أعتده دائمًا، لا أُنكر أني مررت بتجارب مُذهلة، وعرفت أشخاص رائعين، وتعلمت الكثير من أطفال التوحد أكثر من كل سنوات دراستي، ومرت بي ليالي لطيفة هنية وسعيدة، برفقة الأصدقاء، والأهل والأحباب، ولكنها كانت تركض، كأنها نسمة صيف، أسعدتني، دون رِواء..

كانت نظرتي لا ترى سوى طريق طويل، ذا نهاية غير معروفة، لاحتدام الضباب وتجمعه أمامي، وخطواتي متعثرة، مرتجفة، مثل طفلة تعلمت المشي للتو..
سُرعان ما جاءت الأحداث متوالية عليّ تباعًا، تلك الأحداث تشبه الجلمود الذي حطه السيل من علي..وأنا الواقفة تحته هُناك في الوادي، بهتت روحي بالانتظار، وتعبت أثره من كُل شيء!
أحداث مختلفة، سنة مختلفة، توقف الدراسة المفاجئ، تخرجي المفاجئ دون وداع يليق بسنوات الدراسة حتى، فقدان أشياء كثر بسبب الحجر وأخرى لأسباب مختلفة، كانت أشياء صادمة غيرت مجرى تفكيري، علاقاتي، أسلوبي وحتى بعض أفكاري التي كنت أُحيطها بأسوار ضد التغيير، طالها شيء من الشك، الحيرة، وهل إذا ما كانت تنفع الآن؟
وثارت بي الأسئلة رغماً عني:
هل كان ذلك يستحق؟
هل هذه الإنجاز..إنجازًا فعلًا؟
ماذا أُريد؟
وما الطريق؟

وأسئلة كثيرة أُخرى تُعجن في ذاكرتي، دون توقف..عني، عن علاقاتي، عن أحلامي، عن أحبابي، عن مخاوفي، عن وقتي، وشغفي، ولماذا فعلت هذا، ولماذا لم أفعل ذاك، وعن ماذا أريد أن أكون حاليًا، وماذا بشأن غدًا..

تلبسني تساؤل إليف شفق العاجز حين قالت: ” كم من المسافات علي ركضها لأبتعد عن جوقة أصوات الفوضى التي بداخلي؟”

عرفت بعد أيام وأشهر طويلة..أن الانتظار خُدعة، انتظار شيء ما دون السعي نحوه، أو صنعه أو حتى تصنعه إذا كنت مضطرًا هو.. خدعة، دوامة، وحل يسحبك دون نجاة للأسفل..

أدركت أن حل هذا هو السعي الحثيث لتصفية كُل ما يدور في ذهنك، التوقف جانبًا وطرح كل وشوشة الأفكار والاسئلة، وإسكاتها بشكل منطقي مرضي، وبشجاعة!

الشجاعة في الوقوف أمامها دون الهرب، دون الاعتذار بالنوم، دون الانغماس بشيء تافه حتى أنسى..لأنني ببساطة لن أنسى!

فالحياة تتسع وتضيق بقدر إقدامنا عليها

ولا بأس في تضييع وقت في اللاشيء والانتظار قليلًا لالتقاط الأنفاس، دون أن يهدر هذا وقت عظيم من حياتي ،أُشبه هذه المرحلة بلعبة التركيب -puzzle- قد تتشابه القطع علينا وتصعب، ولكن علينا إنهائها حتى نفهم الصورة الكبيرة كليًا..

-في عُمرنا استراحات مختلفة، ولابد أن أعرف يقينًا وشعورًا بأن الاستراحة يعني أن تمضي بعض الوقت في الانتظار، لا كُله-

طرحت الحلول أمامي، أريد الانغماس في كل شيء شغفت به، وأنا حقيقة أحببت أشياء كُثر، حتى أني قد أُسرف في الحروف إن كتبتها كُلها، ولكن أخذن النصيب الأكبر مع القراءة هُما:

التأمل والكتابة، أما الحل الأول، فهو في خضم ما يحدث حولي صعب، ولكني أتمناه، وأسترق لحظات الليل الأخيرة، ولحظات الصباح الأولى حين يهدأ الجميع، في الإستغراق به، والتحدث طويلًا مع ذاتي في أمور شتى.. لأجيب عن هذا كُله بارتياح، شغفت بتأمل اللحظة، بالليل والقمر، والشروق، والغروب، بتأمل تعابير وجوه من حولي، بالضحكات، الوقوف أمام النافذة وتأمل الأطفال والسيارات والطيور، بتأمل النور -فأنا الشغوفة به- وكل ما تقع عيني عليه، تأمل علاقتي مع ربي في كل مرحلة مضت، تأمل لطفه الذي أسبغه سبحانه دون فضل مني، واسترقت لنفسي أوقات خاصة للتأمل في اللاشيء، ومن خلال التأمل شغفت بأشياء أُخرى مثل علم الفلك، الذي أنهيت قراءة كتاب عنه وعدد من المقالات بشأنه وعلوم وأفكار كثيرة..

تعلمت بسبب المكوث في سطح بيتنا للتأمل، تصوير القمر بدقة أفضل عن ذي قبل، ذاك القمر أسرفت حقيقة في تأمله، مرةً أسبح الله على خلقته، ومرةً أتفكر بلونه، ومرات كثيرة بالتقاء عينيّ كل من أحب من خلال النظر إليه، ومرات عديدة بكل المعلومات الفلكية التي قرأته عنه، ومرات أخرى أسبح في خيالات عديدة لا أحتمل كتابتها وإلا تعبت وأوقفت إكمال كتابة المدونة!

من خلال التأمل ايضًا عرفت نفسي، بشكل لم أتخيله، حتى أني ما كنت أظن يومًا بحبي لتعلم أشياء مختلفة، وحرفيًا بدأت الانخراط لتعلم أشياء بعضها أحببتها منذ الطفولة، والآخر اكتشفته متأخرًا، ولكنني أحببت حُبي للتعلم..

ومن خلال التأمل عرفت حقيقة مشاعري تجاه الأشياء والمشاعر، الأشخاص، الأماكن، الذكريات، المواقف، والماضي وبالأخص طفولتي.. أن تعرف شعورك المجرد، هو أعظم شيء قد تهبه نفسك، لا أدعي أني أحطت بكل تلك الأشياء ولكن أمضي في الطريق نحو الإحاطة بها.

-كثير من الأشياء التي أفعلها الآن والتي فعلتها، هي متعلقة بشذرات من طفولتي، بمواقف وأشخاص وأشياء.. تشكلت شخصيتي عبر مواقف وأشياء عديدة، لكن حين تأملت، أدركت أثر طفولتي عليّ-

وبحق أنني لم أكتفي من التأمل ولن أكتفي ابدًا، ما زلت محشوة بكثير من الأسئلة، وحقيقةً أكره تأجيلي للتأمل وللخلو مع ذاتي ولو قليلًا، ولكن لو كان بيدي ما ترددت ابدًا.

‏”إن التمعن في تفاصيل الأشياء بحثًا عن الجمال في المكان، في الصوت، وفي الضوء كان يسد جميع الثقوب التي أحدثتها الأيام الشاقة في روحي.”

-وأظن أنه سيبقى التمعن والتأمل في كل هذا الجمال، بلسمًا لروحي طِوال حياتي-

ندمت -ندمًا ايجابيًا- أني وصلت متأخرة للتأمل العميق، كان هو مفتاح العجائب، تلك العجائب التي قال عنها السير توماس براون -وإن كنت أبغض أفكاره-:” نحن نحمل في داخلنا العجائب التي نبحث عنها من حولنا”
عن اقتباس السير توماس تذكرت عبارة لأحد شخصيات أفلام استديو جيبلي:

أما الحل الثاني وهو الكتابة..تمنيته كثيرًا وشغفت به، كان هو ملاذي منذ طفولتي، أدركت بأني كما هذا الاقتباس: “أنا كائن كتابي، وحين تفيض بي الأفكار، أو المشاعر، أو المخاوف، أهرع إلى الكتابة كما يهرع المريض إلى الدَّواء، وحرفًا حرفًا، كلمةً كلمة، جُملةً جُملة، أجدني أتعافى، وعرضًا بينما أنا أتعافى تكتمل بين يديك الرِّسالة”.

حين أغضب في صغري.. أهرع لدفتر صغير وردي اللون بسلك نحاسي -جاء هدية من صديقة طفولتي بعد زيارتها للرياض، فكان غاليًا علي لسببين الأول لأنه منها والثاني لأنه من مدينة كبيرة مثل الرياض- كنت أهرع إليه أكتب وأكتب بشغف..قصص، وخيالات غريبة ولطيفة..

أما الآن؟

الكلمات أراها تتقافز إلي احيانًا، واحيانًا لا أعرف قيد هذا الشعور الشاسع في ورقة أو سطر أو كلمة، أو حتى في مذكرة هاتفي، لا زلت أحبها، تخفف عبئي ولكن ليتها على الدوام لا ترحل، تتركني في مطافي وحيدة..
يا ليتها..أو مثل ما أقول في عاميتي.. يا ريتها.

مطافي ..أدركت مؤخرًا أن العيش في بؤس وحزن مضيعة..حتى لو كانت الدنيا غمامة سوداء، ما كان الغمام أسودًا إلا لأنه بشير بالمطر.
وآآهٍ كم هو راسخ شوق المطر في داخلي، وكأنني حُمّلت شوق العالمين للمطر، فروحي عطشة، وقلبي يرنو الاستسقاء.

فكيف يهطل مطر كل واحد منا؟

أعتقد هذا سر، تخبئه دواخلنا، وعلينا مليًا، أن نستفتِ قلوبنا وأرواحنا، ونعقد صلحًا معها، لا نؤنبها ولا نشد عليها بل برأفة وحنية الأمهات نتسامر معها، ثم نركض خلف شغفنا، ونحدد أحلامنا ونسعى لها، في طريقنا نحو ذاك..سيهطل بالتأكيد المطر، ونرتوي.

-أؤمن حقيقة أن بعض الحزن لا يضر، وأن علي عيش حزني كاملًا تمامًا، حتى استيقظ منه يومًا دون أن يعلق في ذاكرتي جزء من أوهامه، لكن كان ذلك مضيعة على قلبي، وكسر لحلمي، وتبذيرًا لطاقتي، بسببه أصبحت أجر أذيالي بخيبة نهاية اليوم، منهكة، مُتعبة، ولا أود العودة لذلك ابدًا، أن تكون طريحًا للحزن، يعني أن يمسك ألم جسدي حقيقي، وذاك ما أضاف لحزني حزن إضافي، حين أرى خوف أهلي البالغ من ذبولي و وهني ومرضي.-

أما بالنسبة لماذا اختلاس؟ لأني مؤخرًا قرأت لشاعري المفضل..بيت شعر، ظل يدور في ذهني، أتخذته شعارًا للمرحلة، ربما لحياتي، ربما سأورثه لأولادي في المستقبل.. لا أدري

يقول ابن زيدون:
“واغتنم صفو الليالي
إنّمـا العيش اختلاسُ”

وظل حين قرأت هذا البيت يلح عليّ هذا التساؤل، تساؤل طفلة الكوميديا السوداء بداخلي: ومتى تصفى يا ابن زيدون حتى اغتنمها؟ ها؟
ومن منطلق رهف الخياليّة، تخيلت لو أن ابن زيدون يرُد على سؤالي المستهزء ذاك، بهذه الإجابة:

“وَلَئِن ساءَكِ يَومٌ فَاعلَمي
أَن سَيَتلوهُ سُرورٌ بِغَدِ”

فاستحييت أن اكسر خاطر ابن زيدون، وظل بسبب الحياء، يحيك بداخلي صوت يقول لي.. “إن كان طريق مرور صفو الليالي بعيدًا عنكِ، فلا بأس بحفر طريق فرعي للوصول إلى ذاك الصفو.. اختلاق الأشياء المحببة إليك..يحتاج مثابرة، ابتهجي باللحظات، دوني أيامك الجميلة، تمسكِ بالتفاصيل الصغيرة القريبة من قلبك، احتضني حُلمك بل أحلامك، أنت الذي رددت يومًا: “أُريد العيش حُلْمًا بعد حُلمٍ” ..وحين تخشي الوقوع في يوم كئيب اقرأي تلك الصفحات المدونة في شظايا كل دفاترك، حادثي من أحببت، وبثي الحب فيمن حولك، امضي نحو حلمك بخطوات وإن كانت واهنة احيانًا، فلا بد أن تصبح الخطوة جريئة قوية يومًا ما، لكل منا مطافه الخاص، اختلسي لمطافك ألطف الذكريات..فالعيش اختلاس مثلما قال ابن زيدون الأندلسي، وإن لم تصفو الليالي!”

لمن يقرأ
وإلي

العيش اختلاس
العيش اختلاس

كرر ذلك، واختلس لعمرك لحظات سعيدة، ابحث عن قبلتك، وأدر بوصلتك نحوها وامضي مُسرعًا، لا تكن كمن تاه في المطاف!

تمت في يوم ممطر..
تحديدًا في الرابع من شهر ذي الحجة| ١٤٤١هـ
الخامس والعشرون من جولاي | ٢٠٢٠
١١:١٠ م

رَهف،