من نافذة السيارة

الخامس من سبتمبر| سيارة أخي

لا أعرف ما الذي يأخذني من نفسي حين أخرج في نزهة داخل السيارة، وهذا كان منذ طفولتي وفي وقت باكر جدًا تعلقت بالجلوس في الشق الأيمن من السيارة بالخلف!

وهذا المكان المفضل لي دومًا، أقترب من النافذة وعيناي تحاول ضم كُل شيء، كُل شيء بما تعنيه هاتين الكلمتين..

وعلى ضيق رحابة السيارة إلى أن نافذتها الصغيرة تلك تأخذني لعوالم أُخرى، تُخرجني من هذا المحيط؛ لأطير لمساحات أكثر رحابة وامتلاء ودهشة وتأمل!

لطالما وقعت في مآزق كثيرة حين أسرح وأحدهم يتحدث إلي، فيباغتني بسؤال لا أسمع إلا نهايته.. ويكون المخرج بـ: “اممم مدري والله يمكن رأيك صح” ، أو “صح عليك” ، واحيانًا كثيرة أُقر بسرحاني فيعيد الذي يكلمني حديثه أو يغضب.. فأتأرجح بين الخجل وتأنيب الضمير.

التفاصيل عبر النافذة تأخذ دهشتي بشدة، أُناس عابرون، ضاحكون، نساء وأطفال يهرولون، امرأة تحمل بضاعتها فوق رأسها متجهه لمكان قريب من الحرم – وهذا مظاهر منتشرة في مدينتي الطيبة- ..

( ٢٢ ماي ٢٠١٩ ، ٥:٣٤ ص .. بعد صلاة الفجر)

رجل يفتح دُكانه، آخر يريد شراء حاجياته، “بسطة” بائع الخضار، انتشار السيارات وقت هطول المطر وبداخلها وجوه مكسوة بالفرح، ابتسامة طفل في السيارة التي تجاورنا أثناء التوقف لإشارة المرور، قطع أحدهم للطريق مشيًا دون أن يأبه بالسيارات فأفكر حول استعجاله.. هل لأنه سيقابل مُحب هُناك؟ أم كانت عجلته لتعب يشكوه؟ أو لأنه شخص عجول لا أكثر!، أنظر لمحالي المفضلة، لتعابير وجوه مرتاديها، لمرتادي المساجد سواء كانوا مُصلين أو زوّار، أغرق في لهو الأطفال وشيبة الكِبار وانحناء ظهورهم أتخيل ما عايشوه، ويظل ذهني مشغولًا بالخيال وعيني تلتهم التفاصيل والصور… وأشياء لا أستطيع حصرها لكن تأخذ بمجامع قلبي.

( ١٩ جون ٢٠١٩ ، ٧:٣٨ ص .. سوق الخُضرة)

( ٢٢ ماي ٢٠١٩ ، ٦:٤٢ ص .. زوار مسجد قِباء)

النافذة المبللة وقت المطر، أشعة الشمس المتسللة عبر انعكاس الزجاج، أسراب الطيور المحلقة، سحابة وحيدة في كبد السماء، تلك الجبال التي تُحيط بمدينتي، أوقات الشروق والغروب الساحرة، منظر الأشجار المتناثرة، جمّع الله شملها وزادها بركة وكثرة وطولًا واخضرارًا.. آمين.

(٢٢ جولاي ٢٠٢٠ ، ٦:١٦ ص… مسجد قِباء)

( ٣ سبتمبر ٢٠٢٠، ٤:٥٣ م… سماء حي عُروة بن الزبير)

( ١٣ جولاي ٢٠١٩، ٥:٢٣ ص .. شروق طريق المدينة- ينبع)

( ٥ ماي ٢٠١٩، ٧:٢٣ م… غروب آخر يوم في شعبان)

بصدق لا نظير له.. يسكن قلبي الحزن حينما أرى منظر بديع، أو تفاصيل صغير ربما يتكرر الاف المرات إلا أني أجد أحدهم غارق بحيوات أُخرى، تهميشًا لحياته واستحقارًا له، أو لظنه أن الجمال يسكن بعيدًا بعيدًا عنها، الجمال في كل مكان تحط عينيك عليه، ليست الأعين التي ترى وإنما الرؤية تكمن من القلب وفي القلب، يكفي أن تلتفت لترى منظر ساحر، أو لمشهد عذب، أو لسماء آخاذة..

أدركت هذا المعنى قبل سنوات من الآن، الجمال ينبع من القلب، كان هذا شعارًا ودافعًا لكل مرة أتنزه بها أو التقط صورة، أو لأحفظ ذكرى.. مؤخرًا وقبل نهاية عامي الجامعي الأخير في حسابي بـ instagram وثقت القليل من الصور وأرجو أن أوثق المزيد.. كان نصب عيني هو كتبته في بايو حسابي : “إن الجمال نصيب المتأملين”.. وأدعو أن نكون منهم.

أوطاني الصغيرة تلك.. نعم أوطاني، أشعر بالانتماء لكثير من الأماكن، وأظن الانتماء هو الذي يحول المساحة إلى وطن، لما نقول عن قطعة أرض وطن إلا لإحساس الانتماء حد النخاع فينا؟

لهذا هُناك أوطان صغيرة تسكنني كما أسكنها، أماكن عيش الأحباب، أماكن قضيت بها طفولتي، أُخرى كانت تضم لقاء عزيز، ثانية كانت مكان حفظ تفاصيل كثيرة عني عن من أُحب عن ذكريات شكلتني أنا كرهف أو شكلت أحبابًا لي، ثالثة حين أُفكر بأن هذا المكان قد رأه أحدًا أُحبه، مرّ عليه، ينظر لنفس السماء ونفس الشمس نهارًا ونفس القمر ليلًا ..فأُحس بها بانتماء الوطن.

⁃ أُحب كل الطرق التي تؤدي لأحبابي كثيرًا، أُحبها حد الانتماء، فأشعر وكأن هذا الطريق تقف خلفه عيون أحببتها وقلبٌ دعيت بدوام نبضه، وخاطر لطالما كانت قضيتي الأولى أن لا يُكسر.. لما لا أنتمي؟-

شيء يشبه مافي هذا الاقتباس من انتماء:

‏”قد يدفعك شخص واحد أن تحب مدينة، ثم حي، ثم شارع، ثم أصحاب الدكاكين الموجودة فيه، ثم الجيران، ثم بيته، ثم والديه، ثم لونه، ثم قهوته، ثم المشي لمسافات طويلة، ثم التفاصيل الصغيرة، عيون واحدة قادرة على جعلك حي بكل ما تحمله كلمة حي من حياة مخزونة.”

(صور لبعض أوطاني الصغيرة.. كم هائل من شعور الانتماء، وهناك الكثير)

أحرص دائمًا على التقاط الكثير من الصور عبر نافذة السيارة، أحب توثيقها كُلها، حتى وإن كنت مبتدئة في التصوير بل احيانًا كثيرة فاشلة… -كُل الصور هُنا من التقاطاتي- ، ولكن صور نافذة السيارة مختلفة تمامًا، أُحس بأنها صور صُنعت من أجلها الكاميرات..

(يربطني ود عجيب مع هذا التقاطع أُحبه، أحب تصويره صحوًا كان أم ممطرا- تقاطع الدائري الثاني مع طريق الهجرة النبوية)

أصبحت أكثر حرصًا بعد الحجر المنزلي، كانت كل تلك الصور متنفسًا، كانت بمثابة رجوع للحظات السعيدة، للرفقة والأحباب، للأيام الحلوة، وللخارج نعم الخارج ذاك الذي حلمنا به وانحرمنا منه لأشهر!

صور صُنعت من أجلها الكاميرات:

أسكن في مدينتي الطيبة، هُناك حيث أزق الحرم تبدو أكثر سكينة من أي بُقعة في العالم، لذا أظن بأنها من نوعية تلك الصور، بكل مافيها من جمال وبهاء وعفوية وعذوبة وسلام.

أحب التقاط صور كل المباهج والتفاصيل التي ذكرتها آنفًا، بالإضافة لكل الصور العائلية ومقاطع الفيديو من داخل السيارة، صور لوالدي ولأخوتي، لضحكة ابنة أخي..ويديها، كُتبي وساعاتي وشنطي وأي سوار على معصمي، ولمشروباتي المفضلة من قهوة أو شاي أو العصائر والآيسكريم.. -حيث أني في عائلتي اُشتهر عني بحُب المشروبات والمثلجات أكثر من الأكلات.. صدق أو لا تُصدق!-..

( بغض النظر عن طعمه لهيب الشمس خلفه يُصر علي بأن لا أُفرط بقطرة واحدة منه- في الخلف أحد بوابات حديقة الملك فهد المركزية)

حتى حين أُسافر، أصور من نافذة السيارة، لأحفظ بها وجه المكان، معلَم لطيف، ضوء إنارة منير.. وكل تلك التفاصيل الصغيرة التي تُدخلنا في أجواء تلك المدينة، أو تسقطنا في حُبها..

(٢٥ جولاي ٢٠١٨، ٧:٢١ م … غروب مدينة جدة)

(١٢ جانيوري ٢٠٢٠، ٧:٣٢م… مدينة بريدة- القصيم)

أعتقد أن تصوير المباهج والمسرات لا يُذهب لذة عيشها وإنما يعيد اللذة مرات كثيرة لا تنتهي، لطالما كانت تملؤها الحنية في لحظاتنا الصعبة تطبطب على قلوبنا، تُزاحم وحدتنا.. ونمتن لها جدًا.

لا أعرف إن كانت هذه التدوينة الأولى والأخيرة كـ صور من نافذة السيارة، أتردد كثيرًا وأفكر في جعلها سلسلة تدوينات للالتقاطات المبهجة من تلك النافذة.. ربما شهرية أو سنوية أو تنتهي هُنا.. لكن ما أعرفه أني لن أتوقف عن التقاط الصور ابدًا.

اخيرًا حين تسقط عينيك على لحظة ساحرة جدًا، أنتهز فرصة التقاط البهجة.. فتلك حرفيًا صور صُنعت لأجلها الكاميرات.

دُمتم ممتلئين بالجمال.

تمت..
تحديدًا يوم الأحد:
الثامن عشر من محرم | ١٤٤٢ هـ
السادس من سبتمبر|٢٠٢٠ م
٥:٤٩ م

اكتب تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s