أكتوبر

أكتوبر| “القفز.. هل يصنع حكيًا؟”

إنها الرابعة والثلث فجرًا، بعد يوم مثل الذي قبله لا جديد يُذكر، كتبت سلسلة من الأحداث بعد الجُملة السابقة لكنني ارتئيت أن أقفزها، آخخ أكتوبر هذا العام كان مليئًا بزخم لا متناهي من المشاعر، حشد رهيب منها في يوم واحد ثم الذي يليه!

أحاول اللحاق بها جميعها، فتجاهل واحد يعني بالنسبة لي تضاعفه فيما بعد، ربما بشكل سيء، وهذا ما أهرب منه.
هل كان شهر أكتوبر سيء؟ قطعًا لأ، عرفت أن في لجّة الشدائد ستلقى شيئًا كابدت للوصول إليه منذ زمن قصيّ، وفي حلكة الليالي ستلمع نجومك وتهتدي لما هو ضال عنك أو كنت ضال عنه، ستتبعثر الأولويات أي نعم، لكنّها ستعاود الترتب بشكل ما كُنت مدركه.
أي نعم تمرّ كغمامة سوداء حزينة لا تُمطر ولا تهب المتعبين نسمة في ظلها، سوداء وحسب، ثقيلة، مظلمة، محزنة، ومشؤومة، لكنّ الغمام مصيره الرحيل مهما مكث.

ابتدأ أكتوبر بيوم جُمعة، اتفائل بالشهور المبدوءة بالجمعة، ربما لرائحته؟ لا أدري لكنه بالنسبة لي يشبه الابنة المدللة في عائلة تكتض بالذكور، كانت بداية لطيفة نوعًا ما، لأعترف أني استرقت لحظاتي السعيدة منه سرقة المُذنب، وبت أكثر هدوءً في أيامي المزدحمة، أكثر صمتًا في أيامي القلقة، أكثر لامبالاة في أيامي المُتعبة، وفي خضم كل هذا أعيش الشعور، كأني سأفارقه للأبد. وهذه المفارقة أعطت لأكتوبر طابع غريب هذه المرة.

*

أيامًا من الركض لحفل زفاف أخي الذي تم في ذات الشهر، أتذكر وقوفي بجانب أُمي أحمل المبخرة في بيته، انظر لأمي مُستنكرة بتعجب أقول: “بيته! كبر والله”، فأبكي وتبكي معي، أخي الحنون الصغير الذي يكبرني بخمسة أعوام قد كبر وصار له بيتًا ! ، لا أعرف لما أتعجب وهذا أمر طبيعي لكل انسان؟ لكنّ عاطفة أمومتي تجاهه، وعينيّ التي أبصرت جميع مراحل حياته تأبى أن تراهُ كبيرًا حتى لو فاقني طولًا و وزنًا وعمرًا.

*

أيامًا من البحث عن العافية لأحبابي، عزيزة هذه العافية، ما إن تُفقد حتى تنقلب الأيام رأسًا على عقب، تتحول الدعوات لطلب تمامها ولا شيء آخر، أعز منشود، يوقِف الزمن، فأنسى نفسي ما كان يهم الآن صار تافهًا مقارنةً بعافية من أُحب. لا شيء أثمن عُمر من نحب، وجودهم وصحتهم لا تساوي أي شيء.

*

في نهاية أكتوبر، بقي ابن أخي “عزوزي” معي، لغياب أُمه بعيدًا لظرف ما، يوشك عزوزي على إكمال عامه الأول في الشهر القادم، غير معتاد على أي أحد سوا أُمه، يبكي طوال يومه حتى ينام، أحاول خلق ارتباط بيننا، أُغني له طوال نومه، لا يأكل إلا وأنا معه، اصنع له الجزر المهروس والبطاطا مرة، ومرات عدة أُعدّ شوربة الخضار لأجله، محاولات مستمرة لنيل ذائقته الصعبة ورغم هذا.. أفشل.

في لحظة فجريّة هادئة، واقفة أحمل عزوزي أمام النافذة، هبت نسمة باردة داعبت شعره الناعم فضحك وضحكت، بت أتردد على النافذة معه حتى أشرقت الشمس، وداعب ضوئها خديّه وابتسم لها !
من حينها لم أفوت لحظة فجر مع عزوزي، يضحك لهذه النسمة اللطيفة، اتسأل هل تذكره بوالدته؟ أم أن مفاجأة رئتيه الصغيرة بكمّ الهواء البارد يضحكه وحسب؟
أتذكر في بداية أكتوبر آيضًا كتبت رسالة لإحدى صديقات البريد الإلكتروني، أُحادثها عن معنى الفجر في مراحل حياتي، شكله ورائحته في طفولتي، وهواه في مراهقتي، ومعناه الآن وما يوحي به إليّ.

في عرض حديثي كتبت: يذكرني الفجر بالأمل، بالصديق، بكلمة “لا بأس”، باشياء ومعاني كُثر. أُضيف لها حاليًا “عزوزي” الصغير وابتسامته العذبة !
أرى الفجر اليوم رغم محاولة تقلّب الأيام لجعلي ضريرة تجاه أي شيء وديع وسعيد، أراه في لفتات حنونة بأيامي، بلحظة ساكنة، واغفاءة هانئة، أتلمس وجوده في كُل لحظة، حتى استمر في الإشراق لبقية يومي.

-بالصديق-
أتحدث عن وجوده في أكتوبر وأشمل حياتي، وجود صديقي يشبه الفجر، يختلس مني ظلام روحي اختلاسًا، أقول “أنت إشراقي” وأعنيها، ثم أعود اتسأل هل يُصدّق؟ فأحث الخُطى كي يتيقن من كلامي، كان وجوده ولا زال إشراقًا عظيمًا، يبدد حلكة ليلي ويعطيني قنديل الفجر لأقضي ما تبقى من يومي مُنَارة. أعترف أن لا صنيعة لي أُقابل بها هذا النور العظيم، لم أفعل كصديقة شيء مُشابه، وأُقرّ بأخذي الدائم وشُحّ فعلي، لكن هذا الإقبال مني لها، وفداء قلبي وصدري كمتسع يقيها ضيق الحياة، هل يا ترى يغفر ضعف كيلتي وقلة حيلتي؟
ألتقينا مرةً في أكتوبر، في السابع منه، ولو سُئلت رغم أحداث أكتوبر ولقطاته الكثيفة، عن صورة أكتوبر المفضلة لهذا العام؟ هي صورتي بجانبها، صورة هادئة، حينها كنتُ انظر لانعكاسها في الشاشة، و أود أن أبقى هكذا بهذا القرب الدافئ بجانبها.

يتكرّم عليّ الأصدقاء دومًا بلفتات سخيّة، تضفي لأيامي رونقها، أذكر في أحد أيام أكتوبر، تُرسل لي صديقتي الأخرى صورًا التقطتها صباحًا لأسراب الحمام، تُعلّق:” صار عندي سرب الحمام يعني رهف”، ثم تضيف :” شربت قهوة دانكن يعني رهف تحفني من كل مكان”، حد التذكر كان يكفيني فما بالك بإشراكي في الصورة؟

صديقة أُخرى تُرسل صورة حميمية دافئة لطفليها النائمين كملاكين هبطا من السماء، تكتب: “متأكدة إذا كبروا وعرفوك بيحبونك قدي يمكن”، وهذا أكثر مما يتحمله قلبي، أحمل لهم في صدري بحار من الحب فوقها غيمةً تصب مدرارا لا سبيل لنقصانها لا وجود لشطآنها. أُحبهم.

صديقة أُخرى تلّوح لي بين زحام أيامي، تلحق بي دائمًا في كُل الأوقات تخبرني “أنا هُنا”، فلا أجد ما أُحسن إليها في وجودها “هُنا” بالقرب اللطيف الحنون.

هذا النعيم من الأصدقاء، وهذه الهبة التي تكمن في إعطاءك نظرة وعمق آخر للحياة قد تكون فقدته لظرف ما، أو غاب عن معناك وعيناك، في “أن يردونا إلينا متى طرقنا أبوابهم” مثلما سمعتها من أحدهم، لا يكفيني شُكره أو حمده، أو حتى التحدث بنعمة ربي علانيةً؛ أني لا أجد في قواميسي مهما اتسعت، كلمة تلقي بظلال الشكر عليها، كُل شيء يبدو ضئيلًا عند عملقة شعوري تجاههم.

*

في يوم من أيام الآحاد بأكتوبر، زارنا شخص لي عنه خمسة أعوام أو تزيد، فرّقتنا الحياة سهوًا وانشغالًا وظروفًا وسفرًا، وأنا اقترب للسلام منه، أرى اتساع عينيه دهشةً ليس للقائي ربما وإنما للزمن الفاصل بيني وبينه وأثره علينا!
أبدو شابةً أكثر، ودعت زمن المراهقة، عيناي مُختلفة، حديثي أكثر فصاحة، أما هو؟ فيبدو عليه آثار الزمن وكبره، تحولت وجنتيه إلى ساحة تجاعيد، وابتسامته باتت خائرة.
جلست موازية له، حتى يتسنى لي رؤية رهف الصبيّة في وجهه، نظرته السابقة، وكلامه، أفكاره عني التي تبدو صحيحة حينها، أشارك بضحكة مندهشة ليس لتذكره تفاصيلي وإنما- كيف بت غير رهف تلك؟

نتحدث سويًا ونضحك، أُدلي بآرائي وفلسفتي في مواقف ما، فأراه مُنصتًا لي انصاتًا يربكني، فأرمش مرتين رغم وضوح حديثي وجسارتي، ثم أرى فيه حيرة “هل هذه الشابة هي رهف حقًا؟”، في اجتماعات المناسبات الكبيرة حين أتحدث أبدو أكثر حرجًا وخجلًا، لكنيّ في هذه المناسبة كنتُ أكثر ثقة، أكثر جُرأة، أتلمسها في عينيّ أمي الفاحصة لي الناطقة بـ “لوين بتوصلين أنتِ؟”، ربما لأني أود طمئنة شخصي الغائب عني منذ أعوام طوال، أني بت أكثر قوة ونضج واتساع، وأعلم أن هذا يُسعده بالحتمية، مثلما أُسعد بنجاحاته التي يحكي عنها أو أراها فيه.

في تلك الليلة قضيت ساعات طويلة بالتساؤل: كيف يمكن لنظرة شخص قديم أن يُرجعنا لأيام مضت، لن تعود ربما، لكنها تُمدنا بمشاعر شتى، بقوى رهيبة، بعاطفة متأججة، وحنين غير منقطع.
ونظرة لشخصك السابق، كيف كُنت وكيف صرت بكل المفارقات العجيبة، ما تخلصت منه وما صحبته معك، وكيف هي نسختك عن نفسك الآن، وفي هذا التحليل يكمن الفخر، والندم، والحنين، والراحة.. كما لم يسبق لها الاجتماع في حدث واحد من قبل، كيف يمكن للإنسان أن يعود لحقبة كاملة، لنسخة قديمة عن نفسه بهذه الطريقة؟ وأعترف أني كم كنت احتاج لهذه العودة، للإشادة بي في موضع، ولتصحيح اعوجاجي في موضع آخر.

*

بدأت دروس تعلم قيادة السيارة في نهاية أكتوبر كذلك، غريب!
لم أكن أظن أني سأتعلمها خلال هذه الفترة، فخورة بتعلمي السريع، فخورة تحديدًا من لحظات مرور شاحنة بجانبي بدون أن أقلق أو أرمش مرتين خوفًا أو تتسمر يداي خلف المقود، في البداية تصنعت شخصية “السائقة الماهرة” حتى أظن صدقت خداع نفسي، لم أصبح ماهرة بالطبع! مؤدية دور جيدة وإن سهيت مرتين شرودًا بفكرة مباغتة، لكن فعلًا هي أسهل مما كنت أظن.

*

في زيارتي الأخيرة لجدة بنهاية أوغست أهديت نفسي كتابًا لرضوى عاشور، ظل بجانبي حتى أكتوبر، بدأت اقرأه صفحة تلو الصفحة فتكبر دهشتي، وأتخيل نفسي في الطنطوريّة، على شط البحر، ثم فجأة أعيش تنقلات رُقيّة وكأنني رفيقة لامرئية. إحدى عاداتي القرائية أن أدون على أطراف صفحات ما اقرأ مشاعر اللحظة باقتباس أو شيء مما أكتبه، انفجر كتابي هذا بما دوّنت، مشاعر تركض خلف بعضها، وأكتوبر لم يُقصّر هذه المرة!
أرى رُقيّة الصامتة أتخيلها وهي تنظر لكل التفاصيل وكأني عينيّها وهي تتدحرج بالمقلتين في زوايا الاحداث، أعرف أنها علّقت بي أو علقتُ بها لا فرق؛ حتى لامستني في صفات مشتركة وبها فاض حناني عليها وأحببتها.

تكتب رُقيّة في الفصل العاشر: “هل أكتب حياتي أم أقفز عنها؟ القفز.. هل يصنع حكيًا؟”، وأنا أكتب تدوينتي هذه يشرد ذهني بنفس التساؤل، هل أقفز عن حياتي وأكتب لمحات الفرح على أنها حكيًا؟ ماذا عن ليالي السهر، وآهات الوجع، ماذا عن قلبي؟، هل هذه الشذرات هُنا حياتي؟ أم أن ما قفزته كان هو الحياة!
أعرف يقينًا أني بت أكتب وأصور لأقيّد لحظات الفرح المُختلسة، أهرب من حُزني، من يوم مُتعب، وأقفز عن لحظة وجع، أتجاهل همًا كالجبل، لأظفر بلحظة سرور بحجم الحجارة، أتسلى بها، تتناقلها يديّ، وتسرّ بها عيني، ويضحك منها فمي، ولا ألتفت لجبل الأسى خلفي، للحظة، لساعة، لحين انتهاء حديث رفيقي، لحد انقطاع ترنيمة ضحكة طفلٍ، واختلس هذه الحياة اختلاسًا، أقفز عن أرَقِها وما خلّفه من سواد تحت عيناي، عن ليلي وما هبط معه من وحدة وظلال، عن بشاعة القلق وما تركه من دوار، هل هي الدنيا؟ أظن أنها هي، بين القفز عن الأسى وتقييد الفرح نعيش. نعيش؟ بالأمل والإيمان بالله، يربيها المرء في نفسه كما يربي أحدكم فلّوه حتى يعش هانئًا.

*

لقطات أكتوبريّة:










تمت،

الثلاثون من أكتوبر|٢٠٢١
الرابع والعشرون من ربيع الأول|١٤٤٣

١٠:٣٢ م

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s