الرابعة والعشرون: أفكار متقطعة.

ليلة الرابع عشر من مارس| دليل مواصلة.

كنت قد قررت الكتابة بحماس لهذه التدوينة، لا لموضوعها الشيق، ولا لحدثها الذي أود توثيقه، ولا لأي شيء آخر عدا أنها التدوينة رقم أربع وعشرون في مدونتي.

أظن أنه رقم كبير بالنسبة لي، لأنه خلال مرات متعاقبة قررت التوقف بعد كل تدوينة، وأجد أني أكمل بلا ملل، حتى وصلت للتدوينة الرابعة والعشرين.. الرقم الذي لم أتخيل أني وصلت له.

حينما قررت كتابتها قبل أسبوع, زارتني الحمى دون ميعاد, مباغتة, صادمة, مؤلمة, أرهقتني طوال اليوم, فاستعددت لها بنوم طويل, لم يكن هانئًا لكن مهرب يقيني منها.

استيقظت في الحادي عشر ليلًا بعينين تموج بها محيطات من الدموع, خطرت على بالي عدة جمل, كنت أود الكتابة عنها منذ زمن ولم تسمح لي الكلمات بذلك, يبدو أنها رأتني بحال يرثى له… فحنّت.

دونتها سريعًا وعدت لفراشي رافعة الرايات البيضاء لأسطول الحمى القادم الزائر لثلاث أيام متتالية, حينما حل اليوم الثاني, كتبت رسالة لسماحتها, استجديها أن توقف مددها فكتبت:

صديقتي العزيزة: الحمى….. لا مرحبًا بك ولا سهلًا.

يا أعز الاصدقاء، اكثرهم دفء وقُربًا مني، حرصًا على زيارتي، تبقين دون أن أُحس بثقلي عليكِ، في عز ظلمتي تحشرين رأسك معي.. أقفل الباب، انكفء في سريري،اختبئ حتى عن هاتفي ويظل أنفك محشورًا معي في كُل زاوية وحال.

ألا تعتقدين؟ صارت ذكرياتنا معًا كثيرة شهرًا عن شهر، أرسلت لي خالتي تحذيرًا بالأمس بأني أفرطت بصُحبتك وعليّ الانتباه لصحتي حتى أُتمّ حظوري يوم الخميس القادم  في “جَمعة” عائلتنا الأسبوعية، تخلفت عنها هذا الأسبوع بسببك، انظري حتى علاقتنا طالتها التنازلات..يا للعمق! ، صحيح أني تخلفت الاسبوع الماضي آيضًا ولاأضع اللوم عليك لكن… لا عليك.

عليّ أن أُخطر اصدقائي المقربيّن، بعلاقتي معك كصديقة عزيزة، حتى يتداركوا أمرهم قبل أن تسحبي الفراش من تحتهم!

اشهرت في وجهك أسلحتي بقوة هذه المرة وكانت مزيجًا من:

الكمادات الباردة، أحاديث اصدقائي، كتابي الجديد الرقيق، وما بينها لحظات حنونة اعصر عيني وانفض رأسي حتى استشعر حنيّتها دون أن تفوتني وأنتِ بصحُبتي.

واليوم ها أنا لا أشهر سلاحًا، ولا سيفًا ولا حتى مسواكًا… وإنما استجدي العفو منكِ فإن سمحتِ بقلة ذوقي، فقد طال مقامك عندي، ومرّت أيامي وملازمتك لا تنفك، حتى لاح لي صبح اليوم شيبتي الرابعة في مفرق شعري، تنبؤ عن خريف قادم رغم أني في صخب ربيع العمر لم أزل.

وداعك عزيز ودموعي هذه بليغة الشهادة على هذا.. فهيا رعاك الله الرحيل الرحيل.

ولم يمض يوم وليلة حتى غادرت, فمسحت الدموع, ونفضت التعب, وعدت أفكر بالتدوينة رقم أربعة وعشرين, وحتى يتملكني حماسها قررت أن أشارك إحدى الصديقات باحتفال مصغر حال إتمامها.. شاي وكوكيز يكفيان.

تحديث: عليّ إخبارها أني نويت نمطًا صحيًا جديدًا والشاي والكوكيز لا يصلحان.

تذكرت تلك الكلمات التي كتبتها في أوج حُمتي, التي تعبر بطريقة ما عن طرقنا في الاحساس بشعورنا, كيف يكون الشعور عميق جدًا ونهدره بسطحية تعبيرنا عنه، أو مرورنا السريع دون استنشاقه ليسد مسامات الروح الفارغة.

انظر حولي، لأجد مشاعر مختلفة مهدرة التفعيل لمجرد أن طالتها العادة, أو توارثنا ردات الفعل، وراثة مجتمعية، أن يُراق الإحساس، ولذة المشاعر، بشيء سمج، وكلمة باردة، يشمل ذلك الهدايا المجتزئة من المشاعر، والتي دائمًا ما أراها النصف المحسوس من عواطف المُهدي، فكانت هدايانا مجرد سد واجب، لا ترمز للشعور، ولا تصفه، حتى بات التعبير عن المشاعر معلبات جاهزة في صف سوبر ماركت، نبتاع منها ما افتقرنا إليه، فصرنا متشابهين في بث عاطفة ما، فلا يفزّ لها قلبًا، ولا تحرك ماء الحُب الراكد، خالية من البهجة.

لا أحب تكدس بقايا شعور جميل بداخلي يخص شخص عزيز، استثماري الدائم هو تعلم سبل إفصاح الشعور عن عواطفي، عن من أحب.

الانغماس الشعوري لتحليله, لإفضائه, للبوح به… أنبل الأفعال الإنسانية، مواجهة كل موروثاتنا المتشكلة في إظهار المشاعر، مواجهة الرواسب الدفينة التي نحتت من تقبل ردات فعل الآخرين وقلدناها بطريقة أو بأخرى من أنبل الأشياء في نظري.

كيف تقول ” أنا فخور بك” , كيف تعبر عن حبك بطريقة بسيطة عميقة وتدخل القلب من أوسع أبوابه، كيف تواسي بلطف دون تكلف، كيف تدير بوصلة شعورك من خلال عواطف قلبك، لا سيطرة عقلك.

هل يمكن أن نكتب قواعد عيش الحالة الشعورية ؟ ترجع لكل فرد، ونمط، وشخصية، وتفضيلات… وكتابتها تتطلب فهم أعمق لنفسك.

تملكني تساؤل وإن كانت الحالة الشعورية تخص طرف آخر؟ وإن كانت مشتركة؟ فما السبيل لعيشها.. على طريقتي أم طريقة الطرف الآخر؟

وبعد وقت طويل لجواب هذه الاسئلة، وجدت أني اقتص من وقتي الكثير، لاتأمل الطريقة المفضلة للطرف الآخر حتى أُشاركه الشعور، وكذلك بالهدايا، والنداءات، والأحاديث، والصور.

سبيلي لهم هو استثناء كُل شخص أُحبه بشيء يميزه دون غيره، شيء مُختلف، يُشبهه في قلبي ويحبه، لدرجة إن رأيت شبيهه ذكرته وذكرّته به، وأقصى الود عندي استثناء ومشاركة و وقت.

أن أهب استثنائي وأُشارك لحظتي واقتص من وقتي لأصنع ذكرى حنونة، تلك هي طريقتي للبوح بالحالة الشعورية الفيّاضة التي تخص أحدهم.

وأرى أن جودة أي علاقة تتمثل بمعرفة السبيل المفضل لإيصال فيض المشاعر، وآيضًا بجواب سؤال: كيف أعيش عواطفي من دون ابتذال قوالب المعلبات الجاهزة؟

***

تسألني رفيقتي: كتبتِ التدوينة رقم ٢٤؟
فأخبرتها ليس بعد، همست لي بأنه لا بأس بأفكار متقطعة!
حسنًا لكِ هذا، بعض الأفكار المتقطعة رمت بها أمواج شهر مارس على شواطئي… وكأن موج السطور السالفة ليس شيئًا lol.

فكرة (١): “علي أن أتوقف عن التفادي، وأن ابدأ باتخاذ القرارات التي تفيدني فعليًا”
حوار دار بين اثنين من شخصيات مسلسلي، سمعته في أحد ليالي مارس ذات الثقل الجاثم، حسنًا ضربت تلك الجُملة على أحد أوتار قلبي، عزفت عزفًا جامحًا، وسردتُ على نفسي قائمة من القرارات التي يتطلب علي تنفيذها حتى شهر يونيو القادم -إحداها نمط حياة صحي-، التخطيط يضم صخب الأفكار المفزوغة في الداخل، يُهدأ روعها، شرط أن يكون تخطيطًا قابل للتطبيق، مرنًا ويسيرًا.

لا بأس قارئ سطوري هذه توقف للحظة، وفض شباك التسويف عنك واسأل: ما هو القرار الذي يفيدك فعليًا ويجب عليك اتخاذه الآن؟

فكرة (٢): “بذرة الحُب”
محاولة غرس هذه البذرة هي إحدى رسائل حياتي التي أرجوها، قرأت اقتباسًا لطيفًا حنونًا شاذليًا فتانًا عنها، إذ يقول كاتبه في رسالة لأخته:
” عندما تنمو في نفوسنا بذور الحُب والعطف والخير، نعفي أنفسنا من أعباء مشقات كثيرة، إننا لن نكون في حاجة إلى أن نتملق الآخرين، لأننا سنكون يومئذٍ صادقين مخلصين إذ نزجي إليهم الثناء، إننا سنكشف في نفوسهم عن كنوز من الخير وسنجد لهم مزايا طيبة نثني عليها حين نثني ونحن صادقون، ولن يعدم إنسان ناحية خيّرة، أو مزية حسنة تؤهله لكلمة طيبة، ولكننا لا نطلع عليها ولا نراها إلا حين تنمو في نفوسنا بذرة الحُب!”

فكرة (٣): “كُل امرئ يبكي شجواه”
والشجوى ليس لها قياس، صغرت أم كبرت، كانت بعينك فيلق من هموم، أو قشة لا تساوي وزن جناح بعوضة، ولا يقبل استصغارها، أو استكثار بُكاها أو استغرابه حتى، فلكل طريقته في بثها وطرحها.

***

لم تكن تدوينة ذات معنى عام أو هام، لكنها دليل مواصلة، وإثبات رغبة جادة في إكمال التدوين، حينما فكرت مرارًا أنه لا جدوى من الكتابة علنًا، أو حتى الحماسة لذلك، أربعة وعشرين رقمًا كبيرًا ظننت أني لن أتخطاه، وها أنا على أعتاب تخطيه، بفضل الأصدقاء، وتعليقات من يقرأ المدونة بحُب، شكرًا كثيرًا وامتنانًا عظيمًا.

طبتم بخير.

تمت يوم الخميس:
الثامن عشر من مارس| ٢٠٢١ م
الرابع من شعبان| ١٤٤٢هـ

٢:٢٧ ص

2 تعليقات

اكتب تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s