“أنت لست سوى ما تُفكر به”

الرابع عشر من نيسان| تجربة جديدة.

مرحبًا، هذه أول تدوينة في رمضان، رمضان مُبارك وسعيد وذو أيام مبهجة لكم.

كنت قد قررت نشر تدوينة يوم ميلادي قبل خمسة أيام من الآن، لكن آخر بتلة من بتلات الورد كانت “لا تنشريها” لذا لم أفعل! lol.

..

واليوم تدوينتي مختلفة، لتجربة جديدة قررت العمل بها متى قررت؟ بعد زوبعة من الهيجان الذي ثار في عقل إليزابيث جيلبرت، مؤلفة الكتاب الشهير ” طعام صلاة حُب “، محاولة إيجاد طريقة للتأمل ونفض كُل الأفكار الثائرة، بيقين قالت: “في النهاية، أنت لست سوى ما تُفكر به، وأحاسيسك عبد لأفكارك، وأنت عبد لعواطفك”.

هل كومة الأفكار اليومية الهائجة بدواخلنا رغم مظهرنا الهادئ.. هي نحن؟

دائمًا ما أظن أني مزاجية الحالة، اعتلي موجة سعادتي وأسقط منها بسرعة فائقة، كأني على لوح يُديره طفل مدلل، مئات من الأفكار تثور في عقلي، تأسف لكون لساني صامت لا يبوح.

ظننت لفترة أن التفكير هو العُقدة، هو موضع الجرح، لهذا كانت عبارتي الهامسة لرهف في الداخل هي: “رهف! توقفي عن التفكير”، ولسبب أجهله كانت رهف في الداخل لا تنصاع لأوامري.

أدركت لاحقًا بأني أتناسى أني إنسان، والتفكير هو نقطته المميزة الفارقة عن أي مخلوق حي، فأقسو على ذاتي المتمردة، على جنون أفكاري المتمايزة عن بعضها في الثانية، عن استطرادي الدائم في كُل فكرة، وآحيانًا استخف بعقلي حينما ألتفت إلي لاستذكر “أش اللي وصلني لهذي الفكرة؟” محاولة تتبع سير الأفكار وإيجاد حلقة الوصل بينها !

إذن “أنت لست سوى ما تُفكر به”، لذا هُنا تتبع لبعض الأفكار التي تملكتني لجزء من اليوم، لتجربة معرفة صحة كلام إليزابيث.

١١ نيسان| شعور اليوم: رضا

شهقت بتعجب وفرح معلمتي الآنسة “جودي”، حينما أخبرتها بانكليزيتي المُكسرة عن ثقافتنا باستمرارية العيش مع الوالدين حتى بعد سن الثامنة عشرة إلى أن نستقر بعد الزواج في بيت منفصل ويشمل هذا الإناث والذكور على حد سواء!

-كان إخباري لها بهذه المعلومة، ناجمًا عن سؤالها إن كنت أعيش بمفردي أم مع والديّ؛ خصوصًا لكوني مُجتازة العمر القانوني.. بالنسبة إليهم-

كانت سعيدة جدًا لكون ثقافتنا تحتضن هذه الفكرة، ثم تخبرني بحجم المضايقات من اسئلة اصدقائها وأقاربها لكونها امرأة عازبة في العقد الثالث من عُمرها وتعيش مع والديها إلى الآن، “i love my parents “ كان هذا تعليلها البسيط لهم، محاربة بذلك كُل تهكماتهم وسخريتهم من حين إلى آخر.

لا أعرف لكن خطر بذهني مقولة دارجة تقول: “أنت تعيش حُلم شخص آخر”، مهما كنت تظن أنك تحيا بملل، أو أن يومك عاديًا، قاسيًا، حزينًا ربما.. لكن أحد ما يراه حُلمًا !

وبالمقابل أحلامنا يعيشها آخرون، في مكان ما ولحظة ما، يرى أنه يعيش شيء مبتذلًا وبسيطًا، لكنه حُلم أحدنا.

كانت هذه الفكرة متمركزة في عقلي لدقائق، ومحاولة يائسة لتقدير أي شيء أمامي أو بي، أعتقد بأنه حُلم لشخص آخر، لما قُلت محاولة يائسة؟ لأنه شيء جنوني مستحيل، غارقون بالنعم، لا شيء يُحصيها، غارقون بأحلام مملوكة لغيرنا.

الحمدلله.

١٢ نيسان| شعور اليوم: تعب، غضب.

فكرة اليوم الغارقة فييّ، كانت حنق عظيم وشديد، على تصرف شخص ما، افتعل فعلًا غير آبه بتبعات فعله، إن كانت تؤثر على من حوله أم لا.

لا أعرف لما لا نفكر مرتين، إن كان هذا القرار رغم فائدته، يسلب من أي شخص آخر وقت أكثر، ويضيف لأتعابه تعبًا مضاعفًا؟

إلى رهف المستقبل: إياك أن تتخذي قرار مهما صغر يؤثر على وقت شخص آخر، يُرهقه، يفعله مُجبرًا كارهًا وعلى مضض، يعيق خطط يومه أو حتى جزء من اليوم!

١٣ نيسان| شعور اليوم: تردد.

هذا اليوم يوم التخبطات والمليار فكرة وفكرة، تطعيم لقاح كورونا، أول يوم رمضان، إعداد فطور رمضان وحيدة بالمطبخ، ومحادثة صديقتي ذات العمق بالأمس.. هجمة أفكار لا لصدها خلاص.

“كُلها مشاعر.. وكُلها ضروري تعاش!”

اختتمت صديقتي العزيزة إحدى رسائل الأمس بهذه العبارة، ولدت بداخلي تساؤل: تجاهلنا لأي شعور هل يُميته؟

الجواب.. لا يا رهف الشعور المُتجاهل، تختفي أحد أشكاله، لكن يتولد له ألف شكل آخر على هيئة صُداع ربما، أو ضيق مفاجئ، يوم قاتم، و رغبة مستميته لقضاء اليوم بأكمله على السرير، حاجبان مقتضبان، أو ربما جميعها.

“على ما يبدو أن الهروب، تحديدًا من مواجهة شيء ما بداخلك، يجعلك تندفع له بقوة، التناسي يورّث الرغبة”.

شعور اليوم خجول، يطرق باب المواجهة بخفة، كجسور متردد.

١٤ نيسان، ٢ رمضان| شعور اليوم: تذكار يؤنس القلب.

ذكرى أصدقاء الروح هي ذكرايّ، في مثل هذا اليوم “الهجري” قبل عامين تمامًا، كان حفل تخرج صديقتي من الجامعة!

كان الحفل مقتصر على الخريّجات ولكل خريّجة بطاقة إضافية لدعوة من شاءت، ولأنه غالبًا هذه البطاقة للأمهات؛ كانت فرصة حضوري ضئيلة جدًا، ولكنها ظلّت رغبة مُلحة أن أشهد هذه اللحظة التاريخية الحبيبة، همست راجية منذ معرفتي لموعد الحفل بـ “ياربّ ياربّ سخرّ لي حضور الحفل”.

اقترب مغرب ذاك اليوم، قبل ساعات من الحفل ويديّ خاوية من أي بطاقة، لكني عاقدة العزم على الحضور، حتى لو اضطر بي الأمر للانتظار خارج مكان الحفل، المهم هو رؤية ذاك الوجه الحنون الذي أُحب في يوم ذا ذكرى خالدة!

حتى جاءتني رسالة من إحدى خريّجات الدُفعة، لم أكن أعرفها عن قُرب، سوى أني اسديت لها خدمة عابرة قبل عام من الآن!.. تقول: “رهف أمي تعذر عليها الحضور، لقيتِ بطاقة ولا؟”، لا زلت أتذكر شعور سريان الفرحة بعروقي، وكأني أفطرت!

ثم حين جاءت ساعة المسير، مسير الخريّجات، وقفتُ من على كرسييّ عند حشد الأمهات المتأثرات برؤية بناتهن، المنظر ساحر.. بين أُمهات يلتقطن الصور، ويهتفن بفخر حينما تُعرض اسماء بناتهن، وبين خريّجات يلوّحهن لأمهاتهن بسرور.

و في تلك اللحظات الدافئة أُغالب دمعتني وغلبتني، شعور الفخر ممزوج بحُب اللحظة والذكرى والفرحة، أبحث عنها بين الجمع لم أجدها، أتراها مرّت بإحدى اللحظات التي كانت عينيّ حينها مغرورقة بالدموع؟

واليوم وفي ذكرى هذا اليوم الحبيب، بيقين أكتب أن ما يُميّز الأيام ذكراها، قلت مرّة: “الذكرى تعمّق صلتنا بالأشياء والأشخاص والأماكن، فكُل الأشخاص غُرباء إن لم تجمعنا بهم حميمية الذكرى، وكُل الأشياء جمادات إن لم تُحييها فينا الذكرى، وكُل الأماكن مُتشابهة إن لم تُميّزها الذكرى“.

أضيف كُل الأيام عاديّة ما لم تحتضنها عُمق الذكرى!

كُل هذه الأفكار وأخرى لم أذكرها هي جزء من أيامي، لكنني فوجئت بصبغتها عليّ وعلى يومي وإنتاجيتي، أن تنتقي فكرة واحدة لتصطبغ بها.. أمر صعب، اختيار اللون ليس من صلاحياتك، لكن الرسمة رسمتك بالنهاية فاحسان الرسم كُتب عليك.

تحلل إليزابيث جيلبرت نقمة الغرق في التفكير، تحليلًا أراه يفُك مصطلح ترابط كلمتيّ “نقمة” و “تفكير”، ليربط الثانية بمصطلح “وعي”.. تقول: ” تلك ليست بالضرورة مشكلة بحد ذاتها، بل التأثر العاطفي الذي يرافق عملية التفكير”.

تشبثي بالفكرة وتحليلها ثم ملامستها لمشاعري، لأطراف الإحساس لدي، فتُؤثر بي، لتصبح طابع شعوري، أتنقل من شعور لآخر حسب الفكرة، والأثر دائمًا متدحرج، فسعيدة مرة، غاضبة وثائرة أخرى، وآحيانًا هادئة، مرات تودع بي الفكرة خوفًا من المستقبل والمجهول، أو تُثير بي شكًا.. وهكذا.

“المشكلة الأخرى لهذا التأرجح عبر كروم الفكر، هي أنك لست آبدًا حيث أنت. أنت أما تنبش الماضي أو تبحث بفضول في المستقبل، ونادرًا ما ترتاح في اللحظة الحاضرة، ولكن البقاء في اللحظة الحاضرة، يحتاج إلى التركيز على شيء واحد، وتعلم مختلف تقنيات التأمل والتركيز بطرق مختلفة”.

لا داعي للقول بأن التفكير السلبي هذا يهب بُقع الضوء على زوايا سوداء لشيء صار بالماضي، أو يعزف وتر أنغام أغنية ذات طابع مخيف على حدث تتوجسه في المستقبل، والحاضر؟ ما الحاضر إلا مشوش، مسروق، ذابل. أنت لست هُنا على أية حال.

لامست هذا التشويش بصدق، يصاحبه قلق عارم، تحُس بأنك بين فكيه، حسنًا إذن تقول إليزابيث اللحظة الحاضرة تحتاج إلى تأمل!

كنت أظن بأني بارعة في التأمل حتى بحثت بمختلف المواقع، التأمل بحر لا شطآن له!
بعيد عن أحكامه الدينية، ومعتقدات بعض مرتاديه، إلا أنه شيء يستحق الاستمرارية وإضافته لجزء من أيامي.

على حسب بحثي الصغير عن التأمل، استعذبت أربع أنواع مختلفة من التأمل، إذ وجدت بأنها ممارسات محببة لقلبي، لكن لم أكن أعرف طريقة تحويرها لطقس تأمليّ، الأجواء الرمضانية تستدعي بث جهد مضاعف لخلق منها طقس تأملي يومي، وهي: التنفس بعمق، ويعني التركيز على التنفس بالاستماع له. الثاني المشي والتأمل والتركيز هنا يكمن في الخطوات والتأمل. الثالث الدعاء! أي نعم الدعاء، التركيز في كلمات بعض الأدعية والانغماس بمعانيها. الرابع القراءة، طالما لاحظت بأني حينما اقرأ اتأمل السطور بعيدًا عن المعاني واقرأ دون فهم كنت انزعج من هذا رغم شعوره المريح، لكنيّ عرفت بأنه نوع تأمل وتركيز مُدهش.

لهذا وحسب أضفت لأهدافي الرمضانية، تجربة التأمل والتركيز العميق، لنفض تشوش التفكير وتأثيره الشعوريّ على أيامي.
أظن بأنه يستحق بأن يضاف لقائمة تجارب العام، بداخلي جزء متقد حماسة لتجربته كطقس يومي!

طبتم من التأثير العاطفي للتفكير سالمين يا أصدقاء!

تمت يوم الأربعاء :
-في هامش الصورة: سماء آخر نهار من شعبان|٤٢. –

الرابع عشر من نيسان| ٢٠٢١م
الثاني من رمضان| ١٤٤٢هـ

٥:٢٤ م
بعد الانتهاء من إعداد الفطور، وانتظار استواء صينية المسقعة في الفرن!

معركة التجاوز.

الثاني والعشرون من مارس| ألم، جرح، ندبة.

-لست مولعة بالمعرفة، بقدر ما أنا أحب أساندك-
في حديث عابر كتبت لصديقتي هذه العبارة، حقًا أنا لست مولعة بمعرفة هموم الأصدقاء وتفاصيل خضم أمورهم الخاصة، بقدر ودي لمساندتهم، لمعرفة شعورهم وتحليله وإذابته للاشيء، أو حتى وقوفي معهم، للتربيته، لليد التي تُمسّد على روؤسهم وأكتافهم، للدعوة التي تُطيّب خاطرهم.

أرقني تساؤل مضى معي من الأسبوع الأول من يناير، دونته في مكان ما، لعلّي أعثر على إجابة تُسعف وجداني.. وبعد أكثر من شهر ونصف كتبت:

هل يمكن أن نتعافى بتفكيك الشعور لا حدث المشكلة؟
دائمًا أُفكر أن -حدث المشكلة- وقع وصار حتميًا، والتعامل معه يشبه التعامل مع ماضي لا يُفيد، أما ألمنا صادر من الشعور، هو الذي يؤلمنا، هو موضع الجُرح القاسي. لذلك حين أفيق من صدمة الحدث، أتجه لتحليل شعوري، والتفكير مليًا به، تحديده ووصفه بدقة، فتأمله لمعرفة سبيل الخروج منه، وعلى حسب رياح ذاك الحدث تكمن سُرعة خروجي منه.. شدتها أو خفتها، قوتها وقوتي، رغبتي وطاقتي، والأيادي الممتدة لي، وووو.

وتتخلل كل هذا كدمات وشعور مقيت إضافي، ولكن هذا ما يعنيه تفكيك الشعور والتخلص منه على أي حال، يضم جراحًا تُداوى، وقلبًا مكسورًا، وأيامًا يكون فيها القيام من السرير يُشبه الخروج من وطيس حرب ضروس.

ثم بعد كُل هذا يأتي التجاوز، وهو شيئًا اختيارًا، لا يُشبه ابدًا الاختيار بين بيتزا الجُبن وبيتزا الخضروات، إنه أكثر تعقيدًا، كأنه اختيار موضع نُدبة دائمة، وهذه الندبة كلما تحسستها، فاضت إليك ذكريات ما تجاوزته، سواء كان “شخص”، “مرحلة”، “شعور”.. وغيرها.

وقبل اختيار التجاوز، نسيت شرطًا محال أن تتم هذه القفزة لولاه، وهي الرغبة، القوة، العزيمة.. أن يكون ذاك الحدث ضررًا واضحًا لك، كأن يشلك من التفكير فيما سواه، أن يتسبب في وقوفك دون حراك لأشهر، لأعوام، وأن تدور دنياك حوله لا حولك.. لأنها دُنياك!
أو ببساطة فات أوانه، واستحال حدوثه، أو يكون محض سراب يُلهيك عن عالمك.

-أتذكر قبل أسابيع من الآن تحدثت إحداهنّ عن أول مرة زارها شعور الهلع، لمس ذاك الحديث كُل عواطفي، أعادني لتحسس ندبة الهلع، وخوفي منها، لكنّ تذكرت مراحل تجاوزي المتقطعة، تذكرت رغبتي وقوتي، وكتاباتي التي أوضحت مدى محال أن يمضي الوقت وتلك المشاعر معي.. فتجاوزت.-

والتجاوز آحيانًا ليس قطعًا للشعور، أو ترحيلًا للمرحلة، أو موت علاقة ونهايتها.. لا ، قد يكون تجاوزًا بتحول، كأن تتحول علاقتك مع “فُلان” لعلاقة وديّة آيضًا لكن مختلفة، بمعايير أكثر وضوحًا، أقل انجرافًا. أو تحولًا لزاوية نظرتك للشعور، كأن يكون هوسًا فصار علمًا ودراسة، أن يكون حُزنًا فيصبح دافعًا للقرب من الله، من معرفة ذاتك. أو يمكن أن يكون التجاوز تحولًا للمرحلة بحيث تكون فصلًا من كتاب حياتك، درسًا ينيرك في خطوتك القادمة.

وأدرك تمامًا أن التجاوز ليست مجرد قفزة خيل في سباق، أو بكاء ليلتين وتوجّع أسبوع، هو أعمق بكثير، واتخاذه مغامرة تتلى، وطوله وألمه يجعل خطوتك في اتخاذه مترددة وشائكه خصوصًا حينما نتجاوز شيئًا أحببناه، عشناه، وفاضت دنيانا به، لكن أنفسنا تستحق أفضل الشعور، والأيام، لذلك التجاوز يستحق الألم، وسهر الليالي، وتبلل الوسائد، وإنهاك جفن يتحرى لذة كرى تزوره، لكن سهادًا واقفًا بالمرصاد له.

وفي نهاية خضم معركة التجاوز، وبعد مُضي الأيام تلو الأيام، تحدث المعجزة الخالدة، والنعمة التي لو وهبنا الله كل ما نملك منه لما كفاه شُكرًا وحمدًا عليها.. النسيان.

‏”البطولة ليست في نتيجة المعركة، البطولة في طريقة تعاطيك مع جميع الخنادق التي تعترض طريقك، طريقتك في الخروج من كل ذلك ومحاولاتك المستمرة في سير الطريق حتى ولو كنتَ تحبو حتى تبلغ نهايته”.

تمت في يوم الاثنين:
الثاني والعشرون من مارس|٢٠٢١م
الثامن من شعبان|١٤٤٢هـ

٨:٤٢ م

الرابعة والعشرون: أفكار متقطعة.

ليلة الرابع عشر من مارس| دليل مواصلة.

كنت قد قررت الكتابة بحماس لهذه التدوينة، لا لموضوعها الشيق، ولا لحدثها الذي أود توثيقه، ولا لأي شيء آخر عدا أنها التدوينة رقم أربع وعشرون في مدونتي.

أظن أنه رقم كبير بالنسبة لي، لأنه خلال مرات متعاقبة قررت التوقف بعد كل تدوينة، وأجد أني أكمل بلا ملل، حتى وصلت للتدوينة الرابعة والعشرين.. الرقم الذي لم أتخيل أني وصلت له.

حينما قررت كتابتها قبل أسبوع, زارتني الحمى دون ميعاد, مباغتة, صادمة, مؤلمة, أرهقتني طوال اليوم, فاستعددت لها بنوم طويل, لم يكن هانئًا لكن مهرب يقيني منها.

استيقظت في الحادي عشر ليلًا بعينين تموج بها محيطات من الدموع, خطرت على بالي عدة جمل, كنت أود الكتابة عنها منذ زمن ولم تسمح لي الكلمات بذلك, يبدو أنها رأتني بحال يرثى له… فحنّت.

دونتها سريعًا وعدت لفراشي رافعة الرايات البيضاء لأسطول الحمى القادم الزائر لثلاث أيام متتالية, حينما حل اليوم الثاني, كتبت رسالة لسماحتها, استجديها أن توقف مددها فكتبت:

صديقتي العزيزة: الحمى….. لا مرحبًا بك ولا سهلًا.

يا أعز الاصدقاء، اكثرهم دفء وقُربًا مني، حرصًا على زيارتي، تبقين دون أن أُحس بثقلي عليكِ، في عز ظلمتي تحشرين رأسك معي.. أقفل الباب، انكفء في سريري،اختبئ حتى عن هاتفي ويظل أنفك محشورًا معي في كُل زاوية وحال.

ألا تعتقدين؟ صارت ذكرياتنا معًا كثيرة شهرًا عن شهر، أرسلت لي خالتي تحذيرًا بالأمس بأني أفرطت بصُحبتك وعليّ الانتباه لصحتي حتى أُتمّ حظوري يوم الخميس القادم  في “جَمعة” عائلتنا الأسبوعية، تخلفت عنها هذا الأسبوع بسببك، انظري حتى علاقتنا طالتها التنازلات..يا للعمق! ، صحيح أني تخلفت الاسبوع الماضي آيضًا ولاأضع اللوم عليك لكن… لا عليك.

عليّ أن أُخطر اصدقائي المقربيّن، بعلاقتي معك كصديقة عزيزة، حتى يتداركوا أمرهم قبل أن تسحبي الفراش من تحتهم!

اشهرت في وجهك أسلحتي بقوة هذه المرة وكانت مزيجًا من:

الكمادات الباردة، أحاديث اصدقائي، كتابي الجديد الرقيق، وما بينها لحظات حنونة اعصر عيني وانفض رأسي حتى استشعر حنيّتها دون أن تفوتني وأنتِ بصحُبتي.

واليوم ها أنا لا أشهر سلاحًا، ولا سيفًا ولا حتى مسواكًا… وإنما استجدي العفو منكِ فإن سمحتِ بقلة ذوقي، فقد طال مقامك عندي، ومرّت أيامي وملازمتك لا تنفك، حتى لاح لي صبح اليوم شيبتي الرابعة في مفرق شعري، تنبؤ عن خريف قادم رغم أني في صخب ربيع العمر لم أزل.

وداعك عزيز ودموعي هذه بليغة الشهادة على هذا.. فهيا رعاك الله الرحيل الرحيل.

ولم يمض يوم وليلة حتى غادرت, فمسحت الدموع, ونفضت التعب, وعدت أفكر بالتدوينة رقم أربعة وعشرين, وحتى يتملكني حماسها قررت أن أشارك إحدى الصديقات باحتفال مصغر حال إتمامها.. شاي وكوكيز يكفيان.

تحديث: عليّ إخبارها أني نويت نمطًا صحيًا جديدًا والشاي والكوكيز لا يصلحان.

تذكرت تلك الكلمات التي كتبتها في أوج حُمتي, التي تعبر بطريقة ما عن طرقنا في الاحساس بشعورنا, كيف يكون الشعور عميق جدًا ونهدره بسطحية تعبيرنا عنه، أو مرورنا السريع دون استنشاقه ليسد مسامات الروح الفارغة.

انظر حولي، لأجد مشاعر مختلفة مهدرة التفعيل لمجرد أن طالتها العادة, أو توارثنا ردات الفعل، وراثة مجتمعية، أن يُراق الإحساس، ولذة المشاعر، بشيء سمج، وكلمة باردة، يشمل ذلك الهدايا المجتزئة من المشاعر، والتي دائمًا ما أراها النصف المحسوس من عواطف المُهدي، فكانت هدايانا مجرد سد واجب، لا ترمز للشعور، ولا تصفه، حتى بات التعبير عن المشاعر معلبات جاهزة في صف سوبر ماركت، نبتاع منها ما افتقرنا إليه، فصرنا متشابهين في بث عاطفة ما، فلا يفزّ لها قلبًا، ولا تحرك ماء الحُب الراكد، خالية من البهجة.

لا أحب تكدس بقايا شعور جميل بداخلي يخص شخص عزيز، استثماري الدائم هو تعلم سبل إفصاح الشعور عن عواطفي، عن من أحب.

الانغماس الشعوري لتحليله, لإفضائه, للبوح به… أنبل الأفعال الإنسانية، مواجهة كل موروثاتنا المتشكلة في إظهار المشاعر، مواجهة الرواسب الدفينة التي نحتت من تقبل ردات فعل الآخرين وقلدناها بطريقة أو بأخرى من أنبل الأشياء في نظري.

كيف تقول ” أنا فخور بك” , كيف تعبر عن حبك بطريقة بسيطة عميقة وتدخل القلب من أوسع أبوابه، كيف تواسي بلطف دون تكلف، كيف تدير بوصلة شعورك من خلال عواطف قلبك، لا سيطرة عقلك.

هل يمكن أن نكتب قواعد عيش الحالة الشعورية ؟ ترجع لكل فرد، ونمط، وشخصية، وتفضيلات… وكتابتها تتطلب فهم أعمق لنفسك.

تملكني تساؤل وإن كانت الحالة الشعورية تخص طرف آخر؟ وإن كانت مشتركة؟ فما السبيل لعيشها.. على طريقتي أم طريقة الطرف الآخر؟

وبعد وقت طويل لجواب هذه الاسئلة، وجدت أني اقتص من وقتي الكثير، لاتأمل الطريقة المفضلة للطرف الآخر حتى أُشاركه الشعور، وكذلك بالهدايا، والنداءات، والأحاديث، والصور.

سبيلي لهم هو استثناء كُل شخص أُحبه بشيء يميزه دون غيره، شيء مُختلف، يُشبهه في قلبي ويحبه، لدرجة إن رأيت شبيهه ذكرته وذكرّته به، وأقصى الود عندي استثناء ومشاركة و وقت.

أن أهب استثنائي وأُشارك لحظتي واقتص من وقتي لأصنع ذكرى حنونة، تلك هي طريقتي للبوح بالحالة الشعورية الفيّاضة التي تخص أحدهم.

وأرى أن جودة أي علاقة تتمثل بمعرفة السبيل المفضل لإيصال فيض المشاعر، وآيضًا بجواب سؤال: كيف أعيش عواطفي من دون ابتذال قوالب المعلبات الجاهزة؟

***

تسألني رفيقتي: كتبتِ التدوينة رقم ٢٤؟
فأخبرتها ليس بعد، همست لي بأنه لا بأس بأفكار متقطعة!
حسنًا لكِ هذا، بعض الأفكار المتقطعة رمت بها أمواج شهر مارس على شواطئي… وكأن موج السطور السالفة ليس شيئًا lol.

فكرة (١): “علي أن أتوقف عن التفادي، وأن ابدأ باتخاذ القرارات التي تفيدني فعليًا”
حوار دار بين اثنين من شخصيات مسلسلي، سمعته في أحد ليالي مارس ذات الثقل الجاثم، حسنًا ضربت تلك الجُملة على أحد أوتار قلبي، عزفت عزفًا جامحًا، وسردتُ على نفسي قائمة من القرارات التي يتطلب علي تنفيذها حتى شهر يونيو القادم -إحداها نمط حياة صحي-، التخطيط يضم صخب الأفكار المفزوغة في الداخل، يُهدأ روعها، شرط أن يكون تخطيطًا قابل للتطبيق، مرنًا ويسيرًا.

لا بأس قارئ سطوري هذه توقف للحظة، وفض شباك التسويف عنك واسأل: ما هو القرار الذي يفيدك فعليًا ويجب عليك اتخاذه الآن؟

فكرة (٢): “بذرة الحُب”
محاولة غرس هذه البذرة هي إحدى رسائل حياتي التي أرجوها، قرأت اقتباسًا لطيفًا حنونًا شاذليًا فتانًا عنها، إذ يقول كاتبه في رسالة لأخته:
” عندما تنمو في نفوسنا بذور الحُب والعطف والخير، نعفي أنفسنا من أعباء مشقات كثيرة، إننا لن نكون في حاجة إلى أن نتملق الآخرين، لأننا سنكون يومئذٍ صادقين مخلصين إذ نزجي إليهم الثناء، إننا سنكشف في نفوسهم عن كنوز من الخير وسنجد لهم مزايا طيبة نثني عليها حين نثني ونحن صادقون، ولن يعدم إنسان ناحية خيّرة، أو مزية حسنة تؤهله لكلمة طيبة، ولكننا لا نطلع عليها ولا نراها إلا حين تنمو في نفوسنا بذرة الحُب!”

فكرة (٣): “كُل امرئ يبكي شجواه”
والشجوى ليس لها قياس، صغرت أم كبرت، كانت بعينك فيلق من هموم، أو قشة لا تساوي وزن جناح بعوضة، ولا يقبل استصغارها، أو استكثار بُكاها أو استغرابه حتى، فلكل طريقته في بثها وطرحها.

***

لم تكن تدوينة ذات معنى عام أو هام، لكنها دليل مواصلة، وإثبات رغبة جادة في إكمال التدوين، حينما فكرت مرارًا أنه لا جدوى من الكتابة علنًا، أو حتى الحماسة لذلك، أربعة وعشرين رقمًا كبيرًا ظننت أني لن أتخطاه، وها أنا على أعتاب تخطيه، بفضل الأصدقاء، وتعليقات من يقرأ المدونة بحُب، شكرًا كثيرًا وامتنانًا عظيمًا.

طبتم بخير.

تمت يوم الخميس:
الثامن عشر من مارس| ٢٠٢١ م
الرابع من شعبان| ١٤٤٢هـ

٢:٢٧ ص

حالة مطريّة 🌧

السابع والعشرون من فبراير| رهف اليوم، رهف الأمس.

هل السماء تتخفف من الثقل حينما تُمطر؟ يبدو تخففها أكثر شاعرية من أي تخفف رأيته من قبل، أكثر حب، ودهشة، و رقة، ومشاعر متمازجة، ينهمر المطر كوقع حوافر جواد في مسابقة الجمال، تبكي السماء، تتخفف ربما، وتهذي بمائها العذب فوق أسطح المنازل، فوق الأراضي الجرداء، على صدور المحزونين، وأيادي العشاق، ودعوات المكلومين… فيغدو تخففًا من كل شيء.

التخفف حالة مطرية، شعوريّة، نوع من رفاهية الروح، وأظنه الجزء الجميل في مرحلة النضج الشائكة، أو التي أراها شائكة آحيان كثيرة.

ماذا أقصد بالتخفف؟

بصدق عجلة الأيام تمضي وكأن شبح يطاردها دون هوادة، ونمضي معها في دولابها، فتلتصق بنا شوائب كُثر، أشياء لا لحملها معنى، وإنما تُثقلنا روحيًا، وقتها يصير التخفف منها مطلب لا شيء كمالي، ما أقصده هنا، هو التخفف من ثقل الشعور والمشاعر والأفكار، ليست هي الفضفضة وحسب، وإنما التخفف سلة كُبرى لرميّ أشياء أكثر من كونها لحظية، وأكثر تعقيدًا.

على ذكر الفضفضة تذكرت أختي وطريقة تخففها الظريفة، بشرح كل شيء لي، أصغر التفاصيل للمواقف -تمثّل حتى الالتفاته-، تتأكد من فهمي للمواقف/المشاعر التي تشرحها برفع حاجبيها والإشارة لي، فأهز رأسي ذا الحواجب المرفوعة آيضًا، أظل صامتة حتى تنتهي، أقاطعها مواسيه احيانًا إن بكت، أو أسرعت في الكلام فلا يمكنني اللحاق بها، وحينما تنتهي أُعيد شرح حالتها لها بكلمات تصف شعورها بدقة، فتستخرج هي الحل بدورها دون تقديمه لها، وتطلبني أن أنسى ما قالت بعد ما -فرطت السبحة- ، فلا أذكرها بها بعد انتهاء الحديث، وكأن بئرًا ابتلعت ما قالت.

في الآونة الأخيرة وقفت أمام نفسي أثناء موجة غضب حادة تعترك وتطحن رحاها داخلي، “رهف هذه ليست أنتِ، هذا الغضب لا يشبهك.. وعليه سبيل لك، تدبريّه”، أعترف أني ارتعبت مني، كم من الأشياء الشائبة تلتصق بروح الإنسان دون أن يدري؟ ولحظة اكتشافه تتملكه فكرة -فات الآوان وهذه طبيعتي- .

أخاف أن أكون يومًا شخص لا أعرفه، أن تُنسيني الأيام من أنا، ولو كان تغير ضئيلًا -تغير للاسوء-، من صفة جديدة، من شعور، من كسل زائد واتكال وفراغ، وغيرها مما يضايقني مثل علاقتي بشخص ما، أو طريقة تعاملني من شخص ما، فأعترف أن اعتياد تعامل ما يأخذ شكل إزامي ومفروض، فيصبح في وقت من الأوقات شيء ثقيل يطاردني.

التخفف من ثقل كُل هذه يحدث بين عشية وضحاها؟ أكيد لا، يحتاج صبر + مكان للتفريغ (الكتابة) + عادات جديدة (قتل الفراغ) + إيمان وثقة وصدق.

إذن أسلحتي الخاصة في رحلة التخفف.. صبرًا، وقلبًا جسور، و روحًا ترى الجمال في اليسير من الأشياء، وبغض النظر عن فكرة التخفف السائدة تجاه الأشياء الملموسة أو ما يُسمى بـ Minimalism، تلك الفكرة التي لا أقبلها كنمط حياة نظرًا لجذوري العربيّة في حُب الاحتفاظ بالأشياء، خصوصًا تلك التي تختزل ذكرى عظيمة لي أو لمن أُحب، حتى هاتفي لم يسلم من الموروث العظيم قاربت العشرين ألف صورة!

أذكر أنه من طقوسنا العائلية قديمًا، قبل عيد الفطر والأضحى، نجتمع نحن الأحفاد، والخالات مع جدتي لترتيب المنزل وتنفيظه استقبالًا للعيد، فذاك يطوي السُجاد ويُشرّعه، وآخرون يمسحون الجُدران، أما فقرتي المفضلة كانت ترتيب خزانة جدتي البيضاء الموسوعة، الحافلة بالذكريات العتيقة، بفساتين خالاتي المنفوشة القصيرة، بصور العائلة في كُل مكان، بصوري أنا شخصيًا حيث أني أجد صورًا جديدة في كُل مرة لكثرتها، بحُب أمي للأشرطة الصوتية، بقمصان أخوالي الرياضية ودفاترهم المدرسية، أُسميه دُولاب العجائب!

لا تسمح جدتي برمي أي شيء وإنما تعيد ترتيب الأشياء وتزيل عنها الغبار، يستحيل أن يُرمى شيء عبثيًا هكذا، إلا بطلب وإلحاح شديد من بناتها لتوفير مساحة إضافية في الخزانة…

وآيضًا كصفة متوارثة كذلك هي أُمي، تحتفظ بكُل شيء في خزانة بيضاء أخرى، كُل شيء أعني بذلك كُل شيء حرفيًا، أول لباس نرتديه في الحياة لي ولأخوتي، أول لباس للعيد، ومهاد كُل فرد منا، ملابس الروضة والمدرسة، كُتبنا، بعض ألعابنا -أمتلك للآن دُميتي حينما كنت بعُمر سبعة سنين- ، تاج زفاف أُمي وطرحتها، كُل شيء نظيف وجديد ومرتب، لا زالنا نعيد ترتيبها قبل رحلتيّ الشتاء والصيف، تمنحي تلك الخزانة دهشة عارمة، تُطبع على عينيّ، كطفلة رأت بلاد عجائب أليس!

بدوري انتقلت لي هذه الصفة، أُحب الاحتفاظ بكل شيء له معنى وذكرى من ماديّات ورموز وصور ورسائل، لكُلٍ تصنيفه الخاص في القلب ومكانه، والتخفف منها أمر غير محبّذ عندي آبدًا، لا أستطيع التفريط بدهشة ابنتي المستقبلية لذكرى والدتها.. أفتديها.

إذن زالت شُبهت التخفيف من الأشياء، ماذا عن الأشخاص؟

أفر بإصبعي بقوة لأتجاوز تغريدة مفادها تجميل قوة التخلي، والإكتفاء بالنفس، وحُب التلويح بوداع لأي علاقة اهتزت في لحظة ما !

دائمًا عُمق أيامي يتساوى بعُمق ذكراها لديّ، أتخيل الحياة كشجرة فروعها وأغصانها وأوراقها هي ذكرانا مع الأيام، أميز الأيام بها.. كان تكدسها يزيد الجمال جمال، لا أُنكر أنه في كُل مرحلة عُمرية تُصاب شجرة حياتنا بخريف عابر، تتمرد رياحه لتتساقط الكثير من الذكرى والرفاق، لكن التجدد كان جزئًا جميلًا وفصلًا حميميًا، لنفصل بين من يبقى في شتائنا وشدتنا، ومن يكن ذا ذكرى لطيفة ونسمة عابرة أحيتنا حينًا من الدهر وتركتنا مع حفظ الود لها.. ثم كيف يمكن التخفف من الأشياء والأشخاص وذكراهم بالنسبة لي “تحويشة عُمري” ولفيف أغصان شجرة حياتي؟

من ماذا عليّ التخفف؟

أذكر في أول مرة صارحت نفسي بكتابة مستفيضة، شعرت بخفة، وأن روحي طير، وأن السماء لي، كان فهم ذاتي طريقًا سريعًا تجاه تخففي وأُحب فعلًا هذا الشعور الهادئ الذي ينساب في هذه اللحظات والليل مدلج، ويرمي وشاحه فوق أسطح البيوت بطريقة شاعرية للغاية محرّضة للقراءة، للسهر مع الكتب، والأدب والشعر، فأنا “لا أذكر الأشعار إلا تداويا” وعندي “في القلب لكل ثقب قصيدة!”، محرّض آيضًا للكتابة، لكتابة الرسائل، لقرائتها آيضًا.. لديّ مجموعة صغيرة من الأصدقاء الغرباء للمراسلة البريدية الإلكترونية، وكانت سبيلًا لي ولهم للتخفف آحيانًا كثيرة. (الكُتب والشعر والكتابة حياة أُخرى.. خصوصًا بالليل)

-للمراسلة بالبريد الإلكتروني: rahafletter@gmail.com

أزيد التخفف من التوقعات، كُل آمالي تجاه أي أحد دون استثناء الزُهد فيها مطلب، لأني علمت لا شيء يضايق صفوي كخيبة الأمل، أن تخفت لمعة عينيّ وتتوه الابتسامة من شفتيّ، وهذه غلطتي وحدي لا أنكر ذلك.. لا أحد يُملي عليّ التوقعات، وحدي من شيّدتها صرحًا عاليًا، ووحدي من ستقع عليه، والتخفف من التوقعات شيء يشبه مد سُجاد من الاسفنج يقي السقوط، المهم أن يكون سميكًا ليحتظنني بحنو، كُلما هويت من حافة توقعي بأحد أُحبه، أو سقطت الحافة عليّ lol. (لا توقعات عالية)

التخفف من الكلام، لطالما كُنت محشوة به، وذات فم صامت، إلا من أحاديث تنقذ المواقف، تُعيشني اجتماعيًا، لكن خلجات النفس وآلامها، أمانيها وكلماتها، تبقى مدفونة، لا يخرج منها شيء، تظهر شذرات منها، حينما انكفئ على نفسي ليلًا فيفضحني أثر دمعي على وسادتي، تظهر في علو وانخفاض صدري بعد تنهيدة عميقة، تظهر في الالتفاته بحدة تجاه صوت قض مضجع تفكيري، تظهر في سؤالي عن حال أحد أُحبه وكأني أجره للكلام لا أنا، تظهر في شربي للماء بسرعة، وكأني أدفع الكلام الخارج ليدخل بقوة، تظهر في قلة شهيتي، اقتباساتي، وشعري الفوضوي… وكأن كل هذا جزء من كلمات أنفثها فتطاير من فمي على هيئة سلوك خفيّ لأبعد الشُبهة.

والكلام بحد ذاته ليس احتياج، وآيضًا ليس له سبيلًا للتخفف بالنسبة لي، لكن آحيانًا يكون كاتمًا، مزدحمًا في الصدر وثقيلًا، وأود لو انتزعه انتزاعًا. (تسجيل صوتي للتخلص من الكلمات العالقة في الصدر)

من الاشياء المناطة إلي دائمًا المسؤوليات العديدة، ربما هي ضريبة كوني البنت الكُبرى بالعائلة، أو لأني تصدرت لها خطئًا مني وسهوًا، تتشكل عقدة النضج وتقدم العُمر عندي على هيئة أزمة، أخاف على روح الطفلة الصغيرة بداخلي بالضياع، بالتشتت، بالاحتراق، بالنسيان، هذا غير أني أهرب إليها كلما احتشد أمامي جيش مسؤوليات، عالم سري مختبئ ولطيف داخلي، أعترف بأني مرات عديدة أتوه في الطريق إليه ولا أجده، فألجأ للعديد من شذرات الطفولة.. فمثلًا قبل مدة قررت تحقيق أحلام طفولتي، حققت إحداها قبل فترة وكان الشعور مُذهلًا، كنت أتمنى أن أكتب في صحيفة وفعلت!

تمنيت أن اتأمل القمر بتلسكوب، فصنعت جار أجمع فيه نقودي بطريقة الطفولة القديمة.. وسأحصل عليه يومًا ما، هذا غير كُل الأشياء المحببة لي في طفولتي وأفعلها بحُب، مثل متابعة فيلم الكرتون المفضل لدي، الوجبة المحببة لي بطفولتي، وقراءة بعض الكتب التي تتسم بروح طفولية مُبهجة، والكثير من الأشياء والأحلام المخلوطة بسحر دهشة الطفولة، ذاك السحر الخارق الذي يدفعني للغناء: “مهما كانت أيدينا صغيرة، أحلامنا تداعب النجوم!”. (روح الطفولة تزيل تراكمات عبء الحياة).

اعترف أني سريعة الغضب، للحد الذي لا يتوقعه أحد، دائمًا ما اُفاجئ أحدهم حينما يراني غاضبة، أسمع كلمات تشبه: “كائن غاضب يخرج من رقتك يارهف”، وامممم أظن هذا يعود لمعنى اسمي “رهف” الحدة والرقة في آن واحد، فقيل: قلبٌ رهيف، وسيف رهيف! لا أبرر لنفسي مُطلقًا، فالغضب شيء مُريع، نارٌ تحترق في الصدر، خصوصًا إن كنت كتومًا وغاضبًا، تشتعل هذه النار لأيام لأسابيع ربما، ثم تأخذ منحنيات مختلفة مثل بكاء مفاجئ، تجاعيد بين العنين ليوم كامل، ردود للرسائل قصيرة ومقتضبة، وأشياء لا تشبهني، وفي ذلك حاولت إصلاح ما يُمكن إصلاحه، مثلًا أخذت دروس تمارين التنفس (لا يُمكن تصدق هذا صحيح؟ بلا فعلت)، المشي والركض، استماع البودكاست إشارة باللامبالاة بأحاديث الآنسات رهف الغاضبة، ورهف الحساسة، ورهف ملكة تأنيب الضمير.. المتقوقعات داخل رأسي!

لكن كل تلك الحلول كانت شيئًا لحظيًا لا يتعدى حدود يوم، فاستيقظ في اليوم الذي يليه أحملق في السقف، أتحسس صدري، وإذ ببركان الغضب لا زال مكانه، يخمد يوم، ويثور يومًا آخر…. وأفضل ما يمكن فعله هو مواجهته، ثم التغاضي والتغافل عن مصدر الغضب، ترك الجدال الذي يشعله، وعن الجدال لا أدري ممن استقيت هذه الفكرة حول أن الجدال يشيخ بالمرء، لكن دائمًا ما أتذكر هذا وينفعني جدًا، فأنا لا أود أن أشيخ أكثر، ثم سمعت أن وجود البراكين الخامدة في مكان ما، يعني أنها أرض خضراء، والمطر زائرها الحبيب، لذا لا بأس بوجود بركان طالما كان خامدًا مسالمًا ! ( في كُل مرة يثور بركان الغضب، عليّ أن أُفعّل الضوء الأحمر: رهف الغضب والجدال يشيخ بالمرء، يسرق ضعف ما يسرقه الوقت من لحظات. )

التخفف من عُقدة تأنيب الضمير، تجاه نفسي وصحتي وأشياء اخرى.. وفي هذا كتبت الكثير من الأشياء، اختصرها.. بأن استبق عُقدة الذنب، افعل ما علي فعله، وما يُحملنني ساعديّ على فعله، والباقي لا حول لي، إن أحطت علمي ببذل جُهدي، فلما الشعور بالذنب؟ وأدرك أن الكلام أسهل من الفعل، لكن الكلام الصادق يستقر في العقل، حتى يترجمه لفعل، ثم يطمئن القلب فلا يسمع الضمير تأنيبًا ولا شكوى. ( كتبت مرة: “الذنب عاطفة غير عقلانية” )

كنت أمس أُفكر في عدد الأشياء التي وجدت لتُيسر الحياة لنا، لتجعلها أفضل، أكثر دفء، أكثر قُرب مما وممن نُحب.. وإذ بها صارت الحياة بأكملها تتمحور حولها، وأزعجني هذا بصدق، تملكتني غرابة موحشة، متى حدث هذا؟

ولكن الإفاقة من سُبات الغفلة هو المهم، وتأمل كل شيء من قبيلة كان مجدافًا لقاربي، وصرت اتأمله أمامي بدل التجديف به، لإعادة لوظيفته الملائمة… ويقينًا ترتيب تشذّر الأشياء الهاربة من وظيفتها، تخففًا لا يُشبهه شعوريًا إلا التحليق بعصا الساحرات!

والكثير من الأشياء السريّة، التي عليّ فعلًا العمل للتخفف منها.. دائمًا أقول: هل تستحق العناء؟ وقد تبدو هذه الفكرة بسيطة حتى تحيا بها، لكن أنا تتملكني طُمأنينة أن رهف اليوم، أفضل من رهف الأمس… وخطوة في سبيل الإصلاح تعني حياة كاملة بالنسبة إلي.

كنت أُريد الإكمال في حديث الإصلاح وعاداتي الجديدة وعلاقتها بدخول شهر رمضان ووو، حتى ألتفت على عدد الأسطر المهول المتلاطم فوقي، لذا إن وصلت لهذا السطر تحديدًا فأنت صديق حميم جدًا، ممتنة لذلك كثيرًا.

تمت يوم السبت،
-في هامش الصورة: ألتقطتها من النافذة بعد يوم ممطر وبديع، بعثتها توثيقًا لمنظر السماء في محادثتي مع رفيقتي، السادس من فبراير.. الرابعة عصرًا.-

السابع والعشرون من فبراير|٢٠٢١ م
الخامس عشر من رجب| ١٤٤٢هـ

١١:٠٢ م

“ستكبر فظّ الحواس”

الرابع عشر من فبراير |عقلي أم قلبي؟

هذا التساؤل الذي ظل حيرة كبيرة لي، وعثرة آحيانًا، وشمّاعة أُثقل كاهلها كُلما ابتدرت تعليق قرار خاطئ من أحد الجهتين عليها، هل يستقيم القلب ويعدو تجاه طريقي، أم ذاك المُدبّر عقلي يختار الطرق الأفضل رغم ضبابيتها لعينيّ وفقرها لودادي؟

في كتاب مُلقى بين ملفات مكتبتي الإلكترونية، ألقيته هُناك منذ أشهر ونسيته، قررت فك أسره بقرائتي له، وحين ابتديت من أول الأسطر اُذهلت بكلامه، وإن لم أوافقه كُله، يقول ناتسومي سوسيكي في وسادة من عُشب: ” إن أنت ركنت إلى العقل، ستكبر فظ الحواس، وإن أبحرت في مياه العاطفة، سيجرفك تيّارها، أما إن غلبتَ إرادتك، فسينتهي بك الأمر لتضييق على نفسك، وكيفما قلبت الأمر ستجد في النهاية أن الحياة في عالم البشر ليست بالأمر الهيّن”.

في كُل خطوة خطوتها، أستبق أثر الندم.. وقعه، مقداره، طول آثره، مدى تقبلي له، وعُمقه في صدري، أتخيله بعد أن يبرئ، هل ستكون نُدبة أتحسسها وابتسم، أم أُشيح نظري عنها بوجع؟
كان الندم مقياسي، ولفيت أن عظيمه كان من شيءٍ، ما قبله قلبي وأحبه، وأشاح عنه مرارًا، غير أن كلامًا يلهج في عقلي، يجول ويصول حتى أتمه، فكانت ملامة الندم أقسى.
ولا أقول أن لقلبي حدسٌ لا يُخطئ، وسهم لا يوجع، وخُطى لا تزل، وإنما كان الندم الخارج من خطاياه ذا زلل مغفور، تقبله نفسي برضى وطيبه.

أُحب صراحة القلب، إنفعاله وذوده عن عواطفه، والكلمة النابعة منه دائمًا: “رهف دامك تحبين هذا الأمر.. عبّري، افعلي، اقدمي”، أُحب انجذاب يديّ لحظة فزع/خوف لقلبي، والتنهيدة السافرة ببطء من جوفي للخارج، أحب مَشورته ومُشاورته، للحديث الرقيق منه، والعتاب الصريح الموجه لميزان عقلي، أذكر أنه في عِلاقة لاقت نفسي منها المُرّ كثيرًا، تحديدًا صديق حينها كان عزيز.. ولا زال عزيزًا أحبه جدًا، هل المُرّ يخرج من الأصدقاء؟ أي نعم وهناك من ينفثه حينًا وحينا، ما أعنيه أنه في فترة ما كنت اتسأل عن أعتى اخطائي كي أُعامل بمثل هذا، وبقدر ما جرّمت نفسي حينها وبرّأت صديقي جُرحت وأصبت بخيبة أمل قاسية، المهم بعد محاولات لا تُحصى، هذّبني قلبي، فالقوة في التمسك لا التخلي، صحيحٌ كان مُرًا، لكن من ذا الذي يصفو زمانه كُله؟ والحُب في التمسك رغم المرار، وكان ذاك أذى احتمله لصديقي، أو رُبما تلك المحبة النابعة من قلبي، أودعت به قوة الصبر، قوة أن أُطبطب على قلبي بـ “لعله يجرح بما فاضت نفسه من حُزن/ ظرف أجهله”، والصديق من تحمّل الهفوة وإن صارت هفوات، فطيّب الذكرى باقية لم تزل، ورغم ذلك العام العصيب وتحملي الذي كاد أن توشك في محوه موازين عقلي، إلا أنني نجوت مع صديقي، نجى هو من مُرّه الذي خبئه عني وتلقيت شذراته، ونجوت بعدم فُقدانه، جُلّ أسلحتي كانت قلبٌ مُحب، وأكفٌ تساند رفيقي الحبيب بدعوات ماطرة عليه كُل حين.

في القلب قوة لا يدركه ولا يبلغها العقل، كانت شظيّة في أرض العدو تخترق الزمن والمكان والطُرق إن كان القلب سليمًا، وتكن في أرض الصديق إن كان القلب ملوثًا بأحقاد نتنه، قد تكون أبعد عن كونها شظيّة هذه القوة.. قوة القلب، قد تكون استثناء سماوي: “إلا من أتى الله بقلب سليم”، وقد تكون بناء بيت بين اثنين قوةً تلم شملهم، تحويهم تحت سقف واحد، تظلل غمام الحُب فوقهم فينشأ بيتًا قويًا، إن أذنب أحدهم غفر قلب الآخر له صبابةً وعشقا، وإن قصّر الآخر رأها القلب كمالًا متوشحًا بحُب، قد تكون هذه القوة بين صديقين ضميدين لبعضهما كما قال ابن الأثير عن الصداقة: الصديق من ماشى أخاه على عرجه” وأرى في هذه المقولة عذوبة، وأتلمسها بقلبي حينما يمسّني أَلَمٌ مصدره رفيق حميم.

والآن ليلًا اتأمل النسيم وهو يدغدغ ستارتي، أفكر في حديث دار بيني وبين إحدى صديقات الانستجرام، عن جُملة -تعلمت حُبها- هل القلب يُمكن أن يتعلم حُب شيء ما؟ دون أن يرتقي في حُبها؟ -أنا من الذين يفضلون كلمة “ارتقاء” عن كلمة “وقوع” حين يصل الحديث للحُب-

ردت عليّ بأنه: كُل هذا الكون وأشياءه تستحق أن تُحب، المهم أن يفتح لها القلب بابه، وأجبت أنا بطريقة هزليّه: أنه ليس لباب القلب مفتاح حاضر دائمًا… ورغم هزلي إلا أني كنت جادة بكلمتي، لأنه حينما يفتح القلب بابه لحُب شيء ما لن يغلقه آبدًا، فيقبل للمحبوب خطاياه وزلّاته وعيوبه ومآثره ومحاسنه وعرجه، حتى بالنسبة للأشياء والأعمال حينما يُحبها القلب ويفتح لها بابه فإنه يتقبل تعبها وشظّف العيش معها، وصعوبة الحصول عليها، قلت في نفسي ربما ثقل باب القلب وخفته تعود لكل قلب، ولطارق هذا الباب، فالمفتاح يتعلق بهذين النقطتين.

وأرى أن جمع مع الناس يقررون اختيار العقل والقلب معًا، فشيء من هذا وشيء من ذاك كخلطة سحرية تُتم عليهم قراراتهم فتغدو صائبة، ولا اعترض على قرار أي أحد أو أطعن به، ولكني أميل لاختيار القلب، أميل لمكياله وإن وضعت قليلًا من العقل، والقلب ليس بالضعف المصوّر، لطالما كان دليلي في عتمتي، حينما أصر عقلي لاختيار بناء على النور الغائب عني حينها، دليلي الذي اختاره وأُغمض عيني، يقويّني، يهذبني، ويمسح عليّ، حينما كان عقلي لوّامًا جلّادًا، لا أود القسوة على العقل واختياراته، فالتفكر والتأمل ينبع من خلاله، لكنّ الكثير من عاطفة المرء وقلبه بقليل من رُشد عقله يصوغ له حياة يُحبها ويرضاها ويأمن بها، وكما قيل :” إن أنت ركنت إلى العقل، ستكبر فظ الحواس”.

تمت أمام النافذة،
يوم الأحد..

الرابع عشر من فبراير|٢٠٢١م
الثاني من رجب| ١٤٤٢هـ

٢:٠٦ ص

من جهازي المحمول..

الخامس من فبراير| ضيف قلبي.

لأول مرة أكتب من الجهاز المحمول بهذ الشكل, وددت أن أجرب هل أستطيع الكتابة بهذه الطريقة أم لا, ومن أول سطر يبدو أنها فكرة ممتعة, حيث تتقافز أصابعي بين أزرار لوحة التحكم بشكل فائق السرعة, أكثر مما ظننت, ولا أسمع سوى صوت طقطقة الأزرار, ونداء استغاثة من زجاج نافذتي إثر صفع الرياح الشديدة لها, لما أنا على جهاز المحمول؟ لدي اختبار للرخصة المهنية للمعلمين بعد أيام, تحديدًأ يوم الإثنين, وأهرب من المذاكرة بهذه الطريقة, لكني أعترف بأني متحمسة للاختبار لعدة أسباب, أولها لقاء رفيقتي اللطيفة, وثانيها عودتي للجامعة التي غبت عنها منذ شهر مارس الماضي…تذكروني ورفيقتي بدعواتكم بالتيسير لنا.

كان يومًا غاية في العمق والرضا, بدء من دهشة المطر, زائرنا الرحب الحنون, أتى مختبئًا عن النائمون والساهرون وحتى عن الديكة, وهطل هطولًا شاعريًا, و إنساب رقراقًا مع آذان الفجر, ينافسه في طمأنينته, هرعت بشرشف صلاتي الأزرق لأحضر كأس شاهي ذا عبق أحمر زاكي, وبت أرتشفه على وقع المطر أمام نافذتي, يشكل بذلك موسيقى للطبيعة تدخل خلجات نفسي وتستقر به بطمأنينة حمام الحرم, مراتُ يخفت, وحينما يكاد أن ينقطع يزمجر الرعد به ” ويحك كل الناس عطاشى لك فانهمر”, ولا يصدق مطرنا خبرًأ, ينهمر بأمر الله,ويعاود العزف,اكتست البقاع حول بيتنا به, ولم تسلم كذلك أريكتي ذات لون رمل الشاطئ البراق, ولكن لا بأس ذلك المطر, كأنه الابن المدلل لزوجين شغُفا بمجيئه 29 عام, وجاء بعد تمام الثلاثين.

بالنسبة لي المطر أحد بواعث انسكاب الشعر من فمي, استحضره بحضوره أكثر من غيره ولا أعرف لماذا, وكان نصيب اليوم لأبيات كتبها الدكتور ماجد عبدالله :

” ولمحتُ طيفك خلف أستار السحر
وكأنه قمرُ من الخجل استتر

والشوق في جنبي رعدُ بارقُ
هزّ الفؤاد ففاض عِشقًا وانهمر

فتلاقت الأرواح بعد شتاتها
وحنا علينا العمر وابتسم القدر

وضممت حبك في السماء كأنني
تلك الغيوم وأنت زخات المطر”

حينما انتهت إحدى مقطوعات المطر وذبل عزفه, تذكرت بأني جائعة, هل المطر ووقعه ينسينا حاجاتنا الإنسانية ؟ تلك أظنها ميّزة لا يحظى بها سوى أهل مدن الشرق, ويا لحظنا… تذكرت قطعة أخيرة من سينابون بعثته لي صديقة عزيزة على قلبي, حينما عرفت بأني “اشتهيه”,كان لذيذًأ لا يشبه إلا دفء معاطف الشتاء, يذوب في الفم, وتتمازج لذعة القرفة وحبيبات السكر الأسمر في آخر منتصف اللسان, مكسوة تلك القطعة بمزيج من الحليب المكثف والقشطة الكريمية ربما, لا تصل حبة السينابون للمعدة بل تدغدغ الدماغ وتستقر في القلب, قطعة غارقة في الجمال, تطيب بها النفس, أعادتني لأيام حنونة مضت, خُبزت بحُب يكتفي منه القلب, ثم دُمنّا رفيقاتنا ذوات شغف الطهي لقلوبنا..آمين, lol.

كان صباحًأ طويلًا بأحداثه ممتلئًأ بالتفكير والخيال تموج الأحاديث في عقلي, وكأنها ترى بأنه مدينة ملاهي لا تنام, أرى الأفكار به كلافتات مضيئة تسطع وتخفت بسرعة إطباق الجفن على العين, وأراها حينًأ أولاد مشاغبون يركبون أحصنة الملاهي الدوارة, تدور بهم لدرجة باني يستحيل عليّ تمييز ملامحهم, وأظن أن كل الأشخاص الهادئيين تسكنهم مدينتي الصاخبة هذه, بكل أولادها المشاغبون, تعج بهم الأفكار والكلمات عجًا, وتبقى أفواههم شحيحة الصوت والكلام, ويظل بيت أحمد بخيت أفضل وصف لهذا: ” لم تتسع كلماتنا لتقولنا… ليظل أبلغ ما بنا مطويا”.

كي أنفض جزء من هذه التفكير الجائر, تابعت حلقة من مسلسلي ذا أجواء الريف والفساتين المنفوشة وعربات الأحصنة, حتى ارتميت في شغف حديث إحدى الطفلات في المسلسل تخبر عن هدية والدها عامل المنجم المتوفى في حادث بعمله, أهداها قطعة فحم, هو الشغوف به وبعمله , قالت الطفلة: ” لكنه أجاب أنها كنز..الكنوز كلها تستحق التنقيب عنها, وهذا يكلف غاليًا دومًا”

بت أتفكر في ما اسميه ” كنزي” سواء أشياء وددتها, أو كومة الأحلام المرتميه على صخور أملي, كذلك هي تستحق التنقيب عنها, بصبرٍ كامل, وجهد القويّ, هل تكلف غاليًا؟ بلا شك, تأخذ ما تأخذ في طريقي نحو التنقيب,طالما كنت صادقة في رغبتي بها, لن تُنحيني جانبًا, ولن يختبر صدق حلمك سوى اختبار التنقيب ذاك, فإما هويت متعبًا, وإما مضيت رغم انكسارات التعب, ولا أظن من العدل الإنساني أن أحكم على صدقي من أول لحظة تخور بها القوى, فالدنيا مليئة بالفواصل الذابلة, أما الإنتهاء فهو نقطة صريحة لا حديث بعدها, ثم لا بأس إن كان انتهاءً صريحًا, أي نعم مؤلم, ولكن صدقك مع نفسك و عزيمتك, أحلامك.. يستحق, ولطالما كان صدقي مع نفسي مواساة لي, حينما أتوه في درب, واتألم من آخر, هامسه بـ ” رهف معليه المهم كنت صادقة مع نفسك”

في هذه اللحظة وأنا أكتب أسمع صوت الرعد يلوح لي, يجذبني لأن أتوقف كي أسبح خالقه فسبحان الذي يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته, زائري الحبيب ود قلبي ضيافته بشكل يليق به…وداعًا.

تمت،

الجمعة..

الخامس من فبراير| ٢٠٢١ م
الثالث والعشرين من جما الثاني|١٤٤٢هـ

١٠:٣٢ م

#ريجيم_ثقافي

يناير|توصيات آنستني.

في بادرة أُطلقت في التويتر، عن نشر مواد وتوصيات ثقافية، لبدء عام 2021 بشكل مختلف ربما، ولتخفف شعور الذنب تجاه الإسراف بالإنشغال لأشياء سطحية أكثر.. ربما، لأكون صادقة أُحب فكرة التوصيات جدًا، وأحب أن أتلقاها.. وأحتفي بها ومنها، من أسعد الأشياء بنظري حينما تأتي صديقتي الحبيبة تسألني عن توصياتي، وأحب أن أخذ توصياتها تجاه كُل الأشياء، وأحفظها عندي كـ أرث، المشاركة تجاه أي شيء أعتبره أمر سعيد جدًا، حتى لو كانت قُصاصة من ورقة، أو لحظة من يوم، أو صورة للسماء، أو نظرة للقمر!

والمفترض في هذه البادرة أن أُشارك بـ 31 توصية، لكن لم ألتزم بهذه النقطة، وأحببت المشاركة بما أثر فيّ حقًا…

– كتاب “المعلقات لجيل الألفية“.

كتاب من إصدار إثراء، المركز الذي نفخر به جميعًا كتحفة فنية، يشرح الكتاب المعلقات بطريقة سلسة وبلغتين، لغة الكتاب بسيطة وجميلة جدًا.

– ساوند كلاود “مواسم.. مع نوف اليحيى“.

– كتاب “الليالي البيضاء.. لفيودور دوستويفسكي“.

-مراجعة كتاب ” قوة العادات من قناة أخضر“.

-” حول قلق الرزق والمستقبل.. يزيد اليوسف“.

– تدوينة “سيرة تاريخية لشعري الأجعد“.

– سلسلة تغريدات عن “صور عربيّة عريقة.. من لمياء القحطاني“.

– قُصاصة غاية في العذوبة من رسائل جبران خليل جبران إلى ماري:

“إذا لم يكن لي غير أني لا اشعر معكِ بالوحشة الروحية الي اشعر بها مع باقي الناس لكفاني”.

– سلسلة تغريدات عن “العوالم المتخيلة في الأدب“.

-قصاصة من حديث “المنفلوطي عن النفس الصغيرة”.

-حساب “يافا” لتجسيد الكلمات بصريًا.

-سلسلة تغريدات عن “لوحات شهيرة.. لمياء القحطاني“.

-“وأنا انتثرتُ قصائدًا وأغاني“… اقتباس لإحدى شاعراتي المفضلات روضة الحاج.

– “جولات ” في أرجاء الشرقية من سيّور.

-“أراك بقلبي” قُصاصات شعرية من سلام.

أبدد كالطفل أيام عُمري” قصيدة لطيفة لأمل السهلاوي.

-مقال “رسائل والدي: عن الغربة والاغتراب في وطن الغريب” لأمينة السليماني.

– بيت عن قصيدة -وصلني من أحد الأصدقاء بعد تصويري للسماء.. اللافت للأمر أنه كُتب عن الموت-:

“أراكَ وإن طُلبتَ بكل وجهٍ
كحلم النوم أو ظل السحاب”

-موقف حنون أبكاني مع المصور “إبراهيم سرحان“.

أحب كل post من إبراهيم سرحان لكن هذه له وقع خاص في قلبي، ذكرني بجدي، ولأن لكبار السن مكان كبيير بقلبي يكاد يلحق بمكانة الأطفال فيه.. والله يحفظ الشيخ صالح ويطيل بعُمره وهو بصحة وعافية وعلى طاعة الله.

– حكاية من نوع مختلف للشاعر محمد عبدالباري “شارع لا يريد الوصول“.

– مقال “لماذا اعتزلت الناس؟” لميخائيل نعيمة.

•الصور جميعها مقتبسة•

..

أتمنى أنها توصيات مؤنسة، وصديقة حنونة.

تمت،

الأول من فبراير|٢٠٢١م
التاسع عشر من جُماد الثاني| ١٤٤٢هـ

١:٣٠ ص

سارقي النبيل.

يناير| مرّة أخيرة.

لا أعرف الرابط السحري بين الأفكار العجيبة الرهيبة وبين لحظات ما قبل النوم، تلك التي تقاوم النوم من أجل إكمال تفكيرك أو خيالك و رغم هذا يغلبك، حينما تستيقظ تحاول عصر عقلك لتذكر فكرة الأمس ولن تستطيع قد أبتلعها النسيان!

مرّ عليّ هذا الموقف أمس، ولكن حتى أغلبه كتبت عبارة في الملاحظات تُذكرني بهذا وهي: “دائمًا هناك آخر مرّة من أي شيء” ومن كُل شيء، كنت أفكر بعدد الأشياء التي انقضت وانتهت دون علمي بأن ما أفعله لأجلها هو مرة أخيرة.. عدد الأشياء، عدد المحادثات، الرسائل، المراحل العمرية، الأشخاص الذين ابتلعتهم الدُنيا أو الأرض رحمهم الله، وكُل شيء قابل للانتهاء، وكان انتهائه أسرع مني في ملاحقة فكرة أنها المرّة الأخيرة.

جلت نظري على ما ومن حولي، كغزالًا قفز كثيرًا دون أن ينظر للبرية من حوله، وحينما أحس الخطر.. وقف يتلفت يبحث عن رائحة الموت ويتحسسها، هناك الكثير من الأشياء ذات اختفاء سريع، إحداها عُمري وكومة الأيام التي تمضي بعيدًا في ثقب أسود مختبئ، لا أراه ولكنّه قابع تحت المنضدة، خلف مرآتي، بين أوراقي.. هناك حيث لا يُمكن أن أراه ويحيط بي.

تلك الأيام قد ماتت، وهناك يوم يدُس موتي، دون أن أميزه.. سأستيقظ للمرة الأخيرة، اتأمل النافذة وضوء الشمس، أجلس في مكاني المُعتاد في غرفة التلفاز، اقرأ كتابي، أرتمي على أريكتي.. ثم تموت روحي.

ولأن الحياة مرة واحدة، هل عيشها كمرة أخيرة يكفي لتتمتها كما نُحب؟ ظل هذا السؤال يلاحقني من الأمس، وأظن أن الإجابة نعم، أستند لبيت أبي الطيّب المتنبي حين قال:

” وإذ لم يكن من الموت بدِّ

فمن العار أن تموت جبانا”

وأعتقد أنه آيضًا يقصد وإذا لم يكن من الموت بد، فمن العار أن تحيا جبانا، وهذا الوجه الأبيض من الموت، يخلصنا من الخوف منه، أن نحيا ونحن ندرك النهاية، جميعنا موتى، فلما الخوف منه وهو مصير معلوم؟

وهذا المصير الحتمي، يدفع الإنسان للعيش، يومًا بيومه.. حينما تملكتني هذه الفكرة، بت أستيقظ ببطء، أنظر للسقف وكأنها المرة الأخيرة، هذا السقف حمل توقعاتي وآمالي، وتحمل نظراتي البلهاء له، شاهد سيل دموعي وهي تفيض وتبتلعها مخدتي.. آمتناني له.

الموت يدفعني للامتنان، لكل شيء وهذا أدهشني بصدق، دفعني للمزيد من الإنجاز، للمزيد من التمسك بلحظاتي المطمئنة فربما لن توجد غدًا، أو ربما لن يوجد غدًا حتى أعيشها.

الأيام بزاوية النظر إليها وكأنها الأخيرة، ليست بذلك السوء مطلقًا، وإنما تبدو حميمية أكثر، بصدق وبسبب هذه الزاوية تخليت عن فكرة “الأبد” وهي مثلًا أني سأظل رفيقك للأبد، وسأحبك للأبد، سأبقى بارًا بوالديّ للأبد، سأساند أختي للأبد وووووو…

هل الأبد موجود حقًا؟ هنا بهذه الدُنيا؟

هل الأبد هو سبب ضمان محبة أحدهم للآخر فيُهمل، وهذا الإهمال أبغضه ببساطة لأنه يهمش التفاصيل الصغيرة، إذ أني لا أود أن أراك حين بلوغي قمةً ما، وإنما كنت أود يداك في انكساراتي الصُغرى التي تسبق الوصول لها. أريدك اليوم، واليوم فقط.. غدًا لا أضمنه فما بالك بالأبد؟

تذكرت قصيدة نزار قباني: “أحبيني، لأسبوعٍ، لأيامٍ، لساعاتٍ.. فلست أنا الذي يهتم بالأبدِ”.

أحسست بأنه -أي الموت- سارقٌ نبيل، أعلم بأنه سيسرقني لكن لا أدري ماذا سيخطف، أعلم أنه حولي لكن لن أراه.. هل أنا أم غيري؟ هل أنا أم مني؟ وعلى حين غرّة سيموت شيء ربما شخص، ولن أُعيده، ولن يحاكم أحد هذا السارق أبدًا، وسيعود في وضح النهار أو حلكة الليل، أقلّب يدي وليس لي حيلة، وحدث ذلك قبل أشهر حينما فقدت إحدى رفيقاتي في حادث سير، كنت مقصرة جدًا في تواصلي معها، وتعبيري عن امتناني لها.. وهذا يؤلمني وباقي بداخلي كجرح غائر وعميق، ومشاعري تجاه هذه الحادثة لم أبح بها لأحد لعظمها داخلي، وهي التي حثتني للنظر بزاوية أخرى.

والآن وفي لحظات إدراكي بوجود الموت أدعو بأن يبقى شبحًا سعيدًا في عقلي ياربّ، سعيدًا؟ نعم سعيدًا، إلهام الموت يدفعني للحاق بكل تلك اللحظات المهدرة تجاهلًا له أو خوفًا منه.

دعاني الموت سارقي النبيل، للإحتفاء أكثر بالأشياء والأشخاص والمشاعر واللحظات، دعاني لأن أُغمض عيني في أول رشفة من كوب قهوتي، إحساس مُذهل حينما تسري في أعماقي، دعاني لأن أحتفي بخيوط الشمس المُلقاة على سُجّاد غُرفة والديّ، دعاني للإحتفاء بكلمات الأحباب ورسائلهم، بالدهشة الكُبرى حين دخول مكتبة صغيرة، دعاني للشعور بالحميمية حين ضم كوب شاي بين يدي الباردة، دعاني لأكتب رسالة طويلة لصديقتي وكأنها رسالة وداعٍ أخيرة، دعاني لاحتضان ابنة أخي بقوة وتقبيل يديها كما لو أنها المرة الأخيرة، وأن التقط ابتسامات أخيها الرضيع لي بفرح غامر.. ضحكة خالية من الأسنان ذكرتني بقوس المطر وهو يمطرني بلُعابه lol.

أن ألتقط صورة لأبي كأنها خارجة من آلة الزمن حيث تختلط فيه أشعة الشمس وأبي وكأنها تلميحة لشيء أوقنه “أبي هو شمسي وضيائي”، أن أُعيد تأملي لوجه الغائب القريب من قلبي أنا الذي حفظتُ تقاسيم وجهه بحُب ولكني أُعيد النظر لشيء أبعد.. لحُلم حنون، أن أصنع فطوري المفضل باحتفاء كبير، وأن أتلذذ به وكأنه أول شيء تذوقته بالدنيا، أن اقرأ كتابي بتمهل و رويّة وأتذوق الجُمل وكأنها قطع حلوى، أن أرى الغروب بحُب أكبر، وأُحادث القمر وكأنه رفيقٌ حميم. وأكثر وأكثر.

والأهم أنه دعاني لإختبار مدى إيماني وصدقه، قُربي من الله ومناجاته، أن أعبد ربي بحُب وخوف، أقام اعوجاجي وهذبني.

الموت تذكير نبيل بعيش حاضري بخفة أكثر، يدفعني لأن أعيش، هذا أكثر شيء أستطيع قوله تجاه سارقي النبيل.. أود أن يُقال كانت رحمها الله: ‏”تتقن الإحتفاء بأوقاتها ببراعة، وتمتلك القدرة على إحالة اللحظات البسيطة إلى حكايا متألقة، كانت تختلس أجمل لحظاتها من بيت شعر، أو لوحة فنية، أو حوار ممتع، أو نصّ أدبي أو حوار لقاء عذب، أو جلسة صفاء، وتحرص على رعاية عالمها الجميل بعيدا عن عوالم البؤس”، وأظن أن فكرة إختلاس الأوقات قبل انقضاض الموت عليها سبيل لتحقيق هذا.

خارج النص وداخله: فجأة بعد أن كتبت هذه التدوينة، وفي أثناء شروعي بقراءة كتاب لهاروكي موراكامي لأول مرة كتب جُملة بخط عريض غامق وأظن أنها تلويحة أُخرى لي بأن ما أُفكر به يحتمل الصواب أكبر مما أظن، يقول بها: “الموت موجود، لا بوصفه نقيضًا للحياة، بل بوصفه جزءًا منها”.

هنا كومة مُقتصة من لحظات أحتفيت بها في يناير 2021:

تمت،

الأربعاء..

السابع والعشرين من يناير|٢٠٢١م

الرابع عشر من جُماد الثاني|١٤٤٢هـ

٨:٤٦ م

هلوسات يوم حزين..

العشرون من يناير| إنسان حزين يقظي يومه

تجاهل الحزن هو حزنٌ آخر مؤجل، يظهر بعد استفاقة التأجيل تلك.. كأن تبتاع شيئًا بالدين، تبتهج به وتفرح، ثم فجأة تلتفت خلفك لترى أكوام دينك المتراكمة.

الحزن شعور إنساني، عاديّ طبيعي، تأجيله يُضاعفه، تهميشه يُبقيه جانبًا في الظل، وفي الظل هذا الحزن يكبر ويكبر ويكبر حتى يعم السواد خلجات الروح، فلا تفيق، أيامها ليل، والصبح عنها بعيد.

أحيان أُفكر بأنه يشلُ روحي عن التفكير في شيء غيره، كأن أكون مكبله، لا أطير، لا أعيش أيامي، ولا أضحك، أحاول جاهدة تخبئته خلف قناع سعيد، ثم فجأة يظهر على وجهي ويسيل من خلف القناع!

عرفت مؤخرًا أن تجاوز مرحلة حزينة أو مقلقة أو مملة أو بائسة، لا يمكن بالتحايل، ولا أيضًا بالتجاهل.. المواجهة وعيشها بالكامل، يكفي لتجاوزها دفعة واحدة، دون أن تترك بقاياها فينا، لا بأس لتطول، ولكن ما يهمني هو اقتلاعها من جذورها، حتى لا يأتي حزن آخر ويرى جذورها الممتدة فييّ ويسقيها، فتعود من جديد.

ثم أفكر هذا الإنسان حريصٌ على البقاء على شعور واحد دون تقلب يا للعجب، كنت أفكر بالسعادة كشعور دائم، حتى صحوت، لذة السعادة تكمن في نشوتها في بهجتها الفُجائية دون ترتيب، وانتظار مُسبق، شعورها يكمن في تلك القفزة، والبهجة بها.. لا يمكن أن يتحصل عليها الإنسان كُل يوم وإلا باتت دون لون نهذي به أو ندعوه كتلاوة هامسين بها “الله يسعدك” لأحبابنا !

ما هو الشعور الذي سأحرص على البقاء عليه؟ اممم تبدو فكرة أن يبقى الإنسان مطمئنًا وراضيًا جميلة بعيني، أن يبقى ساكنًا، هادئًا، تموج به الحياة، ويبقى كـ مركب تدهده أمواج البحر كحضن أم لوليدها، هذه الفكرة أكثر وداعة في قلبي، وأكثر صفاء وسرور.

أن يصحو ليصلي الفجر، يهمس بأذكاره، يخبز فطائره المفضلة أو ما نسميه بـ البان كيك، يضع الزبدة فوقها وهو يتأمل ذوبانها بهدوء وديع، يأكل إفطاره بشراهة المتلذذ، ويقضي يومه بمتابعة شغفه، وإكمال إنجازاته من أعمال.. وإن لم ينجز شيئًا كان وصوله لنهاية اليوم ومزاجه في مكانه إنجاز !

التصالح مع فكرة العيش المطمئن، لا يتعارض مع فكرة الخروج عن دائرة الراحة والبحث عن مغامرة وعيش التجارب الخارقة، ثم لماذا أسموها دائرة الراحة؟ ربما هم لم يعرفوا ماذا واجه الإنسان بها، والخروج عنها أهو بعيدٌ عن الراحة؟ لا أظن، هذه مجرد مسميات اخترعوها “أصحاب عجلة التنمية وتطوير الذات”!

العيش المطمئن كما أُسميه هو التصالح مع فكرة “كُل شخص له وقته الزمني الخاص به لتحقيق ما يُريد”، أي أنه بعيد عن الجدول الزمني المجتمعي السائد الذي يظن البعض أن على الجميع الإلتزام به مثل أنه يجب عليك أن تتخرج وتعمل في العشرين، تتزوج وتنجب في الثلاثين، تتقاعد في الأربعين ووووو، وإن أفلت جدولهم الزمني لاحقوك بالاسئلة، والنظرات والهمسات، والقيل والقال، وكأنك مجرم فرّ من وجهه العدالة لوجههم أصحاب العدل والسيادة.

ثم أن -الخروج عن دائرة الراحة- كما يزعمون قد يكون راحة أُخرى، ليس تعبًا وشقاء كما يظنون، ربما دائرة راحتي متسعة لتضم تجارب عِدة، والبحث خارج المألوف والمغامرات قد تضمها دائرتي آيضًا، ثم ربما أني لا أريد الخروج عن دائرة راحتي.. أُحبها، أتنعم بها، وهي شغفي!

أعرف أني حانقة نوعًا ما، وأتحدث بحزن شديد وغضب، وهو تراكم أحزان مؤجلة أعلم ذلك، لكن تلك هي نظرتي قد أكون صائبة أو مخطئة، أو أني ربما سأندم في المستقبل عليها، وتقلبات الأفكار لا تطمن بالخير.

في فيلم أنيميشن اُشتهر في الفترة القريبة، عن هذيان شخص بالوصول للحظة ما، يتمناها بشدة، متناسيًا أي من اللحظات السعيدة الهانئة الهادئة وتفاصيل حياته الصغيرة دون أن يشعر بها في أعماقه كأن يتلذذ بالبيتزا، وأن يستشعر بحنو والدته، كان السعي المستمر للوصول لهدفه لا يُصدق أعماه عن كُل الجمال المحيط به، وسرق منه عُمرًا كاملًا، وحينما وصل لهذا الهدف.. صُدم، فكان بسيطًا وفرحته بسيطة، لا تستحق كُل هذا التهميش للتفاصيل الصغرى السعيدة، تقدير الجمال المحيط بنا -في دائرة راحتنا- هو خروجٌ عنها كما يزعمون، يحتاج جهد وتعب وسعي مستمر لتذوق الحياة، وأظن أن الحياة تكمن في التفاصيل الصغيرة، أكثر من بهجة الإنجازات، فالحياة أن تعيش روتينك وتتلمس الأشياء السعيدة بهذا الروتين كـ ضرير، أن تنغمس في حزنك وتغوص به دون أن يُغرقك، الحياة هُنا يا رفاق.. في دهشة التفاصيل الصُغرى.

طبتم من الحزن آمنين

تمت،

الأربعاء..

١٠:٤٣ م