أربع قباب وبُرج.

الخامس من يناير| ” لما لا؟ ”

من التي تلتقط الصور التي تحتاج لالتقاط بشكل سريع؟
أناااااا..
في جولة حول المدينة بأجواء سعيدة من أول أيام العام الجديد، لفت انتباهي بيت على الشارع الرئيسي تعلو أركانه أربع قباب كتلك التي في تاج محل، ويتوسط المبنى بُرج إيفل صغير!
أخذت لقطة سريعة للمبنى والسيارة تمشي بسرعة، سُعدت لأني التقطتها بهذه السرعة، وبدقة لا بأس بها، نشرتها على الانستجرام تحت دهشة غامرة مني كان تعليقي عليها “لما لا ؟”
ردوا علي بعضًا من أصدقاء الانستجرام، صديقة قالت “أحلام العصر” وآخر قال لي “أش يحس فيه” والبعض يشيد بجمال اللقطة، صديقة أُخرى نبهتني بأنه تعلو قمة برج إيفل -سيفين ونخلة- .. لم أنتبه لها لولا تنبيهها !
لكن بعد تأمل فعلًا ” لما لا؟ ”
لا أقصد أن نبني بُرج خليفة في حارة من حواري مدينتي، ولا أن أضع ساعة بيغ بن فوق بيتي، ولا حتى أن أسرق تمثال الحرية وأضعه بدلًا لإحدى رموز دوارات المدينة، وأنزع الشعلة وأسقط مكانها فنجان قهوة!
لكن ما أقصده أنه إن رغبت في شيء مجنون ” لما لا؟ ” ، ولما أُفكر في رأي الناس وتعجبهم، أو أتحرك بناء على رأيهم، وأتدمر إن فكرت بضحكهم، إن كان ما رغبت به شيء مجنونًا فلا يهمني ضحكهم أو حتى إعجابهم.. وأظن الإنسان العربيّ على وجه الخصوص، رُبيّ على أخذ كلام الناس كسيف قاطع، فتشهق الأم آحيانًا: “اش يقولون علينا الناس؟” ، كذلك الأب والإخوة والأخوات كلٌ على حدة بأشكال كثيرة لا حصر لها، من قمع رغبات الآخر أو إجباره على فعل ما لا يُحب “لإرضاء الناس أو لتجنب سخطهم”، فكيف يفرّ العربيّ من شيء لم يُغرس فيه وحسب وإنما غُمّس فيه!
لأعترف في فترة من نهايات طفولتي وبداية مراهقتي، كان كلام الناس هو دافعي الأوحد، إن رضوا رضيت، وإن أثنوا فخرت بنفسي، وإن غضبوا تكدرت، كانوا مقياسي تجاه رضاي وغضبي عن ذاتي، حتى آمنت أن الركض المستمر خلف أهوائهم يُضيع وقتي ويُتعبني، ثم هناك الكثير من الأشياء التي أُحب أن أفعلها، والكثير من اللحظات التي تُسعدني إن فعلتها، والكثير من الأحلام التي تخصني كـ رهف، فـ “لما لا؟” لما لا أفعلها لأجلي أنا؟
فكيف نقبل تمييع أنفسنا وإذابتها لتُشبه آراء الآخرين عنا؟
أيامنا لنا، نعيشها نحن ونكابد كُل عناء بها، لا أحد يعرف عُمق جراحها، أو الخطوات الواهنة المُتعبة حينًا أو المتعثرة حينًا أُخرى خلف كُل إنجاز فعلناه؟ لا ليست الإنجازات بصورة الختام، بل بالخطوات التي أوصلتنا للختام.
كُل هذا العناء لا ينبغي أن يُستتفه أو يُستصغر لأن فردًا واحدًا لاكه بلسانه ولم يُعجبه فقذفه، أو لنقل محيطًا كثيرًا -ليس فردًا وحسب- لم يُعجبه.. لا يهم.
آحيانًا أرى الكثيير من الناس يُحجمون عن فعل جميل من أجل شخص عابه، أو يقدمون على فعل وبداخلهم يعترك المضض، لمجرد حث أحدهم على فعله.. هناك تفاصيل صغيرة، كلمات صُغرى، أحداث كثيرة تؤثر على قراراتهم منبعها ليس هم.. بل الآخرين، وهذا يؤلمني بصدق.
في إسترجاع صغير حين إقدامي على كُل فعل وقولي لكل كلمة، اسأل نفسي .. هل لأجل رغبتك الخالصة في فعله/قوله يارهف أم لأجل شخص آخر وبداخلك عدم رضا؟
إن كانت الأولى أقدمت وإن كانت الإجابة الثانية أحجمت، فيرتاح داخلي لهذا السؤال وإن ندمت لحظتها، إلا أني سُرعان ما أسترجع رضاي، لأني اخترتُ ما اخترت دون تأثير خارجي من أحدهم.. أحس بعدها بالحُرية و أؤمن أنها أحد أشكالها.

“هل أنت بطل قصتك؟”
كُل حياتنا عبارة عن قصة، المفترض أن نكون كاتِبيها، وأبطالها، لا أن يكتبها أحد غيرنا، لا أن يرويها غيرنا، لا أن نكتبها ويكون غيرنا بطلها، أي نعم نحن لسنا بمعزلٍ عن الناس، ولكنهم جُزء من كينونتنا، من هذا الإطار الذي ندعوه بـ “أنا”، ليس الإطار ومحتواه كله، وجود شخص في حياتنا قد يغيرها بالكُلية يُجملها أو يُعتمها، لكن الخيار يبقى لنا، ومجريات دنيانا تدور في فلكنا.

،

نعود لصديقنا -أبو برج إيفل- كما أسمته أختي الصغيرة، ولأني أُحب أن أتخيل القصص، تخيلته إنسان عاش زمنًا طويلًا في شظف وقِلة، هو الطفل ما قبل الأخير في أُسرة تتكون من سبعة عشر فردًا وهو السادس عشر، يجلس أمام تلفاز صغير بالكاد يُميّز ما يُشاهد، لا يُفرّق بين “دايسكي” و “كوجي” أبطال مسلسل جريندايزر إلا بنغمة الصوت، كان جزئه المفضل في يومه الرمضاني، أن يتمدد أمام التلفاز ويشاهد “فوازير رمضان” وحينما تصل الحلقة للفزورة يقف على ركبتيه وبيده قلم ودفتر، عيناه ملؤها الحماس والبهجة، ثم تتدمر الحماسة بتقطع صورة البث ويصدر التلفاز صوتًا حادًا يشرخ طبلة الأذن، فيشتاط غضبًا، ويلعن التلفاز السخيف و زوج أخته الذي جلبه لهم، مُستعرًا منه ويشبهه بـ “كاميرا الحُجاج” يقصد تلك الهدية الصغيرة التي يجلبها الحجاج لأطفالهم بعد أن ينتهوا من الحج، فينهره أكبر أخوانه..
ليقف متململًا منزعجًا ويذهب لاداء مهمته اليومية عندما تتناول الأُسرة طعام الإفطار، ألا وهي أن يفرُش الجرائد تحت الأكل، ويختار زاوية جلوسه بناء على “صورة الخبر الأجمل”، ويختار دومًا تلك التي تحتوي على معلم شهير، ويغوص في تأملاته أثناء مد يده تجاه الأكل، ويبقي عينه بين اللقمة والأخرى على الصورة، ويبني آمال وأحلام عليها، على أن يقف تحت بُرج إيفل، ويمعن النظر في بُرج بيزا المائل، محاولًا أن يعرف سبب ميله، قرأ يومًا ما خبر عن سور الصين العظيم، بأنه أطول سور في العالم، فتأخذه شهقة الدهشة بأنه أكبر من سور بيت أبو فلاح أكبر بيت في حارتهم!
كانت الجرائد نافذته للعالم، لا يثق بشيء سواها، أكثر من التلفاز حتى، حُبه الأثير، طريقة سفره الوحيدة، وهو الذي لم يبتعد عن بيته يومًا، أبعد نقطة وصلها كانت بقّالة في آخر الحارة، المتفردة بين البقالات في بيع روب زبادي الفراولة، الذي يحبه، لا يتواجد عند سواها !
ذات يوم أخبر أصغر أخواته أثناء إطلاقهم لطائرات ورقية صنعوها، بأنه سيُسافر على متن واحدة حقيقة أُخرى، ليرى بأُم عينه صورة خبر البارحة عن تاج محل ذا القباب المُذهلة، فعقله يتأرجح بين التصديق والتكذيب حينما قرأ بين الأسطر أنه “وعلى كبر حجم القصر إلا أنه بُني ليضم رُفات زوجة الملك”.. وضع خط تحت كلمة “رُفات” ليسأل عنها أخيه -موظف الحكومة- كما يُطلق عليه في حارته، أول موظف رسمي في المنطقة، ودائمًا ما يتباهى بذلك…
يأخذ أخيه الجريدة بتململ يقرأ الخبر ببطء، رافعًا حاجبيه خلف النظارة، ثم يتحدث بتعجرف الفارغ الذي يحسب نفسه مُثقفًا، مُرجع الجريدة لصاحبنا الذي هلكه الانتظار: ” رُفات يعني قبر”.. لتأخذ الدهشة شكلها من جديد على وجه صاحبنا الصغير، وكأنها سكنت إليه، أُعجبت بوجهه الحالم، مع تلفظه ببطء “كُل هذا عشاان قبر!!!”
“طيّب ليه ما نجيبها عندنا؟” تساؤل أطلقه بعد تأمل الخبر، أطلق أخيه ضحكة مستهترة لأمنيات الصغير.
ثم ومثلما نرى، أحضرها فوق بيته، بعد أن طحنته الحياة طحنًا، عمل في كُل مكان، وفي كل يوم بعد أن يُنهيه التعب، يقفذ برأسه على مخدته، ويتحول سقف الغرفة لساحة من الأحلام، فمرةً يتخيل أحداث رحلته للهند، يتخيل الطائرة، قصر تاج محل وحديقته الواسعة، يتخيل طعم صحن البرياني اللذيذ.. الذي عرفه من عامل هندي، أعاد ترميم مطبخ بيتهم، فسأله عن ألذ مأكولات الهند، هو الذي لا يعرف إلا ما تطبخ والدته من مأكولات، فأجابه بالبرياني طبق الأرز الأشهر في الهند!
ثم يقطع خيالاته، ويبدد سقف أحلامه، صوت المروحة التي تُشغلها والدته ليلًا، فينطوي على نفسه ويغط في سُباته، ويوم أثر يوم، وتعب بعد تعب، وجهد طويل أخذ منه عُمرًا، حصد ثمره وحقق كُل هذا، لا لم يُسافر لباريس لتتنعم عيناه بأضواء إيفل أو تناول البرياني أمام أسوار تاج محل وحسب، بل أحضرها عنده، فوق بيته، أربع قباب وبرُج، شاهد عيان على تحقيق حُلمه، كذكرى للعُمر، و رمزًا لكل من قيل له “لا”.. ليرد بـ “لما لا؟” !
،

ملحوظة(١): يُقال بأن الأربع قباب والبرج لهم اضاءة جميلة ليلًا، لم أراها بعد، لكن إن أُتيحت لي الفرصة لرؤيتها، سأُرفق صورتها يومًا.. ربما.
ملحوظة(٢): هذه أول قصة خيالية أكتبها هُنا في المدونة، إن كانت ركيكة وسيئة، تقبلوها ليست لأنها الأولى هُنا.. لا، لأنني أكتبها تحت تأثير أعراض كورونا من حُمى شديدة وصُداع.. فعذرًا.

٥ يناير|٢٠٢١
٢١ جُماد الأول| ١٤٤٢

٦:٢٦ م

ديسمبر : رئتين ممتلئة بألم وأمل🌿

ديسمبر| نفس عميق.

كان استعدادًا ذا إيقاع هادئ، كان ترحيبًا دافئًا، كنت كـ جُندي خاض المعارك كُلها وهو الآن واقف أمام باب بيته مُلطخ الوجه، مُضمّد الذراع، يبتسم بإنهاك وينتظر أن يُفتح الباب حتى يضم عائلته بيديه، بعد أن أضناه الشوق لهم، ويفكر كيف يعوّض غيابه عنهم، بصنع ذكريات سعيدة معهم.. هذا كان حالي لإستقبال ٢٠٢١.

اقتنيت العديد من الأشياء كترحيب حار مني، ولأن الإنسان بطبيعته يُحب الصفحات الجديدة البيضاء، أردتها صفحة بيضاء أنا رسامتُها وأعبث بالألوان ثم أُخرجها كـ فن جديد ليس بالضرورة جديد في ساحات الناس، وإنما يكفي أن يكون جديدًا على ساحتي.

يحضرني قول الطيب الصالح الذي كتبته مرةً في مدونتي وأعيد كتابته هُنا: “‏إنني أريد أن آخذ حقي من الحياة عنوة. أُريد أن أُعطي بسخاء، أُريد أن يفيض الحب من قلبي فيُنبع ويثمر. ثمَّة آفاقُ كثيرة لابد أن تُزار، ثمة ثِمار يجب أن تُقطَف، كُتب كثيرة تُقرأ، وصفحاتٌ بيضاء في سجل العمر، سأكتب فيها جملاً واضحةً بخط جريء”

كان هذا أوّل عنوان بخط عريض في صفحة استقبالي للعام الجديد، ثم قررت أن يكون ديسمبر ذا طعم مختلف، نهاية هادئة بعد عام كامل من الصخب، لم يكن صخبًا صادرًا مني ولكن هذا الصخب الذي عصف بنا في العالم، كان مُزعجًا كطنين ذُبابة ليس لثواني محدودة وإنما لأشهر، وأحب أن أنوه أنه ليس عامًا للنسيان، بالنسبة لي هناك الكثير من اللحظات التي انتظرتها لوقت طويل جدًا وحدثت بسعادة غامرة هادئة أُشبهها بخرير جدول الماء بين كثبان من رمال الصحراء.. فالحمدلله.

في الأول من ديسمبر اتفقت مع صديقة عزيزة على قلبي اتفاقًا بسيطًا جدًا، لكن عميقًا بذاتي، اتفقنا على السعي الحثيث والمحاولات الصادقة لرؤية أحداث الأيام العادية بنظرة مختلفة بامتنان ربما، المهم أن نجعل هذا الشهر “مسك الختام”، فكانت مهمتي أن أرتقب حدثًا عابرًا أرصده في قائمة امتناني، وأن أضع رأسي على وسادتي مستذكرة هذا الحدث وابتسم بوداعة هذا كُل شيء، أعترف بأنه كان اتفاقًا سعيدًا امتن له كثيرًا وكان فارقًا.. نعم فارقًا، انتشلني من عواصف ضبابية كادت أن تفتك بي أيامًا كُثر، لولا الله ثم عطف إتفاقُنا لما خمدت..لذا أنا ممتنة لرفيقتي دومًا.

،

اتخذت من بعض الأيّام القليلة عُزلة، قطعت التويتر كونه يأخذ الكثير من وقتي، وبعض التطبيقات الاُخرى.. لأعترف كان حذفي للتويتر شيئًا متسرعًا لكن أهوّن على نفسي بأني سخرت جهدي للتركيز على بعض الأشياء التي وددت أن أخذها كـ منهج لي في العام الجديد، رغم أني حينما حذفته لم أُقرر أي شيء وإنما كان قرارًا تعسُفيًا دون سبب، ثم قررت أن اتسلى فتابعت مسلسلًا قديمًا ذا طابع يملؤه الدفء، سمعت الكثير من مقاطع البودكاست وأنا أمشي، كان أفضلها هو بودكاست جَولان تحديدًا حلقة عُمر الصغيّر، وحلقة يزيد اليوسف، وآيضًا بودكاست بعوضة لسارة بُقنه، أخذني البودكاست لعوالم مختلفة كانت أُفقًا جديدًا أحببته، ألتقطت الكثير من الصور للغروب اعتبرها لوحاتي رغم تصويري البسيط المتواضع، قرأت بعض القصائد، وأيقنت أن القصائد وكُل الأدب هي تهويدة روحي في كُل حين، مع كُل شعور يعصف بي، إن كنت ضاحكة وفرحة مُحبة أو محبوبة أو حزينة ووحيدة.. وفي كُل شعور.

استوقفني بيت لمحمد حسن فقي: “هذا الفؤادُ المنزوي راغماً..يَنْشُدُ في العُزْلَةِ بَعْضَ الضِّماد” فكأنه كان ينظر لي حينها.

(أحد صوري -لوحاتي- للغروب بعد ساعات من المشي وتأمل السماء)

وقرأت جزء من كتاب “ماذا علمتني الحياة” لجلال أمين سيرة ذاتية خصبة جدًا، استوقفتني فيها الكثير من المواضع لكن ما وقف بي طويلًا كانت قصة قصيرة ذكرها عن صديق له شديد البخل، يُحب المال حُبًا جنونيًا، سافر لأمريكا في شبابه ظنًا منه أنه سيجني مالًا أكثر، و عاد بعد أن شاخ، وكان معه القليل من المال الذي يستره، يقول عنه جلال أمين: “غرامه بالمال كان قويًا لدرجة أن المبلغ التافه كان يبدو في عينيه كبيرًا للغاية، كان حبه له سببًا في عجزه عن تحقيق قدر كبير منه، فالدنيا عاملته من الناحية المادية بنفس المعاملة التي عاملها بها”

فأسقطت تفكير صديقه على الحياة والأحلام بوجه خصوص، من يطلب حلمًا صغيرًا سيسعى له بجهد ضئيل وفي النهاية سيحقق إنجازات صغيرة، لذا قال حبيبنا “إذا سألتم الله، فسألوه الفردوس الأعلى”… لما نُحجّم قدرنا على تحقيق حُلم ما؟ أو لما نحجّم أحلامنا في الأصل؟

الحلم حق مشروع مهما كبر، والسعي طريق مفتوح، والوصول ليس مستحيل أو يحتاج إنسان خارق وإنما يحتاج جُهد بإتقان، وحُب بوفاء، وإيمان بالذات.

حينما فكرت بهذا تقافزت إليّ أحلامي كأطفال صغارًا يقفزون للظفر بحلوى في يدي، وكأن تلك الحلوى طريقهم لواقعي..كان خيالًا لذيذًا جميلًا، لما أُشبه الأحلام بالأطفال؟ لا أدري ولكن جميعهم مصدر سرور وبهجة.

،

وآيضًا كتبت في هذا الشهر حديثًا طويلًا عنونته بـ “نص لن ينشر آبدًا، لأجلي!” كتبت فيه أشياء كُثر، لكن كان الناتج المُثمر عنه هو مصالحتي مع نفسي، حيث أني أبديت اعتراضًا عن ما تقوم به من بعض الأفعال، والحمدلله مرةً أفهمتها أنها تحتاج لتصحيح ومرةً أدركت بأني فهمتُ فعلها ذاك خطأ، وأنها كانت صواب فاستدركت مني آسفي ورضينا، لم يكن مهمًا كـ صُلح الحديبية، ولكن صُلح بسيط أعاد رضاي عن كثير من الأشياء والأفعال والاخطاء، وايضًا أضاف إلي تغيير حيث أنه قادني لقرارات بسيطة لكن أظن أنها فصلًا جديدًا في رهف، كنت قبلها قرأت إجابة إحداهن عن سؤال “كيف يتعايش الانسان مع خطاءه؟” فردت تلك برد ألهمني لهذا الصُلح:” من جهه شعور الذنب يذكرنا أننا صالحين وفيه نور بقلوبنا، ومن جهه نبعد عن هذا الخطأ مو عشان أحد إلا أنفسنا”.

حتى أني تصالحت بما كنت أسميه “مرحلة الانطفاء”، مهما طالت أو قصرت فلا بأس ولا داعي للقلق، لماذا لا بأس تحديدًا؟ لأنه وبكل عتمة أصابتني أدركت مواضع نجومي، نجومي التي أسميتها خارطتي تجاه نفسي وأحلامي، وتجاه الضوء.. لذا لا بأس من العتمة بل أنها أروع ما تكون للظفر بسماء متلألئة، ثم كانت هذه العتمة هربًا من كُل الدنيا والرجوع إليّ.. هل كان هربًا اجباريًا أم اختياريًا؟ بين هذا وذاك، ولكنه حينما تفيض قُلة أحزاني على عتمتي، استدركها بأنها سبيلٌ لمعرفة ذاتي، والعودة إليها.. وفي ذلك استذكر الكثير من الأبيات، من المضحك أني أُهديها لنفسي LoL:

“سامحته.. وسألت عن اخباره

وبكيت ساعاتٍ على كتفيه

كم قلت أني غير عائدة له

ورجعت.. وما أحلى الرجوع إليه!”

وأظن ظنًا يوصِل للتأكيد إن مضيت به أكثر، أن الرجوع للنفس من أحلى الطُرق، وإن كان شاقًا وحزينًا ومُلبدًا باللحظات المبكية والعُقد، ولكن الوصول سعيد جدًا وإن لم أبتغي لذته للآن ولكن قطع المسافات وحدها إنجاز مُبهر يستحق التصفيق، وما غايتي في هذا الطريق إلا لقاء نفسي كما قال عبدالله السعيدي:

“أُريد الأمان وبعض الهدوء

وسُجادة تحت ظِلٍّ وفَيّْ

وكأسًا من الشّعر أحْسوه كي لا

يذوب الكلامُ في شفتيّ

أُريد لقائي بنفسي قليلًا

فإني أضعت الطريق إليّ”

،

كان هذا التصميم الجميل في حساب adabpic على الانستجرام، راعيًا لأحد أيامي في ديسمبر، حيث أني لبست نظارة -تحويل كل الأشياء لذكريات-.. أعترف أنها كانت قاتمة احيانًا كثيرة، فبكيت حينما أتخيل أن مصير شيء أُحبه للزوال وغمد الذكرى، وآيضًا سعدت كثيرًا حينما تخيلت أن كُل ضيق يختلج الصدر زائل.. ولكن السر بالتقدير هو الذي بين هذا وذاك يضمّد الأمر، أن نقدّر الفرحة وإن صغرت، وأن نبسّط الحزن وإن عظم.

والذكريات ليست بالضرورة شيء حزين، وإنما هي سعادات صُغرى تحضر إلينا كلما بللنا حُزن، فتأتي على شكل صورة، أو رسالة، أو صوت، أو رائحة، أو مكان، أو كوب وكتاب وأي شيء.. فتلوّن حاضرنا وتضمدنا، وتعمّق صلتنا بالأشياء والأشخاص والأماكن، فكُل الأشخاص غُرباء إن لم تجمعنا بهم حميمية الذكرى، وكُل الأشياء جمادات إن لم تُحييها فينا الذكرى، وكُل الأماكن مُتشابهة إن لم تُميّزها الذكرى.

قُصاصة (١):

في ليلة السابع والعشرين من ديسمبر، انهمر المطر، انهمارًا شديدًا عذبًا مؤنسًا، يُضمد القلب ويزيح عن الخاطر أيًا من شوائب الكدر، وغير أنه أسكن في قلبي ترداد قصيدة “تغريبة المطر” لشاعرتي المفضلة روضة الحاج.. كان هذا اليوم يُصادف الذكرى الرابعة للقاء الأول مع أعز الرفاق.. فأضاف لقلبي ربيعــًا مختلفًا.. لما أقول ربيع وأنا أرتدي قطعتين ووشاح من شدة البرد، وأنفي مُحمّر، وصوتي مبحوح وقد تحول حرف الميم في نطقي لشيء لا يُشبه الباء ولا أي حرف من حروف الأبجدية؟

أُحس بأن ليالي المطر، وليالي الذكريات الغالية.. لا تُشبه في القلب إلا الربيع، ينهمر مطرها على كُل المساحات الجدباء فينا، فلا نعرف حينها لا شتاء ولا برد، يُصيّرها المطر ربيعًـا ضاحكًـا مهما ضرب الجدب أعماقنا، كُل الدُنيا بالمطر تصير ربيعًا لا أهمية لتوقيت الفصول حينه، مثلما أنا مع صاحبي ضماد قلبي!

اقتنيت دفتر مذكرات جديد، تكسوه خريطة العالم، حيث أني مولعة بالخرائط تشهد على ذلك زياراتي المتكررة اليومية لتطبيق قوقل ماب، ووجود علامات وضعتها في كل بقاع الكرة الارضية وكتبت عن ذلك تدوينة قديمة لم أنشرها هُنا، ربما أفعل يومًا ما وأحرر قيدها من قائمة المسودات.

متشجعة لكتابة المذكرات بشكل يومي مستمر، كنت دائمًا مولعة بالمذكرات منذ صغري، تحديدًا حينما أُشاهد مسلسل ستروبري شورت كيك وأنا في العاشرة من عُمري وهي تحمل دفتر الفراولة الوردي، وتكتب يومياتها باستمتاع مذهل، كانت تلك الفقرة في كل حلقة تحوز على انبهاري الشديد!

قصاصة (٢):

على ذكر الخرائط وولع السفر والهيام به..في أربع عصريات من عصريّات ديسمبر، شاهدت فيلم من أستديو جيبلي.. لما ابطأت في انهائه؟ ببساطة وقعت في غرامه!

يحكي عن فتاة في السابع والعشرين من عُمرها، كانت تتوق توقًا شديدًا للزيارة الريف والمزارع في صغرها.. وأرادت تحقيق أمنيتها حينما كبرت، وفي طريقها لتجربة حياة الريف استعادة ذكريات طفولتها، فكان الفيلم مزيج مذهل بين ذكريات الطفولة البريئة وأيامها في الريف وقطف زهرة القرطم.. عميق جدًا وآسر!

هذا الفيلم بكل تفاصيله الصغيرة يُشبه كُل الأشياء التي أُحب، أيقظ لي حلمًا قديمًا لزيارة اليابان الكوكب المختلف على لسان أحمد الشقيري.. طُرقاتها وأزقتها، زهور كرزها، وجبالها وريفها، وأسلوب المعيشة بها، وبساطتها وتطورها، مأكولاتها وكل شيء بها.. ذهبت مُسرعة للبحث عن رواية تضم هذا الحشد من التفاصيل الآسره عن اليابان، وجدت رواية اسمها “ملذات طوكيو” بها حميمية دافئة للغاية، تقبع معظم أحداثها في متجر فطائر الدوراياكي، تحتاج تدوينة أُخرى منفصلة!

،

أرى ضجة كتابة الأهداف تثور في نهاية/بداية كُل عام، أعترف أني كنت كذلك.. أكتب قائمة من الأهداف، فأحاول الركض لتحقيقها طوال العام وإن فترت قدماي أو زلت، أشعلت عليها نيران الضمير، ولدي ضمير يا له من ضمير.. يحرق الأخضر واليابس!

لذا قررت في ٢٠٢١ أن أجعله عام الخطوات/ العادات الصغيرة، تلك التي توصلني لحُلم ما بخطوات ثابتة مستمرة فلا أهوي بعد قفزة أو أتعب فتطول استراحتي، كتبت أحلام هذا العام ثم قسمتها لخطوات بسيطة، قليل مستمر.. المهم عندي لا انقطاع!

ثم رغبت بشدة في خلق عادات صُغرى ذات تأثير ممتد، يكفيني عام لتحقيقها وأرى أثرها عُمرًا كاملًا.. إذن هو بالنسبة لي “عام المشي” لا “الركض”.

قُصاصة (٣):

في حال وددت إخماد حريق ضميرك، انفث عليه بهذا البيت قد تسلم:

‏ “ما فاتَ مات، وفي الأيامِ متسعٌ

‏وفسحةُ الوقتِ للساعين لم تزَلُ”

ثم تصالح مع خططك وأهدافك كن واقعيًا واضحًا وصادقًا، حتى لا تتطاير نفاثاتك وتظمئ LOL.

،

على ذكر التصالح، في نص يطبطب على الكتف كتبته الرائعة شروق القويعي “على عتبة توديع هذا العام” بنقاط فيّاضة تجفف سيل سخط عام ٢٠٢٠ الذي أجتاح الدُنيا كُلها، في نهاية كلامها كتبت: “أن الحياة ستمضي على كُل حال”.. مهما كانت الأيام غاية في البؤس أو غاية في البهجة، ستمضي!

وأعتقد حرفيًا أن عام ٢٠٢٠ كان مثل رئتين ممتلئة إحداها بالألم والأخرى بالأمل، لكن لا بأس ها هي تمضي بكل مافيها، وبملء الرئتين من أمل نحتفي بعام جديد، وندعو الله لأحلام أكثر رحابة، وبأيام ملؤها الحُب، والطمأنينة والرضا.. والعافية لنا ولكل الأحباب!

بقي ثلاثة أيام على خط النهاية – نفس عميق –
اصنعوا البهجة، استعدوا بحُب، انفضوا غبار الماضي، تصالحوا مع الأيام لأجلكم.

دُمتم بخير.

تمت،
٢٨ ديسمبر| ٢٠٢٠م
١٣ جماد الأول|١٤٤٢هـ

٥:١٠ م

هذيان الحُمى

الثاني والعشرون من ديسمبر| فأطوي عني بُعده وحُمّاه.

في لحظة استرجاعي لكل الأعوام الماضية، وجدت أني أكتب نصوص صغيرة أثناء إصابتي بالحمى بعضها تنُشر ويُقدر لها البقاء، وبعضها يُنشر وسرعان ما يُحذف، والآخر يبقى حبيسًا لمسوداتي، المهم هو الكتابة.

هذه المرة حُمّاي مختلفة، تبدو فاخرة أكثر، تسري بين عظامي، تراقص هذه العظمة ثم تذهب لتلك.. تاركةً تأثيرها خلفها.
عيناي؟ اتسألني عنها؟ تبدو مثل عينيّ أُم تزوج ابنتها الوحيدة لشخص سيغترب لقدر غير معلوم من السنين، وتلك الليلة هي آخر لقاء قبل وداع السفر، فالوجنتين مُحمرّة والأنف أشك بأنه أنفي، تضاعف حجمه وتغير لونه، أما جسدي فهو حرفيًا بوجوده لا داعي لأفران الدنيا، فعلى بُعد من جبهتي تصلك التدفئة، طب هانئًا لا عليك.
حلقي آه منه، قُلت سابقًا في آخر حُمى لي، بأن “قُنفذ” يسكنه، والليلة ذاك القنفذ الصغير دعى قبيلته في حُنجرتي، يستكنون حينما أصمت فلا أشعر سوى بوخزات بسيطة، وحينما أحاول الكلام، يثورون جميعًا، كأنما دقت طبول الحرب، فذاك يهرول والآخر يسُن أشواكه في جدران حلقي، غير آبه بألمي.
حينما تشتد الحُمى عليّ، تراودني أفكار غريبة، فمثلًا فكرة الليلة عبارة عن: من نحن؟ هل نحن الأشياء التي نُحب؟ أم كُل الأفعال التي نفعلها؟ وإن كنُا كذلك فهناك جُملة لا يُستهان بها من أفعالنا تصدر من غير رغبة منا وإنما مجبورون أو مُجاملون! هل نحن الصفات التي تكسونا؟ أم الصفات هي نحن؟
ثم أمحو الفكرة السابقة وأفكر في حال الدببة القُطبية الآن، ثم اتساءل لما هي بيضاء؟ هل تأثير البيئة يفعل كل هذا.. يا إلهي!
وسرعان ما أنسى ذلك فأتذكر موقفًا مُحرجًا حدث لي قبل خمسة،، أو عشرة سنوات من الآن فيعود لي الحرج ذاته!
أغفو قليلًا أو ربما كنت في هذيان الحُمى، أحلم بأحدهم ذا الشوق الكبير في قلبي.. استيقظ فأُحس باشتداد الحُمى، أزيادتها كانت بسبب شوقي له؟ فمؤخرًا حينما أكون حزينة جدًا ومشتاقة جدًا أصاب بالحُمى، أتلك علامة شوق؟
أتذكر بعد هذه الفكرة تعريف ابن القيّم للإشتياق :” الإشتياق هو سفر القلب في طلب محبوبه”
وأظن أن مشقة السفر قد بلغت بي ما بلغت، فأطوي يارب عني بُعده وحُمّاه!

فأنا حزينة جدًا ومشتاقة جدًا ومحمومة جدًا.

تمت،،

٩:١٠ م

يــد حنونــة🌿

الواحد والعشرين من نوفمبر| يـد حنونة

في لقطة عفوية وسريعة، وأحمد الله على سرعة التقاطي لها
التقطت صورة أكثر يد حنونة في عالمي!

بعد ليل ماطر وصباح ذا أجواء رائعة رغم عدد الصور والفيديوهات لستوري الانستجرام هذا اليوم كانت يدها أكثر الصور بهاء وبهجة وعراقة وحنية ولُطف..

تتمسك جيدًا قبل أن تنزل من السيارة، هي التي أوجعتها ركبتيها طويلًا طويلًا قبل أن تُبدلهما بمفصلين -باغة- على حد تعبيرها !

أمي أمامها تمد يدها لتخفف وقع النزول عليها، كـ مشهد بين قطبي حنية تتسلى عينيّ لتراه، ويحوطهما قلبي بدعواته..

جدتي التي يومًا قالت لي برسالة صوتية منها: “يا جوهرة الكون كله”
وأعتز بهذه الرسالة أكثر من أي شيء، من حتى شهاداتي كُلها، كلها.. يكفيني هذا النداء.

جدتي النقية البيضاء ذات الإيثار اللا متناهي، والذكر الحسن والمروءة وحفظ المعروف، والطيبة والكرم الذي يكسر أي “دايت” على الكرة الأرضية، ذات القصص والقصيد والوجه الذي ورثته أُمي عنها وورثته عن أُمي !

جائتني يومًا بدفتر تقييمها لحفظ القرآن، تفخر بإنجازاتها أمامي لم تعرف أني أفخر بها أكثر، تُشير بأصبعها على كُل الـ “ممتاز” الذي حظيت به، وغاضبة على الـ “جيد جدًا” عند سورة البيّنة.. وتحلف لي أنها اخطأت في كلمة نطقًا رغم أنها تعرفها !
وأردد: بـ لا بأس حفظتِ ثلاثة أجزاء البيّنة عليك بسيطة..

جدتي التي طوال حياتي لم أقل لها “يا جدة” أو “ياجدتي”
بل بـ “أمي” وهي كذلك، ألتحف ظلها وابتسامتها وترحيبها ورائحتها.. وأقبل يديها الاثنتين في كُل زيارة ولو كانت لديها مئة يد لقبلتها كُلها !

جدتي التي شححت عليها بـ نص، لا أريد أن أكتب عنها، حرفيًا لا أود الكتابة أكثر لأنني لن أتوقف ابدًا..

لا تكفيها مدونتي ولا أكفي للكتابة عن تاريخها وحنيتها وبساطتها وطيبتها وخفتها وأيامي معها ومواقفي و روحها وحُبها وكُل ما فيها.. لم ولن أكن كفوًا للكتابة عنها ولا كلماتي ولا مدونتي تتحمل ثقل مشاعري لها..

لكن أحببت توثيق صورة يدها هنا، التي طغت على جمال الجو والنزهة والمطر..
توثيق..لتطيب مدونتي، ولأنني أحتفي بجدتي كثيرًا وبيدها الحنونة .

أحبها وقلبي لا يحتمل حُبها بل يفيض.. بتلك الطاهرة🌿

لمن يقرأ… اذكروها بدعواتكم أن يمد عمرها على طاعته ويحفظها لنا بصحة وعافية ♥️

تمت بعد يوم ممطر،
الواحد والعشرين من نوفمبر| ٢٠٢٠م
السادس من ربيع الثاني| ١٤٤٢هـ

٩:٣١ م

ذات أوجه!

السابع عشر من نوفمبر|الأيام الطويلة تنقذها الكتابة..

الكتابة مصدر اتساع، وهذه الليلة من الليالي التي تتبع التنهيدة تنهيدة أُخرى، لذا قررت الكتابة عن أسباب ضيقي كلها.. وتذكرت أحد أسباب ضيقي حين كنت صغيرة.. ولي منظور وفكرة شكلتها منذ فترة عنها..
ففي صغري كان نعت “حساسة” يُضايقني، لأنها لم تكن صفة تفضيل أو تميّز ابدًا، وكانت دائمًا تُطلق في لحظاتي السيئة أو سلوك سيء صادر مني بسبب انفعال أثره -حساسيتي-… الآن أود لو أني حينها أدركت كوني “حساسة” بمواقفي المليئة بالعاطفة الإيجابية، لما كان هذا النعت يشكل ضيق أو حرج أو حتى انفعال.. لكان مصدر فخر ربما لفترة طويلة من طفولتي !

والآن حينما يمر بالعائلة أو في العمل أو في أي مكان ومع أي أحد ..طارئ وأتحمل زمام الأمور وأنجو بالمهمة وأحمل ثقلها، لا أعول على حس المسؤولة بداخلي وإنما على -حساسيتي أو عاطفتي- لولاها بعد الله لما كنت أنجو من العقبات، فوجودها بداخلي يدفعني لأتحمل أكثر وبُحب، كانت قوة إضافية خفية.

بالمناسبة أعتقد إطلاق بعض الصفات على إنسان في لحظات خطأه أو انفعاله أو سلوكه السيء هو اسوء شيء يمر على أحد، لأني أظن بأن تكرار الكلمات يتحول مع الزمن لأفكار متقبلة ثم لمشاعر متأصلة ثم لصفات يظن أنها هو، فيصعب عليه انتزاعها دون محاولات مضنية ومجهدة تأخذ منه عمر!

-كم من شعور أحسسنا به لم ندرك يومًا أنه كان فكرة متأصلة سببها كلمات رُددت علينا مرارًا وتكرارًا فصدقناها عن أنفسنا؟-

وبهذا الشأن أتحدث عن الربط المقيت بين بعض الكلمات والصفات السيئة التي لا تدل عليها بالكلية، فينشأ المرء على كُرهها بطريقة غير مفهومة ولأسباب مجهولة، يترعرع عليها.

-نظرتنا للكلمة والشعور تحدد قوته واتجاهه إن كان إيجابي أو سلبي-

هذا معتقد يترسخ في أعماقي يومًا عن يوم.. فالعُزلة لا تعني إنسان كئيب بالحتمية، ربما العُزلة تعني تقرّب المرء من ذاته، تعني مرحلة حياتية لتصفية كل شوائب المراحل الماضية من عُمره.. ربما!

والشخص الغير اجتماعي لا يعني أنه -نفسيّه-، والطيبة الفائقة لا تعني -غباء- .. وإحسان بالكرم لا يعني بالضرورة -البذخ والإسراف- ..وتدليل الذات والثقة لا تعني -غرور- ..

حتى بعض الأفعال -وهي مجال واسع لا يمكن الحديث عنها اختصارًا- لكن باتت تؤول على نحو مختلف فمثًلا عدم مشاركة الاهتمامات مع شخص عزيز لا يعني تهميشه أو تقليل حبه ابدًا..

تصريف الكلمات والأفعال باتجاه معين يغير تمامًا معناها كليًا، ويحوم بنا حول فضاءات مختلفة عن فضاء ذلك المعنى أو الفعل الحقيقي له، وهذه كارثة بحق أنفسنا أولًا ثم الآخرين، أن يحوّر مقصدك وصفاتك وافعالك تحوير لا تعنيه ولا يعنيك أعتبره ظلم.. يصعب محوه وأثره على النفس عظيم وقاسي.

ولكل الأفعال أو المشاعر أو الصفات أوجه مختلفة، مثلًا العاطفة..

العاطفة قوة
إن أجدنا الاحساس بقوتها فينا..
مثل تمامًا عاطفة الأمهات في حُب ابنائهم حينما تمنحها القوة… في اعداد الطعام رغب التعب، تغلبها على لذة النوم حين السهر لأجل طفلها المريض، قوتها في تربية اطفالها رغم النظرة الحانية بداخلها.. والكثير من الأشياء الممتلئة بقوة العاطفة بداخل كُل أُم.

أظن أن استخدامنا الدائم لكلمة عاطفة وبجانبها ضعف أثر بشكل مباشر أو حتى غير مباشر على منظورنا للكلمة.. فنصف أحدهم بـ”عاطفي” مع نظرة حانية ملؤها الرحمة، وكأنه شخص ضعيف هش!

قد يكون عاطفي ولكن.. يُدرك معاني كلمات كُثر، فلا تخرج منه كلمة حتى يقلبها في موازينه قبل أن تصيب قلب “فُلان” فلا تشقيه..
قد يكون عاطفي ولكن.. تمرّ عليه التفاصيل الصغيرة بلذاذة منقطعة النظير، فلا يحتاج أطنان هائلة من المفاجآت السارة حتى يسعد قلبه..
قد يكون عاطفي ولكن.. كان هذا سرّه العظيم ونغمة أيامه المُبهجة..

-خذ منه عاطفته، وستأخذ رقته وحنانه وعذوبته كُلها-

تمامًا مثل اقتباس قرأته يومًا يُنسب لـ كايتلن جابا:
“كنت أمقت كوني رقيقة، اعتقدت أنها صفةٌ تجعلني ضعيفة، ولكن؛ خذ هذه الصفة الواحدة مني وستأخذ جوهر ما يجعلني أنا فعلًا، ستأخذ ضميري، وتعاطفي، وحدسي، وإبداعي، وتقديري لكل تلك الأشياء الصغيرة، وحياتي الداخلية الصاخبة، ووعيي العميق بألم الآخرين، وفوق ذلك شغفي بهذا كله.”

تقبل صفات المرء لذاته، كونه تميّز بها على الوجه الذي أحب منها هو وليس ما نعته بها أحد ما.. أثمن تقدير للذات، يشبه بإلقاء ضوء نحو بقعة مظلمة حينما استنارت بدت شيئًا مُبهرًا، اكتشافًا أضاء أفقًا وزاوية أبعد وأجمل للروح.

**

تمت،،

يوم الأربعاء في:
الثامن عشر من نوفمبر| ٢٠٢٠
الثالث من ربيع الثاني|١٤٤٢هـ

٣:٥٤ ص

حلف تفاؤل.

الحادي عشر من أكتوبر| سريري بعد بحث عن سعادات صُغرى!

حينما يتغلب علي ليلٌ طويل جاثم، أُحب أن أواجه الصباح بقوة، أن أحاول، شرف المحاولة آحيانًا يكفيني، أفتح النافذة أتنفس نسمة الفجر، ثم نعقد حلف تفاؤل.. تمامًا مثلما قال الشاعر:

“وإذا الصباحُ أتَىٰ يزفُّ ضِيَاءَهُ
‏فالبس لَهُ حلل الجَمَالِ سُرُورا
‏واعقد مَعَ الآمال حِلفَ تَفَاؤُلٍ
‏قُل: يَا صَبَاحُ غَمَرتَ رُوحِي نُورا”

كان لزامًا علي أن أكتب بنود حلف التفاؤل، خبايا امتناني، وبعض التفاصيل الصغيرة المُبهجة، ولأني لن أسمح بضيق يعتريني دون محاولة نجاة.. وهُنا أكتب أطواق نجاتي من الغرق في ضيق يومي:

غفوة بشرشف الصلاة بعد طمأنينة الفجر، رسالتين “صباح الخير” من أحب الأصدقاء، فطور لذيذ، رائحة طحن حبوب قهوتي صباحًا، ارتداء قميصي المُفضل ذا اللون الأحمر الفاتن، منظر تحليق أسراب الحمام، الغناء لأطفالي، نداء طفلتي تالا لي بـ “ماما”، الـ “hi my big sis” ووجه مُرحِب من أختي الصغيرة، سرير بارد وغرفة مُظلمة، ابتسامة صديقة، شاي بعد العصر مع مقرمشات الزعتر، أُلفة كتاب جديد، والتقاء اقتباس فريد!، رائحة عطر أُمي التي تُعلن قدومها للبيت..وأظن أن فكرة سكينة البيت تأتي معها، تحضير وصفة فطور لذيذ، القهوة العربية ليلًا مع العائلة، مُشاركة قصيدة مع صديقة، تأمل تفاصيل صورة ذات وجه أُحبه جدًا.. مع امتنان عظيم للكاميرات والصور، تخيل عيش أحلامي.. وقع نغمة الحُلم على النفس مُدهش!

**

عمّر الله سعادتكم🌿..

الاثنين:
الثاني عشر من أكتوبر| ٢٠٢٠م
الخامس والعشرون من صفر|١٤٤٢هـ

٥:٠٠ ص

اسقي بها قلبك!

التاسع من أكتوبر| أمد له الكأس هذه المرة؟

في محادثة حبيبة عزيزة على قلبي..ذات فضفضة وباب وقلب مفتوح لضم أي روح مُتعبة منّا، قالت صديقتي: “والله نفسك تحتاج تحنين عليها شوي!”

تجمعت في مخيلتي صورة الحنية المتدفقة من قلبي كينبوع ذا مضخة لا تتعب، هل فكرت يومًا بأن هذا القلب كان يحتاج شيئًا مما يسقي؟
أن أمد له الكأس هذه المرة؟

لو فكرنا مليًا لوجدنا أنفسنا تهب أشياء قد تكون هي أكثر ما يحتاجها، أشياء بسيطة ولكن قيمتها المعنوية قد تبث الضوء في أخاديد أرواحنا!
أخاديد الروح، تحتاج لفراغ يملأها.. لضوء، لزهر، لذات ذكرى وتجربة سعيدة..
تلك الثقوب لا يعرفها أحد غيرك، ولا أحد يعرف جغرافية قلبك سواك أنت، فلا تنتظر من أحد أن يملأها!

أعترف قد تكون بعضها لا يمكن إرجاعها ولا ملأها بشيء مما نُحب، بعد أن تمضي فينا حقبة من الزمان، ولكنها ستظل شيء يُميزنا، يُعرّفنا، يعطينا هذا المظهر الذي نُحبه، فلا بأس بها بعد محاولة شفاؤها، لا بأس بالمصالحة معها!

-بعض النُدب فينا، هي ما جعلتنا هكذا بتلك الروعة والدهشة، وتسلل الضوء فيها ونوافذ النور أشد بهاء وضياء-

أوجد نفسك، أَحب تضاريسها، خفف متاعبها، أفهمها أولًا، قدّس تفاصيلها ومُتعها، خض بها كُل شيء فريد يبهجها، أهجر كُل شيء أو شخص يُتعبها، أغتني بها وصادقها وأُصدقها، وضُمها ضمًا طويلًا يُربت عليها، ويحنو على متاعبها..

فهي تقف في كِل منحنى معنا، تسقط في كُل حفرة نهفو لها، معنا أينما كُنا قبل الجميع، ظلًا في خيباتنا وأحزاننا، وطفلًا صغيرًا يضحك في أفراحنا، أحق بالحُب وبفيض المشاعر أكثر من أي شيء.

مني إلي:
-قبل أن تهبيها، اسقي بها قلبك.. تلك الأشياء العظيمة التي بشأنها أن تُخفف وجعك، فلا يُمكن أن تكوني دفئًا لأي أحد وأنت ترتجفين بردًا-

***

أعظم المحادثات أظنها التي تُريك دربًا لم تراه، أو تواسيك أو تشعل بك ضوء ينير عتمتك، أو تدعك تتأمل طويلًا لتكن أقوى، أو لتضحكك، أو تُجلس معك في الظلماء بهدوء ويكفيك وجودها ودعائها!

لذا مني إلى صديقتي:
كتب كافكا يومًا في أدب الرسائل: ” كيف لمحادثة بسيطة أن تزرع هذا الحشد الهائل من المشاعر في قلب المرء دون لقاء؟”
هل كان كافكا يقصدك؟

***

طبتم بكم بذواتكم، برفقة أنفسكم، آمنين بها🌿

تمت،

يوم الجُمعة في:
التاسع من أكتوبر| ٢٠٢٠م
الثاني والعشرون من صفر| ١٤٤٢هـ

١:٤٨ م

“كيف حالك؟”

الخامس من أكتوبر| “أُغني بصوتٍ ضاحك.. ألمي”

سألتني صديقة عزيزة: “كيف حالك؟”
حالي؟
كيف يُمكن أن يقول المرء أنه له أحوال متعددة في لحظة واحدة!

ففي ذات اللحظة، قد يُكسر شيء فيك ويصبح قاعًا صفصفا، ويُبنى في مقابله صرح شعور ما.. ولا تدري أتبكي في قاعك، أم تُصفق لبنيانك؟

في ذات اللحظة.. تتأوه باحتراق في مكان ما بداخلك، بينما يُزهر ربيعك الفتّان خلف الحريق.

ولأنه الإنسان، في ذات اللحظة يغرب عليه شعور، ويُشرق شعور آخر، تُكسف شمسه، ويكتمل بدره.. ولا يدري يعيش أي حال بينهما؟

“كيف حالك؟”

هل لك من الوقت لتسمعي أحوالي كُلها يا صديقتي؟
بداخلي أحوال قبيلة كاملة، يضحك وجه طفلها، ويبكي كبيرها.. وتبقى يديّ بين مسح دموع هذا، والضحك مع ذاك.

هل لك من الوقت لتسمعي أحوالي كُلها يا صديقتي؟

حالٌ يفيض بالحُب فيضًا مدرارًا، وحالٌ خاوي الشعور لا يستطيع فك طلاسم العاطفة بداخله، حالٌ سخي اجتماعيًا يضحك مع هذا، ويسمع شكوى ذاك، بينما يقبع بداخله حالٌ منعزلة تُلملم بقايا كلماتها المتناثرة وتخبئها بعيدًا عن كُل أُذن.
كـ بحر تلاطم، تراقص، على الصخور مهللا..صاخبا، عميقًا سحيقًا هادئًا في قاعه.. حائرة أمواجه وتشتكي للشواطئ مدًا وجزرا، وبعرضه كان رفيقًا يرخي سمعه وصدرًا للهموم القاسية، وعدوًا غدار لا نأمنه.. متناقضة أحواله.

حالٌ تعيش كُل النهار بدماء تملؤها الحياة، وحالٌ أُخرى تدخل نفقها في الليل فلا ترى حتى ضوء نهايته، وأحوالٌ تخبئها أحوال أخرى كـ “قد أغني بصوتٍ ضاحك، ألمي..وأكتب الطَعم، إن لم أحظى بالحلوى”.

ياصديقتي، سمعت قولًا للشيخ الطنطاوي قال فيه:” وهذه الدُنيا علو وانخفاض، وقوة وضعف، نهار مُضيء بعده ليل مظلم، شتاء باكِ بالمطر، بعده ربيع ضاحك بالزهر”
ومالي يا صديقتي أُحس بحال الدنيا مُجتمعة كُلها بأحوالي في لحظة واحدة؟ ومن منا اقتبس حاله من الآخر؟

ولن ندُم على حالٍ من الأحوال، كسُنة ..ولكن جميعها في آن واحد، تشظي للقلب، وجنون.. وجنون.

هل بقي علي جواب: “كيف حالك؟”
أم هل لك من الوقت لتسمعي كُل أحوالي يا صديقتي؟

••

أدعو أن تكون أحوالكم متقلبة بين سرور لحظة، وبهجة أُخرى.

تمت،

الاثنين في:
الخامس من أكتوبر| ٢٠٢٠م
الثامن عشر من صفر| ١٤٤٢هـ

٥:٢٥ م

من نافذة السيارة

الخامس من سبتمبر| سيارة أخي

لا أعرف ما الذي يأخذني من نفسي حين أخرج في نزهة داخل السيارة، وهذا كان منذ طفولتي وفي وقت باكر جدًا تعلقت بالجلوس في الشق الأيمن من السيارة بالخلف!

وهذا المكان المفضل لي دومًا، أقترب من النافذة وعيناي تحاول ضم كُل شيء، كُل شيء بما تعنيه هاتين الكلمتين..

وعلى ضيق رحابة السيارة إلى أن نافذتها الصغيرة تلك تأخذني لعوالم أُخرى، تُخرجني من هذا المحيط؛ لأطير لمساحات أكثر رحابة وامتلاء ودهشة وتأمل!

لطالما وقعت في مآزق كثيرة حين أسرح وأحدهم يتحدث إلي، فيباغتني بسؤال لا أسمع إلا نهايته.. ويكون المخرج بـ: “اممم مدري والله يمكن رأيك صح” ، أو “صح عليك” ، واحيانًا كثيرة أُقر بسرحاني فيعيد الذي يكلمني حديثه أو يغضب.. فأتأرجح بين الخجل وتأنيب الضمير.

التفاصيل عبر النافذة تأخذ دهشتي بشدة، أُناس عابرون، ضاحكون، نساء وأطفال يهرولون، امرأة تحمل بضاعتها فوق رأسها متجهه لمكان قريب من الحرم – وهذا مظاهر منتشرة في مدينتي الطيبة- ..

( ٢٢ ماي ٢٠١٩ ، ٥:٣٤ ص .. بعد صلاة الفجر)

رجل يفتح دُكانه، آخر يريد شراء حاجياته، “بسطة” بائع الخضار، انتشار السيارات وقت هطول المطر وبداخلها وجوه مكسوة بالفرح، ابتسامة طفل في السيارة التي تجاورنا أثناء التوقف لإشارة المرور، قطع أحدهم للطريق مشيًا دون أن يأبه بالسيارات فأفكر حول استعجاله.. هل لأنه سيقابل مُحب هُناك؟ أم كانت عجلته لتعب يشكوه؟ أو لأنه شخص عجول لا أكثر!، أنظر لمحالي المفضلة، لتعابير وجوه مرتاديها، لمرتادي المساجد سواء كانوا مُصلين أو زوّار، أغرق في لهو الأطفال وشيبة الكِبار وانحناء ظهورهم أتخيل ما عايشوه، ويظل ذهني مشغولًا بالخيال وعيني تلتهم التفاصيل والصور… وأشياء لا أستطيع حصرها لكن تأخذ بمجامع قلبي.

( ١٩ جون ٢٠١٩ ، ٧:٣٨ ص .. سوق الخُضرة)

( ٢٢ ماي ٢٠١٩ ، ٦:٤٢ ص .. زوار مسجد قِباء)

النافذة المبللة وقت المطر، أشعة الشمس المتسللة عبر انعكاس الزجاج، أسراب الطيور المحلقة، سحابة وحيدة في كبد السماء، تلك الجبال التي تُحيط بمدينتي، أوقات الشروق والغروب الساحرة، منظر الأشجار المتناثرة، جمّع الله شملها وزادها بركة وكثرة وطولًا واخضرارًا.. آمين.

(٢٢ جولاي ٢٠٢٠ ، ٦:١٦ ص… مسجد قِباء)

( ٣ سبتمبر ٢٠٢٠، ٤:٥٣ م… سماء حي عُروة بن الزبير)

( ١٣ جولاي ٢٠١٩، ٥:٢٣ ص .. شروق طريق المدينة- ينبع)

( ٥ ماي ٢٠١٩، ٧:٢٣ م… غروب آخر يوم في شعبان)

بصدق لا نظير له.. يسكن قلبي الحزن حينما أرى منظر بديع، أو تفاصيل صغير ربما يتكرر الاف المرات إلا أني أجد أحدهم غارق بحيوات أُخرى، تهميشًا لحياته واستحقارًا له، أو لظنه أن الجمال يسكن بعيدًا بعيدًا عنها، الجمال في كل مكان تحط عينيك عليه، ليست الأعين التي ترى وإنما الرؤية تكمن من القلب وفي القلب، يكفي أن تلتفت لترى منظر ساحر، أو لمشهد عذب، أو لسماء آخاذة..

أدركت هذا المعنى قبل سنوات من الآن، الجمال ينبع من القلب، كان هذا شعارًا ودافعًا لكل مرة أتنزه بها أو التقط صورة، أو لأحفظ ذكرى.. مؤخرًا وقبل نهاية عامي الجامعي الأخير في حسابي بـ instagram وثقت القليل من الصور وأرجو أن أوثق المزيد.. كان نصب عيني هو كتبته في بايو حسابي : “إن الجمال نصيب المتأملين”.. وأدعو أن نكون منهم.

أوطاني الصغيرة تلك.. نعم أوطاني، أشعر بالانتماء لكثير من الأماكن، وأظن الانتماء هو الذي يحول المساحة إلى وطن، لما نقول عن قطعة أرض وطن إلا لإحساس الانتماء حد النخاع فينا؟

لهذا هُناك أوطان صغيرة تسكنني كما أسكنها، أماكن عيش الأحباب، أماكن قضيت بها طفولتي، أُخرى كانت تضم لقاء عزيز، ثانية كانت مكان حفظ تفاصيل كثيرة عني عن من أُحب عن ذكريات شكلتني أنا كرهف أو شكلت أحبابًا لي، ثالثة حين أُفكر بأن هذا المكان قد رأه أحدًا أُحبه، مرّ عليه، ينظر لنفس السماء ونفس الشمس نهارًا ونفس القمر ليلًا ..فأُحس بها بانتماء الوطن.

⁃ أُحب كل الطرق التي تؤدي لأحبابي كثيرًا، أُحبها حد الانتماء، فأشعر وكأن هذا الطريق تقف خلفه عيون أحببتها وقلبٌ دعيت بدوام نبضه، وخاطر لطالما كانت قضيتي الأولى أن لا يُكسر.. لما لا أنتمي؟-

شيء يشبه مافي هذا الاقتباس من انتماء:

‏”قد يدفعك شخص واحد أن تحب مدينة، ثم حي، ثم شارع، ثم أصحاب الدكاكين الموجودة فيه، ثم الجيران، ثم بيته، ثم والديه، ثم لونه، ثم قهوته، ثم المشي لمسافات طويلة، ثم التفاصيل الصغيرة، عيون واحدة قادرة على جعلك حي بكل ما تحمله كلمة حي من حياة مخزونة.”

(صور لبعض أوطاني الصغيرة.. كم هائل من شعور الانتماء، وهناك الكثير)

أحرص دائمًا على التقاط الكثير من الصور عبر نافذة السيارة، أحب توثيقها كُلها، حتى وإن كنت مبتدئة في التصوير بل احيانًا كثيرة فاشلة… -كُل الصور هُنا من التقاطاتي- ، ولكن صور نافذة السيارة مختلفة تمامًا، أُحس بأنها صور صُنعت من أجلها الكاميرات..

(يربطني ود عجيب مع هذا التقاطع أُحبه، أحب تصويره صحوًا كان أم ممطرا- تقاطع الدائري الثاني مع طريق الهجرة النبوية)

أصبحت أكثر حرصًا بعد الحجر المنزلي، كانت كل تلك الصور متنفسًا، كانت بمثابة رجوع للحظات السعيدة، للرفقة والأحباب، للأيام الحلوة، وللخارج نعم الخارج ذاك الذي حلمنا به وانحرمنا منه لأشهر!

صور صُنعت من أجلها الكاميرات:

أسكن في مدينتي الطيبة، هُناك حيث أزق الحرم تبدو أكثر سكينة من أي بُقعة في العالم، لذا أظن بأنها من نوعية تلك الصور، بكل مافيها من جمال وبهاء وعفوية وعذوبة وسلام.

أحب التقاط صور كل المباهج والتفاصيل التي ذكرتها آنفًا، بالإضافة لكل الصور العائلية ومقاطع الفيديو من داخل السيارة، صور لوالدي ولأخوتي، لضحكة ابنة أخي..ويديها، كُتبي وساعاتي وشنطي وأي سوار على معصمي، ولمشروباتي المفضلة من قهوة أو شاي أو العصائر والآيسكريم.. -حيث أني في عائلتي اُشتهر عني بحُب المشروبات والمثلجات أكثر من الأكلات.. صدق أو لا تُصدق!-..

( بغض النظر عن طعمه لهيب الشمس خلفه يُصر علي بأن لا أُفرط بقطرة واحدة منه- في الخلف أحد بوابات حديقة الملك فهد المركزية)

حتى حين أُسافر، أصور من نافذة السيارة، لأحفظ بها وجه المكان، معلَم لطيف، ضوء إنارة منير.. وكل تلك التفاصيل الصغيرة التي تُدخلنا في أجواء تلك المدينة، أو تسقطنا في حُبها..

(٢٥ جولاي ٢٠١٨، ٧:٢١ م … غروب مدينة جدة)

(١٢ جانيوري ٢٠٢٠، ٧:٣٢م… مدينة بريدة- القصيم)

أعتقد أن تصوير المباهج والمسرات لا يُذهب لذة عيشها وإنما يعيد اللذة مرات كثيرة لا تنتهي، لطالما كانت تملؤها الحنية في لحظاتنا الصعبة تطبطب على قلوبنا، تُزاحم وحدتنا.. ونمتن لها جدًا.

لا أعرف إن كانت هذه التدوينة الأولى والأخيرة كـ صور من نافذة السيارة، أتردد كثيرًا وأفكر في جعلها سلسلة تدوينات للالتقاطات المبهجة من تلك النافذة.. ربما شهرية أو سنوية أو تنتهي هُنا.. لكن ما أعرفه أني لن أتوقف عن التقاط الصور ابدًا.

اخيرًا حين تسقط عينيك على لحظة ساحرة جدًا، أنتهز فرصة التقاط البهجة.. فتلك حرفيًا صور صُنعت لأجلها الكاميرات.

دُمتم ممتلئين بالجمال.

تمت..
تحديدًا يوم الأحد:
الثامن عشر من محرم | ١٤٤٢ هـ
السادس من سبتمبر|٢٠٢٠ م
٥:٤٩ م