اختناق!

العاشر من يناير| “أفألقــى منكَ الحنــان؟”

خيط رفيع جدًا بين الحياة والموت، لحظة انقطاع النفس، ثم ألم في الرئة حيث تبدو هي المكان النابض لا القلب، ثم يموت الإنسان، بكل هذه البساطة بكُل هذا التعقيد.
في يوم الجُمعة الماضي، وصلت لحدود هذه الشعرة، لهذا الفاصل بين الحياة والموت، حينها لم أكن أظن ولا حتى واحد بالمئة أن أرجع للحياة مرة وأخرى، لا لم يحدث لي طارئ ثقيل ولا حتى كانت الأسباب أعراض كورونا التي كانت على أشدها معي.. بل حبة فيفادول صغيرة جدًا وقفت في حلقي، أثناء موجة سعال حادة، أحسستها واقفة عرضًا في نهايته، لم أكن وحدي، كُل العائلة حولي.. جريًا أو قفزًا لا أدري ذهبت للمغسلة، يديّ لا أدري لما لا تنفك عن إمساك رقبتي، ثم يزداد ذعري كلما أخذت نظرات خاطفة لوجهي في المرآة، وجهًا لا أعرفه.. مُزرقًا ومخيف.
بكاء والديّ زاد خوفي، حينما سمعت صراخ أُمي بـ “بنتي ماتت” أدركت بأني ميتة، زاد إدراكي بعد أن حاولت الشهيق والكلام ولم استطع، جاء أخي مذعورًا وبقبضة يده ضربني على الحجاب الحاجز، تألمت جدًا، وأدت ضربته لانتفاخ وكدمة مؤلمة لليوم.. ألهمني ربي أن أرفع رأسي وأدخل أكبر كمية ممكنة من الماء، وربما أدى الماء لإذابة حبة الدواء تلك ونزلت لمعدتي.
أخبرتني أُمي بعد الحادثة أنها على الرغم من معرفتها للإسعافات الأولية إلا أن خوفها وبكاءها كان أقوى منها، كذلك أخي وأختي، أما أبي فأشك بأنه كان يستوعب الأحداث المتسارعة، أما أخي -ذا الضربة المؤلمة- قال بأنه بعد أن رأى أن أوداجي انتفخت ولم يرى مثل انتفاخها انتفاخًا من قبل أحس بأني ستتقطع وأموت، قال لي هذا وعينيه الناعستين مليئة بالدموع.. وعادتي أن أبكي مع كل شخص يبكي أمامي -مع الخيل يا شقراء- ولكن هذه المرة.. لا لم أبكي، ولا أعرف لما.
استمر اختناقي لمدة دقيقتين فقط، أما احساس بأني في طريق الموت كان لثواني، ربما ثانية.. وكانت صدمتي بأني لم أخف من فكرة الموت آبدًا، كنت خائفة تحديدًا من وجهي المزرق، من صُراخ أُمي، ومن يدين أبي الحائرة حيث أني لم أرفع رأسي لأراه.. هل كنت أُدرك أنها النهاية؟ بكل يقين نعم، أحسست به بهذا الخيط الرفيع بين الحياة والموت، وكانت فكرة الموت حاضرة بذهني، لم تكن فكرة احتمال إسعاف أهلي لي واردة، أو حتى أمل الاتصال بالإسعاف، أو حتى النجاة بأي شكل من أشكالها.

فكرّت بعد الحادثة أن كُل الموتى ربما.. أحسوا بهذا الخيط الرفيع بين الحياة والموت، وأدركوا أنه لا أمل من النجاة، وهذا هو اليقين، رُبما شريط حياتهم مرّ أمامهم في لحظة، ربما ذكرى واحدة اجتاحتهم، ربما الهلع من خوف الموجودين حولهم قد سيطر عليهم، شعور غريب وثقيل جدًا يستمر لثواني معدودة، لحظات لا أكثر بين ثقل الشعور والألم الجسدي.. منطقة لا تُشبه الحياة ولا الموت، انتقال ذا فجوة قصيرة العرض، سحيقة العُمق، وقاعها أبديّ، الخلاص منه مُستحيل، فإما نعيم وإما ججيم.

لم أستطيع تجاوز هذه الحادثة، مرّ يومين وهي تعيش أمام عيني، بعدها كُل محاولات تذكر ذنوبي تُعاد مرة تلو الأُخرى، ثم أتذكر بيتًا قرأته قبل فترة، في هذه اليومين قلته عشرات المرات بعد كُل تنهيدة وأُخرى:
“أفألقى منكَ الحنان وما كنتُ حنونًا… وأنتَ أنتَ الحنون!
أم سألقى عدالةً تجلِد الرّوح بسوطٍ من الجحيم رهيب؟!”
وبين رجاء الشطر الأول ورهبة الثاني عشت، ثم حمدًا طويلًا يتملكني على كُل هذه النعم التي لم أشكرها حق الشكر، أحسست بأني لو عشت طويلًا طويلًا لن يكفيني العُمر كي أكون شاكرة بما يكفي، فالشكر ياربّ لك والثناء والحمد على كُل النعم التي تخطيتها دون إحسانها أو الإمتنان لك ثم لها.. فاغفرلي خطاياي التي علمتها بعلمك، والتي جهلتها بجهلي.
ثم تبدو هذه الحياة أبسط من كُل ظنون الدُنيا، أعمق لمقاصد الآخرة، تبدو فكرة البذر لشيء أبدي أسمى من كُل مقصد، مع لفت انتباهنا لـ “ولا تنسَ نصيبك من الدُنيا”، قرأت اقتباسًا يؤنس القلب بعد مشقته في السعي لإدراك تلك المعادلة: ‏”تودُّ لو أن الحياة كانت أخف من هذا الثقل كله، لكنَّها سفر، والسفر مظنة المشقَّة، ومن تعِبَ اليوم أدرك مفاز الغد، تودُّ لو أنها أهون مما هي عليه الآن، لكنَّك المؤمن القوي الذي لا تغلبه العاجلة كلما تذكَّر بهجة الباقية”.

يـاربّ
نداء المستغيث، وأنت وحدك غيثه.

١٠ يناير|٢٠٢١
٢٦ جماد الأول|١٤٤٢

٤:٣٥ م

4 تعليقات

  1. الحمد لله على سلامتك رهف، الله يحفظك من كل مكروه، قلبي انتفض و ربي، لا عدمناك💗
    كالعادة، كما غيث ودود، بتُ أتمنى لو أن في السفر لقاء مع روح عذبة مثلك، أو أنتَ، ما المُستحيل؟!

    Liked by 1 person

    1. لا أخفيك صديقتي اسماء، بأن تعليقك بات مكافأة سعيدة وإشعار يحظى باهتمام بالغ في قلبي، ويحثني على مواصلة التدوين تلك الرغبة التي باتت متذبذبة مؤخرًا🥺💘
      لما لا.. سأدعو كثيرًا أن تتقاطع دربينا للقاء أُخبرك به عن مدى امتناني لك، ونحن في صحة وعافية ياربّ ياربّ.

      Liked by 1 person

اكتب تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s